العنوان الإعلام كوسيلة تربوية في المنهج الإسلامي ...
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1978
مشاهدات 56
نشر في العدد 392
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 28-مارس-1978
تعددت الوسائل التعليمية التي تحقق أهداف المجتمعات وتنوعت ما بين المدرسة ووسائل الإعلام من صحافة وإذاعة مسموعة ومرئية وملصقات وغيرها، وأصبح الإنسان يكتسب أنواع المعرفة وأساليب التفكير والمهارات والعادات من هذه الوسائل التي أصبحت أدوات تربوية مهمة لما لها من أثر خطير في تكوين أفكار الناس وتغيير اتجاهاتهم وتوجيهها كما يراد لها، كما أنها تمثل عاملًا فعالًا في تكوين الرأي العام الموحد وغرس السلوك الاجتماعي المقصود، ومن هنا فإن أي فصل بين هذه الوسائل والحكومات أمر غير معقول وهو أشبه بمثل عندنا في السودان يقول: «شايف الفيل ويطعن في ضله» أي يرى أمامه الفيل ويطعن في ظله فالإعلام في كل بلد إسلامي ظل للحكومات بأفرادها ومبادئها وأهدافها القريبة والبعيدة وهو بهذه الصفة ليس إلا جهازًا منفذًا لما يراد منه، يتحكم في أفكار الناس السياسية وأخلاقهم وأسلوب معيشتهم وحياتهم بل على مصائرهم أيضًا؛ فإنسان اليوم تستعبده هذه الوسائل وتحرره، فهي إن كانت حرة الاتجاهات مستقلة الأهداف، كانت أداة خير وحرية وإن كانت دكتاتورية الأهداف فاشية النزعة كانت أداة شر واستعباد فهي التي تناصر الدكتاتوريات وتحمي الظلم وتحجب الحقائق وتعمي الأبصار وتعزل المجتمعات إن كانت تحت أنظمة مستبدة، وهي التي تدفع للخير وتنشر النور وتضيء الطريق وتحارب الظلم وتحرر الإنسان وتغرس القيم والمبادئ النبيلة إن كانت تحت أنظمة خيرة كالنظام الإسلامي الذي يطهر وسائل الإعلام من كل المؤثرات التي تحط من قدر الإنسان وقيمته وتنقص من حريته وتمتهن عقله وآدميته. إن وسائل الإعلام في بلادنا المسلمة لا تعمل على تحقيق الأهداف التي رسمها الله للمجتمع المسلم وقد تكون عائقة لهذه الأهداف مما جعل الشباب المسلم يعيش في تمزق وتناقض بين ما يلقن في دروس التربية الإسلامية وما يشاهد ويسمع ويقرأ في هذه الأجهزة الموجهة لمجتمعه والتي تغرس فيه مثلًا ومبادئ لا صلة لها بدينه وحضارته وثقافته، وليس من أهداف الإسلام أن يخلق مواطنًا صالحًا يعيش حياته الدينية في دروس الدين في المدرسة وأداء المناسك في الجامع ويفصل بينه وبين دنياه كما تفعل النصرانية التي اقتصرت على العقيدة والسلوك الأخلاقي من غير تعرض لحياة الناس الدنيوية وإنما يهدف الإسلام إلى «أن يعد الإنسان لأن يعيش هذه الحياة الدنيا ويقوم بشئونها على طريقة هي طريقة الخير والسلام والغلبة والعز، من لدن هذه الحياة إلى الحياة الأخرى. ولهذا الغرض يصحح الإسلام زاوية فكره ونظره ويصلح أخلاقه ويطهر سيرته في قالب مخصوص ويعيد له الحقوق والواجبات ويضع له نظامًا خاصًا للحياة الاجتماعية ثم إن له ضوابط مستقلة متباينة لتربية الأفراد النظرية والعملية وتشكيل المجتمع وتنظيمه، وترتيب جميع شعب الحياة وتنسيقها بها وحدها تتخذ الحضارة الإسلامية صورة حضارة مستقلة ممتازة على اتباعها والتزامها يتوقف بقاء الأمة المسلمة من حيث هي أمة»([1]) وعليه فإن أي منهج إسلامي مقترح للتربية والتعليم لا يمكن أن يوضع ويطبق في دور العلم ويترك في أهم الوسائل تأثيرًا على المجتمع وتوجيًها لها وأكثر الوسائل بثًا للثقافة والمعرفة والاتجاهات الصحيحة والخاطئة والتربية القويمة والسيئة، فلم تعد المدرسة وحدها هي الوسيلة لنقل خبرات الإنسان المتعددة الميادين؛ الأمر الذي يقتضي وضع منهج إسلامي يحقق أهداف المجتمع الإسلامي بما فيه من خصائص وسمات وأن يكون هذا المنهج ملزمًا لوسائل المعرفة والثقافة منها تنطلق وعنها لا تحيد وأن تعمل هذه الوسائل مجتمعة على تحقيق أسمى هدف للمنهج الإلهي وهو عبادة الله وحده ليست العبادة بمفهومها القاصر على الصلاة والزكاة والصوم بل التي تشمل أيضًا مفهومها العام الذي يعني الاستسلام لله سبحانه وتعالى في أمر الدنيا والآخرة والمعاملات والتنظيمات السياسية والاقتصادية والتربوية.
فنظام التعليم في الدولة المسلمة لا بد أن يكون جزءًا من النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للدولة وأن يقوم المنهج التعليمي فيه بدور مكمل لبقية الأجهزة التي تعمل على خلق المواطن الإنسان الذي يمارس تنفيذ المنهج الإلهي عبادة وسلوكًا في المدرسة والبيت والمسجد والمجتمع ولا بد أن تتجه أجهزة المجتمع كلها لخلق جيل مسلم واع وأمة مسلمة تعيش على التعاون والتراحم والمودة والتعاطف، ومعنى هذا أن ينتهي ذلك التناقض بين الأجهزة الموجهة باختلاف وسائلها، وأن يكون الإسلام هو المنطلق للمناهج الدراسية ونظم التربية وسياسيات الدولة وبرامج الإذاعة والتلفزيون ووسائل النشر والصحافة بحيث تعرض المعلومة والخبر والإعلان والتعليق من مفهوم الإسلام ورأيه وأن تعالج المشكلات كلها من وجهة النظر الإسلامية مع التقليل من أساليب الوعظ والإرشاد المجردة من اتخاذ السلوك والحدث والقصة وسيلة لذلك كما جاء في القرآن الكريم وسيرة سيد المرسلين، وأن تخلص الفرد المسلم من دعوات ... والتمثيليات التي تعالج مشكلات وجرائم بيئات غير إسلامية من المناظر الخليعة والألفاظ البذيئة والتهويل والمبالغة ثم بعد ذلك كله تقدم للشباب البدائل من الروايات المغذية للعاطفة السامية والمنمية للخلق العالي والمادة العلمية المستندة إلى حقائق العلم وتجاربه وكل ما يدعو لحب العلم والعمل به وما يثري في الإنسان مشاعر الحب والرحمة والتعاون والتضحية والإيثار والمروءة والشهامة والنخوة والحياة النظيفة للفرد والأسرة والمجتمع، ولا بد أن تكون هذه الوسائل أدوات اتصال بالأمم والشعوب لتحقيق حكمة الله في خلقهم شعوبًا وقبائل، وإذابة الفواصل الجغرافية والتقسيمات الإقليمية بين الشعوب الإسلامية.
إن الإعلام كوسيلة تربوية تقدم العلم وتربط بين المدرسة والبيت والمجتمع وتخلق التناسق بين هذه الأركان لأن الهدف واحد والمنهج واحد وهو منهج الله سبحانه.
حوار مع أخي الصغير
قال أخي الصغير: لماذا خلقنا الله؟
قلت: لنكون خليفته في الأرض.
قال: وماذا تعني الخلافة؟
قلت: أن نقيم شرع الله سبحانه؛ ليحكم الناس به، وما يتبع هذا من عمارة الأرض.
قال: وكيف نعرف شرع الله؟
قلت: لهذا أرسل الله- سبحانه وتعالى- الرسل والأنبياء، ومعهم رسالات الله إلى الناس، لتحكم بينهم، ويسلموا لها.
قال: قلت لي: إن الله سبحانه خلقنا لنكون خليفته في الأرض، ولكنه تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
قلت: ليس في هذا خلاف، فإن من مقتضيات الخلافة: العبودية لله وحده دون سواه، والعبادة ليست إقامة الشعائر الدينية فحسب، بل هي في كل عمل يقوم به الإنسان ويبتغي فيه وجه الله.
قال: هل يعني هذا أني أعبد الله إذا كنت أكتب واجباتي وأقرأ دروسي؟
قلت: نعم.
قال: ولكني أكتب وأقرأ لأنجح.
قلت: ولماذا تريد أن تنجح؟
قال: لأحقق أملي وأصبح طبيبًا.
قلت: ولم تريد أن تكون طبيبًا؟
قال: لأعالج المرضى، وأحارب المرض خدمة للمسلمين ولن أسخر علمي لغير المسلمين- إن شاء الله.
قلت: فهذه عبادة ... وكذلك الذي يتعلم ليكون مدرسًا ينشر العلم بين أبناء أمته، والذي يتعلم ليكون ضابطًا أو جنديًّا يدافع عن أمته وأبناء أمته، ويسعى لنشر دين الله في الأرض.
قال: لقد جعلتني أحس أن لدراستي، وكتابة واجباتي، أهدافًا أكبر مما كنت أظن، ومنذ اليوم سأدرس وأكتب وأنا متجه بقلبي نحو الله ... فأنا أقوم بعبادة.
قلت: بارك الله فيك يا أخي، ووفقك إلى ما يحب ويرضى، وأحب أن أذكرك بأن أي سؤال يخطر ببالك ... له جواب عندي- إن شاء الله- ولا تترك السؤال يدور في نفسك فيحيرك ويقلقك.
قال: شكرًا لك يا أخي ... قد علمتني اليوم شيئًا جديدًا.
([1]) نحن والحضارة الغربية- أبو الأعلى المودودي- ص295.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل