; الإعلام الفقهي ضرورة عصرية | مجلة المجتمع

العنوان الإعلام الفقهي ضرورة عصرية

الكاتب منال أبو الحسن

تاريخ النشر السبت 12-ديسمبر-2009

مشاهدات 35

نشر في العدد 1880

نشر في الصفحة 38

السبت 12-ديسمبر-2009

 

  • معظم الفتاوى التي أثارت حفيظة الناس جاءت من كبار العلماء ذوي المنزلة لدى العامة والخاصة.. أما دور هيئات الفتوى الرسمية فأصبح لا يواجه متطلبات العصر الإعلامية
  • الجمهور وجد في وسائل الإعلام الملجأ الوحيد لسد ثغرة الجهل بالأمور الدينية بعدما فقدت المؤسسة التعليمية دورها الحقيقي في التربية وتضاءلت الثقافة الدينية في المساجد

تنامى الدور الإعلامي في التأثير على الفرد والمجتمع بكافة مؤسساته بعد تطور تكنولوجيا الاتصال الحديثة، وتعدد القنوات الفضائية المتخصصة وإشاعة استخدام الهاتف المحمول والإنترنت بين الناس عامة وفئات الشباب خاصة، وتنامى دور الجمهور في التفاعل مع الوسائل الإعلامية، حتى أصبح العديد من مستخدميها من صانعي الرسالة الإعلامية أو مشاركين في صنعها.

واختلف الأكاديميون والمتخصصون فيما إذا كان التأثير أو الدور الإعلامي في صالح التطور المجتمعي والقيمي، أو أنه أصبح يهدد خصوصية المجتمعات، ويضيع الهوية ويزيد من الفجوة بين الأجيال، وينشر الجهل والرذيلة، ويدعم الخصومة والتفرقة بين الفئات المختلفة.

وعلى مستوى الإعلام الديني ظهرت العديد من الفضائيات ومواقع الإنترنت واستخدم الهاتف الإسلامي للإجابة على تساؤلات المشتركين، وكثر المعروض من هذه المنتجات، مثله مثل باقي التخصصات كالإعلام السياسي والإجتماعي والعلمي والترفيهي وغيره، وتعرض الجميع لنفس الانتقادات من الجمهور والمتخصصين من حيث عدم دقة المعلومات، والتأثير السلبي على الأطفال والشباب، وضعف القدرة على السيطرة على الرسالة الإعلامية أو ما يسمى إعلاميًا بممارسة دور حارس البوابة.

الأمر الذي أدى إلى تحرك المسؤولين وصناع القرار على مستويات عديدة وخاصة المستوى السياسي لضعف قدرته على السيطرة على الجمهور، وظهور اتجاهات عديدة تؤثر على تنفيذ السياسات، وتدعم الاتجاهات المعارضة للدولة، فلجأت بعض الدول لتقنين الاستخدام الإعلامي والتعامل مع وسائل الإعلام ومحاكمة الشباب المستخدمين والمشاركين في صنع الرسالة الإعلامية، ووافقت بعض الدول العربية على وثيقة للبث الفضائي تضع العديد من البنود التي تنظم وتعوق أحيانا أخرى - استخدام وسائل الإعلام، مما دعا بعض الدول العربية الأخرى إلى عدم إقرارها ومثل هذه المحاولات جاءت لتواجه سرعة الرسالة الإعلامية وعدم دقتها وقدرتها على التأثير.

 لم تجد المحاولات السياسية إلى الآن في حل الأزمة، واتهم الإعلام بأنه هو صاحب المشكلة المجتمعية بالأساس، ولكنني أرى أن وراء المؤسسة الإعلامية مؤسسات تعتبر المصدر الأساسي للمعلومات ومحركة بشكل مباشر للمؤسسة الإعلامية، وقادرة على مد الإعلام بالرسالة القيمة والصادقة، بما يسمح بالتحرك الإعلامي المتمتع بالمصداقية والقدرة على التأثير الإيجابي المنشود.

مشكلة مجتمعية

في إطار هذه الظواهر الإعلامية الحديثة ظهر الإعلام الفقهي بما يشكل مشكلة مجتمعية بالفعل، وفرض نفسه على الساحة الإعلامية بما لا يسمح بغلق رسالته أو منعها مع وجود العديد من الانتقادات الموجهة إليه والخاصة بإحداث البليلة لدى الرأي العام حول القضايا الخلافية، وتزايد الخصومة بين الاتجاهات الدينية المختلفة وإساءة صورة رجل الدين، وثراء آخرين بتحولهم لنجوم إعلامية، وعدم قدرة الجمهور على اتخاذ قرارات بشأن المسائل الفقهية المختلف عليها، وبث الفرقة والخصومة بين الناس وبين القنوات وبعضها، وتناول البعض الأمور الدينية بالاستهزاء والسخرية وتأثير السياسة على الفتاوى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحربية والسياسية، وضياع هيبة العديد من رجال الدين تحت وطأة الفتاوى المسيسة. 

ومن الفتاوى التي واجهت انتقادات: فتوى تحليل الفوائد البنكية، وفتوى بجواز رضاعة الأجنبي من صدر المرأة غير المحرمة عليه وفتوى بتحريم التماثيل وصناعتها، وفتوى التدخين في نهار شهر رمضان لا يفطر، وفتوى بإهدار دم كل يهودي «إسرائيلي» موجود في البلاد العربية، وفتوى بجواز «شرعًا» للرجل أن يتزوج ابنته غير الشرعية، والغريب أن معظم الفتاوى التي أثارت حفيظة كثير من الناس جاءت على لسان كبار علماء الدين الذين لهم منزلتهم لدى العامة والخاصة.

الملجأ الوحيد

أما دور الهيئات الرسمية الموكلة بالفتوى فأصبح لا يواجه متطلبات العصر الإعلامية ولا يكفي الجمهور العام للإجابة على تساؤلاته، وربما أصبح يجهله الكثيرون، حيث اعتبر الجمهور أن وسائل الإعلام هي الملجأ الوحيد لهم لسد ثغرة الجهل بالأمور الدينية في وقت فقدت فيه المؤسسة التعليمية دورها في التربية الدينية السليمة، وتتضاءل الثقافة الدينية في المساجد بعدما أصبحت تفتح وتغلق تبعًا لأوقات الصلاة المفروضة فقط.

وذلك كسمة عامة خاصة في مصر ومن هنا برزت أهمية الدور الذي يجب أن يلعبه الإعلام الفقهي في العالم الإسلامي في توحيد العالم الإسلامي كوسيلة من وسائل عدم التفرقة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا (آل عمران: ۱۰۳)، ولكن كيف السبيل؟ وبمن نبدأ؟ 

أرى أن البداية يجب أن تكون من خلال تكوين هيئة إسلامية عالمية للفتوى تضم أعضاء من جميع الفرق والمذاهب والطوائف المعترف بها، والتي تعمل بصحيح الدين من ذوي الخبرة والمرجعية الدينية، مشهورون بالنزاهة والعلم والحكمة، تكون مستقلة وليست تكون تابعة لدولة أو جهة سياسية معينة، حتى لا تقوم بتسييس القضايا والمسائل الفقهية، وتضمن العمل بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء: 59) لها مقرها الدائم ولها جميع الوسائل الإعلامية التي تمكنها من القيام بدورها الدعوي المحترم من قناة فضائية وموقع على الإنترنت وهاتف محمول، وقناة إذاعية ودورية مطبوعة تحوي رسالتها الإعلامية العديد من المنتجات الإسلامية التي تدعم الفقه الإسلامي، وتسمح للجمهور بالتفاعل المقروء والمسموع والمرئي، بالإضافة إلى نشر جميع المستجدات الفقهية والتي يندمج فيها الدين بالظواهر الكونية والتطورات المجتمعية والقضايا الدولية والتطورات العلمية الحديثة في جميع المجالات، تكون مرجعًا فقهيًا للأفراد والجماعات والمؤسسات والهيئات والدول، وتمثل حكما دينيًا في الأمور المختلف عليها .

وللإعلام الفقهي الجماهيري التابع لهذه الهيئة الفقهية الإسلامية العالمية أسس يجب أن يراعيها المنتج الإعلامي يمكن أن ينطلق من أن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.

وهو ما يؤكد أن الخلاف في الرأي من سنن الله في خلقه، وهو ضرورة لا بد منها وأن الخلاف في الفروع رحمة، ولا ينبغي أن يكون سببًا في التفرق، وأن يساعد على استئصال الخصومة التي سببها الخلاف الفقهي، وأن يلتزم بآداب الخلاف، وذلك باعتبار أن الخلاف الفقهي عمل العقل، وهو في مجاله مقرر ومقبول شرعًا، والبغض والحب عمل القلب، ولا ينبغي أن يؤثر عمل العقل على عمل القلب، ومن ثم نضمن من خلال التناول الإعلامي المتوازن والواعي دحض جميع أنواع الخصومة الناشئ عن الاختلاف في الرأي.

وأن يتجنب المراء والتعصب فإنهما يعميان عن الحق ويسيران وراء الهوى فينبغي تركهما محافظة على أخوة الدين فإنها أعظم وأولى.

منهج السلف

وقد حذر رسول الله من الجدل فقال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» (الترمذي: ٣٢٥٣)، ولا مانع من مناقشة الفروع بالتفاعل الجماهيري من خلال الرسائل أو المقابلات المباشرة أو الاتصالات الهاتفية لمعرفة الراجح من المرجوح بشرط أن تكون هذه المناقشة والتحقيق العلمي نزيها تحت ظلال الأخوة والحب في الله، وهذا يعني تأكيد الإعلام الفقهي على فضيلة الحب في الله، ففي هذا الأسلوب ما يوصل للحقيقة بلا خسائر، وهو منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين.

وعلى الإعلام العمل على سد الثغرة التي يمكن أن ينفذ منها أعداء الإسلام لتأجيج نار الخصومة والاختلاف، وذلك من خلال تأكيد ما أطلقه علماؤنا على مدار تاريخ هذه الأمة أن: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، وهي قاعدة مبنية على استقراء نصوص الشرع، وفهم مقاصده.

تنوع وتباين

والتأكيد أن الله قد جبل عقول البشر على التنوع والتباين فلكل إنسان طريقته في التفكير، ووسيلته في تصور الأحكام والمواقف، وتبعًا لهذا التباين ينشأ الخلاف بين عامة البشر قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(هود: 118) لأجل تضييق هوة الخلاف من خلال المناقشات الفقهية الإعلامية فإن هناك مجالات لا يجوز الاختلاف حولها لأنها من ثوابت هذا الدين، وتتمثل في القطعيات الشرعية، ويقصد بها ما كان قطعي الثبوت والدلالة سواء أكان في العقائد أو العبادات أو الأخلاق، أما غير ما هو قطعي في الشرع فالاختلاف فيه واسع وتنوع الأفكار والتصورات فيه وارد ونحن ندفع هذه السنة الكونية بالأمر الشرعي الإلهي بوجوب الائتلاف والاجتماع، قال  الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال:  46).


الرابط المختصر :