العنوان الإعلاميون تحت «سنابك» الأمن
الكاتب محمد أحمد نصر
تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005
مشاهدات 61
نشر في العدد 1646
نشر في الصفحة 42
السبت 09-أبريل-2005
- توظيف الإعلام والإعلاميين لصالح نظم الحكم وأجهزة الاستخبارات والشركات العابرة للقوميات أدى إلى تراجع احترام المهنة عند الناس
- عرفت - من واقع عملي - شخصين أحدهما أسر لي أن جهاز المخابرات العسكرية الصهيوني حاول تجنيده للعمل لحسابهم... والثاني وقع بالفعل في براثنهم
تحاصرنا وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية ليل نهار، بشكل لا يمكن تجنب تأثيراته سياسياً وثقافياً وقيمياً. والحقيقة التي لا جدال فيها أن كثيراً من وسائل الإعلام أصبح أهم أدوات الحرب النفسية والتسميم والتضليل السياسيّ، الأمر الذي باتَ يحتم على المتلقين للرسائل الإعلامية مكتوبة أو مسموعة أو مرئية فهم قواعد اللعبة.
يحدث شيء من هذا في الولايات المتحدة التي تقدم نفسها قلعة للإعلام الحر والديمقراطية، إذ تثور من حين لآخر ثائرة النخب المستقلة لتتساءل عما تنشره وتذيعه وسائل الإعلام، وقد شهدت السنوات الأولى للعقد الماضي أسئلة كبيرة من شاكلة من هؤلاء الصحفيون الذين يساهمون في تشكيل الرأي العام؟ ما ثقافاتهم وكفاءاتهم وارتباطاتهم؟، وما قيمة ما يقولون؟ ومن يمكن أن يقف وراءهم بالمال أو المعلومات؟ ... إلخ.
لعل بعضكم قرأ في الصحف أو على بعض مواقع الإنترنت الموضوعين التاليين:
الموضوع الأول تقرير إخباري نشر على أوسع نطاق، وسوف تجدون نقاطاً وضعت بدلاً من أسماء الجهات صاحبة الشأن، وكان مما جاء في عنوانه المنشور بصحيفة عربية لندنية واسعة الانتشار:
جدل بشأن تفعيل خطط زعزعة الاستقرار
كشف مسؤولون عسكريون ومدنيون في وزارة ........... عن أن الوزارة تدرس اللجوء إلى خطط للتضليل الإعلامي والدعاية على نطاق واسع في العالم، وقال المسؤولون الذين طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم. مراعاة لحساسية الموضوع. إن الخطط المشار إليها إذا أقرت فإنها قد تستهدف كذلك مواطني الدول المحايدة وربما الحليفة، وحذر منتقدو أسلوب التضليل الإعلامي من أن ذلك الأسلوب قد يقود إلى التشكيك في مصداقية الوزارة، إلى درجة يرفض فيها متلقو الرسائل الإعلامية تصديق أي بيان صادر عنها.
ويقول كبير الناطقين باسم الوزارة: «إن المعركة القائمة لتغيير الوعي يستخدم فيها الخصم الإعلام بشكل واضح للتأثير في وعي الجماهير، ودورنا يجب ألا يقوم على تغيير الوعي، ولكن مواجهة ما يقوم به الخصم لتغيير الوعي العام».
وتتضمن خطط الدعاية المطروحة للنقاش زرع قصص إخبارية في الصحافة الخارجية واختلاق وثائق مزورة، إضافة إلى إنشاء مواقع باللغة العربية على شبكة الإنترنت من أجل تقويض تأثير الثقافات والهوية المعادية للقيم الغربية.
وأشار مسؤولون اطلعوا على تلك الخطط إلى أنها تركز بشكل كبير على منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ولكن حملات الدعاية يمكن أن تستهدف كذلك بلداناً حليفة، مثل ألمانيا على سبيل المثال.
يشار إلى أنه أثناء الحرب الباردة اعتادت الأجهزة الأمنية إدراج أسماء صحافيين في كشوفات الرواتب أو إرسال عناصر أمنية متخفية بأسماء صحافية، خصوصاً في غرب أوروبا، وذلك لنشر مقالات مؤيدة من أجل التأثير على سكان البلدان الأجنبية.
ويقع جزء كبير من هذا العمل تحت مجال غير معروف نسبياً ويدعى «الدعم العسكري للعلاقات الدبلوماسية». وتستخدم هذه العبارة الأخيرة لوصف جهود الاتصال مع أطراف أجنبية.
أما الموضوع الثاني فكان قراءة تحليلية لإعلان أو دعوة تنشرها صحيفة صهيونية على موقعها على الإنترنت وقد وضع له كاتبه عنواناً ساخناً هو:
مطلوب جواسيس مجاناً
وجاء فيه:
في سابقة خطيرة من نوعها قام موقع صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية بإضافة زاوية خاصة في الموقع تطالب رواد الموقع بالتعاون معه ومده بالمعلومات تحت مزاعم التواصل بين الموقع ورواده.
وفي هذه الزاوية الجديدة التي تعد دعوة علنية للشباب العربي للتجسس لحساب الكيان الصهيوني جاء ما يلي: هل لديكم أخبار تستحق النشر؟ هل كنتم شهودا على حدث إخباري؟ هل صورتم حدثاً مهماً؟ هل تملكون معلومات لم يسبق نشرها في أي مكان؟ هل واجهتم إخفاقا يهمكم كشفه؟ احكوه لنا وسنحكيه للجميع!!!
ثم يواصل الموقع إعلانه المشبوه بالقول: «هيئة تحرير Arab Ynet » ستفحص المعلومات وستنشر ما تراه مناسبا العبارة السابقة تثير الكثير من علامات الاستفهام وتثير الريبة والشك أيضا، فقد ذكر الموقع هنا كلمة معلومات، ولم يذكر أخبار، وهذه الكلمة - أي «المعلومات » هي المصطلح الأشهر في جهاز الاستخبارات الصهيوني «موساد» وبقية أجهزة الاستخبارات الصهيونية؛ حيث إن أجهزة الاستخبارات في الكيان الصهيوني يطلق عليها «أجهزة المعلومات أو جمع المعلومات»، كما أن جهاز المخابرات العسكرية الصهيوني يسمى «شعبة المعلومات»، ويطلق عليه اختصارا «أمان»!
وتجدر الإشارة إلى أن كافة الصحفيين الصهاينة قد خدموا في مختلف الوحدات العسكرية داخل جيش الاحتلال الصهيوني ونسبة كبيرة منهم قد خدموا في الشعب الأمنية والاستخباراتية المتعلقة بجمع المعلومات والتي أهلتهم للعمل الصحفي!!
لا شكّ أن دعوة التجسس المشار إليها على درجة كبيرة من الخطورة، ولن تكون الأخيرة.
تجسس تحت الغطاء الصحفي
ويرى بعض الإعلاميين المخضرمين أن توظيف الإعلام والإعلاميين لصالح نظم الحكم وأجهزة الاستخبارات والشركات العابرة للقوميات قد أدى إلى تراجع احترام وصدقية المهنة عند الناس. كما لعلنا نذكر أن عدداً من الصحفيين الأجانب في العالم العربي والإسلامي قد ضبطوا متلبسين بالتجسس تحت الغطاء الصحفي، الأمر الذي أودى بحياة بعضهم أو أدى لطردهم شرَّ طردة. بعض هؤلاء لم يقدر له أن يُكشف، ومن أشهرهم رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف الذي كان عميلاً للكي جي بي الروسية متسربلاً بعباءة صحيفة برافدا في القاهرة معظم سنوات الستينيات، ويشك البعض أيضاً أن الفرنسي إيريك رولو - الذي كان مراسلا في القاهرة ثم أصبح سفيراً فيما بعد - كان يعمل لصالح أجهزة استخباراتية فرنسية.
ومن الصحافة اليابانية التي تتخذ لها مكاتب إقليمية في الشرق الأوسط عرفت - من واقع عملي - شخصين أحدهما أسر لي قبل عدة أعوام أن جهاز المخابرات العسكرية الصهيوني حاول تجنيده للعمل لحسابهم، والثاني يبدو أنه وقع بالفعل في براثنهم إذ كان يتحدث بإعجاب عن الصهاينة وما يفعلونه في فلسطين والقدس من نهضة حضارية لا يقوى عليها المتخلفون الفلسطينيون على حد وصفه!! وقد حذرني منه لاحقاً زميل ياباني ثالث باعتباره مندوباً لإحدى منظمات التنصير المسيحي المتصهين، يتخذ من المهنة غطاء مأموناً.
هل تذكرون قصة الصحفي الأمريكي دانيال بيرل الذي جذت رأسه في باكستان بعد شهور من الحرب على طالبان؟ وهل تذكرون مراسل وول استريت جورنال الأسبق في الشرق الأوسط الذي اعتقلته طهران في نهاية الثمانينيات؟
وفي القاهرة حدث في بدايات التسعينيات أن طردت مصر أكثر من صحفي، منهم من كان يعمل في مجلة كايرو تودي، ومن كان يعمل في جريدة «ميدل آيست تايمز».
وحدث قبل نحو سنتين أن صحفيين عربيين كان يعملان في واحدة من أكبر الفضائيات العربية كتبا في الصحيفة الصهيونية المذكورة ثم ما لبثا أن قصدا سفارة دول كبرى في عاصمة خليجية ليلتقطهما رجل الأمن الفيدرالي ويرسلهما مباشرة للعمل في محطة إذاعة ناشئة، يراد بها غسل أدمغة الشباب العربي، أحد هذين الصحفيين يراسل حالياً من واشنطن جريدة عربية لندنية، ويمكن لأصغر قارئ مهتم أن يكتشف مصادره الاستخباراتية من بين سطور التقارير التي تضع الجريدة اسمه عليها.
والخلاصة أن مهنة الصحافة تتعرض للاختراق والتوظيف الاستخباراتي، وللأسف الشديد يسقط البعض ضحايا إغواءات الأجهزة الأمنية، أو تهديداتها، ويستوي في ذلك بلدان العالم الأول والثاني والثالث.
بالتأكيد هناك صحفيون شرفاء كثر بعضهم أوذوا في أرزاقهم أو حرموا من المناصب أو تعرضوا للتعذيب، أو قضوا في سبيل الحق والحقيقة، ولم يقبلوا أن يأكلوا على موائد الطغاة أو أن يرضعوا من ثدي الأجهزة الأمنية والاستخبارية، من هؤلاء في العالم العربي أسماء ينحني لها القراء إعجابا سواء في الغرب أو الشرق..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل