; المجتمع الثقافي (1068) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1068)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1993

مشاهدات 55

نشر في العدد 1068

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 28-سبتمبر-1993

اللسان العربي

التغريب اللغوي

بقلم: عبد الوارث سعيد

«التغريب» مصطلح شاع على الألسنة والأقلام التي عنيت بالذود عن مقومات الأمة الإسلامية وهويتها المتميزة، ويعنون به ما يرادف المصطلح الغربي «Westernization» الذي يدل على عملية مخطط لها من قبل الحكومات الغربية وأتباعها في بلادنا، تهدف إلى صبغ المجتمعات الإسلامية في شتى المجالات بصبغة غربية تفقدها تميزها وتجرها إلى حالة من الرضى بالتبعية للغرب. وهذا أخطر ما يمكن أن تصاب به أمة في صميم كيانها.

والعربية -التي هي لسان الأمة ومجلى حضارتها وتميز شخصيتها- من أهم المجالات التي استهدفها هذا التغريب، لأنها -خلافًا لأي لغة أخرى- مرتبطة بأقدس وأجل مصادر بناء الأمة وحفظ مقوماتها: وهو القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث الإسلام.

لقد حاولوا قتلها فادعوا عدم صلاحيتها للحياة الحديثة، وأن مكانها الملائم متاحف الأثريات، وأن تحل محلها لغة أجنبية. ولما لم تلق دعوتهم قبولًا حسنوا استبدال اللهجات العامية بها، ولما خابت دعوتهم، نادوا بصعوبتها وتباروا في وصف وسائل التيسير التي ذهب بعضها إلى حد الهدم لبعض أنظمتها، وكان من تلك الدعوات «الإصلاحية»(!!) أن تكتب العربية بالحروف اللاتينية. ويندرج تحت هذا المخطط دعوى نبذ الأرقام العربية المشرقية، وإحلال الأرقام الأوروبية (المأخوذة عن العربية) محلها. وهذه المخططات كلها قد باءت في البلاد العربية بالفشل وإن تركت جراحًا هنا وهناك، وأهدرت من طاقات الأمة الكثير.

ثمة لون من «التغريب اللغوي» لم يتنبه له الكثيرون لأنه سرى بخفاء وتدرج دونما ضجيج، فلم يُثر من المقاومة والتعرية له ما أثارت السهام الأخرى، ذلكم هو «تغريب المصطلحات والتراكيب» الذي جاء نتيجة افتتان الكثيرين بلغات الغرب ومصطلحاتها وأساليبها، بينما بضاعتهم- من العلم بنظم العربية وطاقاتها الاشتقاقية والتعبيرية- محدودة ومغلوبة.

من أوضح ضروب هذا «التغريب» طغيان المفردات «الأجنبية» بصيغها الأصلية دون أن تُعرّب (أي أن تُخضع لصيغ اللغة العربية وأنظمتها) والمؤلم أنها شاعت في لغة الكتابة وليس فقط في لغة التخاطب الشفهي من ذلك: تلفون (رغم وجود هاتف)، راديو تلفزيون، فيديو، كمبيوتر، دسك، إيريال، سوبر ماركت، ريموت کنترول، شامبو، كريم، سكرتير، كاسيت، سينما... إلخ. (تحمل وسائل الإعلام المفرطة في حق العربية وزرًا كبيرًا في هذا الجانب).

ومن ذلك التغريب صرعة تسمية المحلات والشركات بأسماء أجنبية (تكتب بحروف أجنبية وعربية أيضًا)، وهذه أمثلة من المنشور في عدد واحد من جريدة الأهرام المصرية (والداء نفسه في كل البلاد والصحف الأخرى): مطاعم (صن ست) مطعم وحلواني «فايف ستارز» «فندق جراند أوتيل» «آيس بيرج» لصناعة التبريد، محلات «كاربت سیتی»، «جرین فالي» للصرافة، الفندق العائم ميس يونيفرس، سوبر مارکت صن رايز، محلات سويت هوم، شركة «مصر سرفيس»، «كواليتي» م.أحمد السيوفي وأولاده... إلخ، سيل لا يتوقف!

ثمة ضرب آخر من التغريب يتمثل في موجة من صك مصطلحات عربية لتعبر عن مصطلحات أجنبية، لكن طريقة الصياغة خالفت المتعارف عليه من قواعد اللغة العربية وصيغها بحيث بدت نشازًا ونشوزًا غير مستساغ، ما الذي تفهمه من المصطلحات التالية: الـ١٨٣٠ «ات»، ألوى، الأنوية، التاريخانية، زا - جامعي الزر - علمي الشعبوي فو - سياسي، ليـ- تاريخي، اليهو –سيحية، (الأمثلة كلها من ترجمة الأستاذ/ كمال أبو ديب لكتاب الاستشراق للأستاذ إدوارد سعيد مؤسسة الأبحاث العربية لبنان /۰۱ ۱۹۸۱م، ص ۲۱ - ٣٤).

وعُرف عن بعض الكُتاب والدوريات غرامٌ بهذا الضرب من التمرد اللغوي الذي يسميه بعضهم «بتفجير للبعد اللغوي.. بالمغامرة الرائدة.. بالجرأة على اللغة.. على بناها العميقة والسطحية، وعلى مكوناتها الصوتية والمورفولوجية «الخاصة بالمفردات» والنظمية «الأساليب».. (المصدر السابق، ص ۱۰).

لسنا ضد توسيع اللغة وتنمية طاقاتها على كل المستويات، لكن بشرط أن نحافظ على قواعدها وخصائصها وذوقها، حتى لا تتحول إلى مسخ غريب لا هو بالعربي ولا بالأجنبي.

أما «التغريب اللغوي» في مجال التراكيب والأساليب، فله حلقة قادمة إن شاء الله..

 الإفراج عن كتاب «مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة» لمصطفى مشهور

المحكمة: لو عمل القارئ بجزء يسير من هذا الكتاب لأصبح للمجتمع شأن آخر!

القاهرة: بدر محمد بدر

أصدرت محكمة جنوب القاهرة الابتدائية حكمها بإلغاء أمر الضبط والإفراج عن النسخ المضبوطة من کتاب «مقومات رجل العقيدة على طريق الدعوة» للأستاذ الكبير مصطفى مشهور.

كانت نيابة أمن الدولة العليا قد تحفظت على الكتاب وأقامت دعوى ضد مؤلفه لتأييد قرار المصادرة والتحفظ، وقد ردت المحكمة برئاسة المستشار أنور الراوي أبو سحلي بأن المؤلف يدعو للاهتمام بالعلم ويدعو الطلاب إلى التفوق في دراستهم، ويدعو كل متخصص في مهنة أو حرفة أن يتقن اختصاصه ويرقى بنفسه ودعوته إلى الفهم الصحيح للإسلام، ويلفت النظر إلى الأفراد الذين انحرفوا في فهم الإسلام وكفروا غيرهم من المسلمين، ويدعو إلى تنقية الإسلام من كل دخل أو لبس أو بدع أو خرافات ويدعو إلى العمل والإخلاص فيه أيًا كان هذا العمل، ولو كان يحتطب فالعمل عبادة، وفي هذه الدعوة محاربة للبطالة بين الباحثين عن الوظيفة الحكومية، والمؤلف يدعو إلى أخلاق الإسلام من لين وتواضع وحلم وبذل وعطاء وجود وكرم، وهذه الأخلاق لو تحلى بها الناس لصلح حال المجتمع وقتل الانحراف وانطوى الفساد، ولقد استعرض المؤلف مزايا الإسلام وتعاليمه وأيد ذلك بالقرآن والسنة، وليس في الدعوة إلى الالتزام بتعاليم الإسلام ثمة جريمة بل هي دعوة لكل الناس إلى الطريق الحق غير مقصورة على رجل العقيدة، فكل من آمن بالله ورسوله ودعا بدعوته هو رجل عقيدة، ولو عمل كل قارئ لهذا الكتاب بجزء يسير مما فيه لأصبح للناس شأن آخر، وانعكس ذلك على المجتمع الذي يسمو بسمو أفراده ويرقى برقيهم ويتقدم بتقدمهم ولا محل للقول بما جاء في خطاب الأزهر -الذي قدمته النيابة- من أن في الكتاب دعوة إلى إحياء الإخوان المسلمين، لأن الإخوان المسلمين موجودة وممثلة في السلطة التشريعية، وإن كانت بشكل غير رسمي.

وقالت المحكمة في ختام حكمها: والمحكمة ترى أن في الكتاب دعوة إلى حق وليس إلى باطل، ونأمل أن يكون كل مسلم رجل عقيدة، وأن يتحلى بأخلاق الإسلام في العلم والعمل وفي البيت والشارع.

الدكتور علي الغزوي «للمجتمع»:

كيف تطمئن هذه البلاد أو بعضها إلى وضع أبنائها في أيادي من لا يحترم عقيدتهم وهويتهم.

الرباط: خالد بن سعيد

·         أسلمة العلوم بصفة عامة والأدب بفروعه من فن ودراسة ونقد، من ضروريات تحقيق المشروع الحضاري الإسلامي المنشود

إن الأدب من أقوى حقول المعرفة تأثيرًا في شخصية الإنسان وحياته، إلا أن مسيرة الأدب التاريخية كثيرًا ما عرفت موجات انحراف وضلال لم ينج منها أدبنا العربي، قديمه وحديثه، وبصفة أشد في لحظتنا المعاصرة. فكثيرًا ما تلطخ أدبنا العربي -المعاصر- بأيديولوجيات تشكيكية تارة، وإباحية استهتارية تارة أخرى، تغفل عن جهل أو تجاهل عددًا من القيم الإنسانية الراقية، وتتضاد مع المقومات الإسلامية وما تحمله من اعتبارات معنوية سامية سامقة..

بهذا الهاجس نحاور الدكتور «علي الغزوي» أستاذ بكلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ليحدثنا عن الوسائل والسبل العملية القادرة على الحد من مثل هذه الموجات الانحرافية في أدبنا العربي الإسلامي.

 المجتمع: لا شك أن ثمة خطورة تمارسها شتى الأجناس الأدبية والفنية عامة من شعر وقصة ومسرح.. لما يحملها التغريب أيديولوجياته التشكيكية والإباحية.. فما الوسائل العملية الكفيلة للحد من هذا الاجتياح الهادف إلى تدمير الفكر والمبدأ والشخصية والهوية عند الشاب المسلم - حسب تصوركم؟

د. الغزوي: للممارسة الفنية أهمية كبرى لما يمكن أن تضطلع بها من دور خطير في تربية النشء، ولاسيما حين يتعلق الأمر بأكثر الأجناس رواجًا مثل الشعر والقصة والرواية والمسرح وغير ذلك من الفنون الأدبية، إن هذه الأجناس ليست خطيرة في ذاتها، لأن وظيفتها أن تحمل مجموعة من القيم الفنية الجمالية، وبها تتحقق أدبية الأدب أولًا وقبل كل شيء دون أن تغفل عن جمال المضمون، ونبل الفكرة، وسمو المعاني، غير أن الانحراف يقع حين يصبح هذا الفن أو ذلك مطية للتعبير عن الانحراف واستفراغ المكبوتات وتضخيم بعض اللقطات الشاذة وتسليط الأضواء عليها، وكأنها هي قاعدة الحياة، أو النموذج السلوكي العام، ومن ذلك دغدغة العواطف غير المتزنة بتقديم مشاهد الجنس أو الجريمة بشتى أنواعها، وبث الفكر التشكيكي بدافع من أيديولوجية معينة، ويزداد الأمر خطورة حين تقبل فئات من الشباب الذي لم يتسلح بعد بالوعي الذي يؤهله للتمييز الصحيح على قراءة بعض النماذج الأدبية، بدافع من الإغراء أو الفضول، ولاسيما في مرحلة المراهقة، ومن سوء الحظ، فإن أدبنا العربي قديمه وحديثه ومعاصره لا يخلو من مثل هذه النماذج، وإن كان شيوعها في العصر الحديث أوسع وأعم.

وهكذا ففي الوقت الذي كان على الأدب أن يكون أداة بناء وتشييد وعاملًا في ترشيد الفكر ووسيلة لتهذيب الذوق لتهيئ الأجيال للإسهام في البناء الحضاري، تجده حين يعرف مثل هذه الانحرافات يتحول إلى أداة هدم خلقي وتدمير فكري وتشويش سلوكي، فتضيع المبادئ والقيم وتضطرب الرؤية لدى الشباب المسلم الذي هو أساس كل بناء مستقبلي.

ولا سبيل لعلاج هذه الآفات إلا بتضافر جهود جميع المهتمين بمجال التربية والتدريس في مختلف المراحل والمستويات، وباضطلاع النقد بواجبه الصحيح بإسهام وسائل الإعلام في التوعية الرشيدة، وتحملها مسؤولياتها التصحيحية كاملة.

المجتمع: حسب سلم الأولويات ما أهم الوسائل في نظركم؟

د. الغزوي: لعل أهم الوسائل الكفيلة بالحد من هذا الاجتياح تتمثل في أسلمة العلوم والمعارف بصفة عامة، ومن ذلك أسلمة الأدب إبداعًا ودراسة ونقدًا، مع ما قد يثار من تحفظ على استعمال لفظة «أسلمة».

فالأسلمة ليست إلا إخضاع نشاط المسلمين أفرادًا وجماعات في مختلف العلوم والصناعات وفروع المعرفة للتصور الإسلامي، كما هو في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وكما استخلصه عدد من المفكرين والمسلمين قديمًا وحديثًا، في المشرق والمغرب، وفي مقدمتهم أئمة الإصلاح في كل عصر ومصر

لقد انهارت المبادئ اليسارية في عقر دارها كما بلغت المقولات الإباحية في الغرب الليبرالي من الكبر عتيًا، بعد أن ظهرت دلائل إفلاسهما معًا. ووصلا بالبشرية إلى مرحلة الإفلاس المادي والروحي معًا، وتسببا في أمراض مزمنة عديدة لا خلاص من معظمها إلا بالطهارة والعودة إلى الله. فلم يعد هناك عاقل يمكنه أن يستمر في تبني هذه الأيديولوجية أو تلك إلا مكابر أو معاند، والمحنة الآن على أبواق هذه الأيديولوجيات والمتمسحين بأعتابها في عالمنا العربي والإسلامي، فهم حائرون كيف يصرفون مقولاتهم بعد أن انكشف الأمر للعيان.

ولعل المرحلة القادمة ستعرف نقاء واتزانًا في الإبداع والنقد بل في مجالات الفكر كلها بصفة عامة.

المجتمع: بالنسبة لما يسمونه في الجامعات الغربية بالدراسة السيميائية للقرآن الكريم وإطلاق مصطلح «الميث» على القصص القرآني مع ما تحمله هذه التسمية من التباسات.. فما تصوراتكم حول هذه المحاولات الهادفة إلى النيل من قدسية القرآن الكريم والتعامل معه وكأنه مجموعة من النصوص، مما ينعكس سلبًا على عقلية جاليتنا الطلابية بالخارج؟

د. الغزوي: إن البحث الجامعي مفتوح لجميع المناهج، شريطة أن تكون علمية وموضوعية. مؤدية إلى النتائج التي تحقق الإضافة والتجديد في مستوى ما من المستويات، ولكن لا يمكن إنكار الجانب الذاتي والأيديولوجي في المنهج، ولاسيما في حقل ما يسمى بالعلوم الإنسانية. وفي مقدمتها الدرس النقدي ولعل ذلك ما يؤدي إلى تنوع القراءات في النص الواحد بتعدد قرائه ودارسيه غير أن دراسة الإبداع البشري شيء والتعامل مع الكلام الإلهي شيء آخر. وتجريب هذا المنهج على النص بطريقة قسرية، ومن ذلك على سبيل المثال ما يجري في بعض الجامعات الغربية، والمعروف أن العلمانية تهيمن عليها جملة وتفصيلًا، حتى في بعض التخصصات التي يسمونها دراسات إسلامية أو «إسلامولوجي» بمصطلحهم، ويشرف عليها ويدرس بها من يحسب على الإسلام مع الأسف ويدرس بها طلبة مسلمون عليهم يتوقف مستقبل هذه الأمة، وإلا فكيف يمكن تفسير بعض شروطهم، وفي مقدمتها ضرورة ترك العقيدة خارج الحرم الجامعي، ووجوب الفصل بين ما هو ديني وما هو معرفي؟ فإذا تجرد الإنسان من عقيدته غدا صفحة بيضاء أو مادة خامًا يسهل تشكيلها وتوجيهها، لأن العقيدة هي التي تمنحه المناعة وتقيه من الاستلاب، وإذا كانت بعض المناهج التي جربت في جامعات غربية علمانية على نصوص دينية كالتوراة والإنجيل، فإن الأمر يختلف بالنسبة للقرآن الكريم، فالدراسة السيميائية للقرآن الكريم ليست بريئة، وإطلاق مصطلح «الميث» على القصص القرآني لا يخلو من إشكالات، ولا يغيب عن الأذهان أن الغاية من وراء ذلك هي النيل من قدسية القرآن الكريم والتعامل معه على غرار التعامل مع النصوص البشرية، إلا أن القرآن مقدس، وسيظل كذلك لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أحب من أحب وكره من كره ولا يمكن النيل من إعجازه الواضح الجلي.

المجتمع: وليت الأمر ظل مرتبطًا بالجامعات الغربية ولكنه يصدر إلينا على يد طلابنا الذين يتابعون دراساتهم العليا هناك، ولا شك أن بعضهم يتبنى مثل هذه النماذج والتصورات ويسعى بعد عودته لتوجيه طلبته إلى اعتمادها في بحوثهم ودراساتهم، وبذلك نخرب بيوتنا بأيدينا مع الأسف، وإن لم يقع التخريب الكلي، فإن النزعات التشكيلية تحوم حول أذهان البعض، وتعشش في فكرهم، فكيف يمكن لعقول عشش فيها الشك وخيم عليها القلق أن تبني وتربي وتوجه؟

د. الغزوي: أجل لو استمر الأمر على هذه الحال، وظللنا نستورد المناهج، ونشحن شبابنا بمفاهيم غريبة عن بيئاتهم وعقيدتهم، منافية لهويتهم، فإن النتائج ستكون سيئة لا محالة، وهذا لا يعني الرفض الكلي للمناهج الأجنبية، فالتواصل ضرورة من ضرورات العصر، ولكن شريطة أن نعرف ما نأخذ وما ندع، وأن نحسن تصريف أو توظيف تلك المناهج التي نبتت في أرض غير أرضنا وأفرزتها بيئات ومجتمعات تختلف في بنياتها ومشاكلها عن بنياتنا ومشاكلنا حتى نتجنب التعسف في التطبيق، ونتخلص من التقليد الحرفي وما يرتبط به من انبهار التابع بالمتبوع.

المجتمع: كيف تتم معالجة مثل هذه المحاولات التشكيكية لصيانة عقلية هؤلاء الطلبة وفكرهم حتى لا تضيع هويتهم بتضييعهم لمصدرهم الرباني العظيم؟

د. الغزوي: إن معالجة هذه المحاولات التشكيكية ومثيلاتها أمر ضروري وملح، قبل فوات الأوان، ولا يمكن أن ندرك أهميته وضرورته إلا إذا تصورنا الأخطار المستقبلية التي يمكن أن تلحق بعقول أبناء أمتنا وتمثلنا ما سيكون لذلك من انعكاس سلبي على مستقبل هذه الأمة.

 وهذه المعالجة مسؤولية جماعية، منها ما يقع على الأفراد، ومنها ما يقع على المؤسسات الثقافية والجامعية، ومنها ما يقع على المؤسسات السياسية التي تناط بها مهمة التخطيط ويرتبط بتوجهاتها التربوية والتعليمية بصفة عامة، فإذا كان الفرد مسؤولًا عن تحصين نفسه لاكتساب المناعة، حين يلتزم بالتربية الصحيحة ويتمسك بهويته حتى يستطيع المواجهة، ويكون في مستوى التحديد فإن المؤسسات الثقافية والجامعية مسئولة أيضًا من خلال ما تقدمه من برامج ومناهج قد تغلب على معظمها النزعة العلمانية أو التسيب باسم الحرية أو تمثل رواج العصر في غياب الأسس الدينية المتينة، وذلك مرتبط أيضًا بالسياسة التعليمية والتخطيط التربوي العام في كل دولة، وما يتصل بذلك من توجهات نابعة من الذات والكيان المستقل أو موحي بها من جهات أخرى، في ظل التبعية أو الوصاية المقنعتين في الغالب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وإلا فكيف يمكن أن نفسر عجز كثير من البلاد العربية والإسلامية عن الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس في مجال التكوين والتعليم حتى حين يتعلق الأمر بالعلوم النظرية والإنسانية. وقد مضى على استقلالها وتحررها عدة عقود من السنين؟

كيف تطمئن هذه البلاد أو بعضها إلى وضع أبنائها في أيدي من لا يحترم عقيدتهم وهويتهم بل لا يعتد بها ويدعوهم إلى التخلي عنها والتجرد منها قبل دخول الحرم الجامعي؟ 

وكيف يمكن لنا أن نفعل في عملية المثاقفة ونحن مستلبون منهجيًا وفكريًا؟

وهل يجوز لنا أن نظل إلى اليوم مستهلكين للمناهج الغريبة عن عقيدتنا وواقعنا وتطلعاتنا. نكتفي بالتلقي دون إبداع ودون أن نستطيع تمثل المنهج الإسلامي الذي يحمينا ويقي فكرنا من الزيغ والانحراف، مع أن هذا المنهج حقيقة ملموسة لا مجال لإنكارها أو تجاوزها، وبه استطاع أسلافنا النبوغ في مختلف مجالات العلم والمعرفة وبواسطته بنوا حضارة شامخة لا تزال مثار إعجاب وتقدير. إننا لا نستطيع الآن ولا في المستقبل أن نؤدي مهمتنا الإنسانية في البناء الحضاري بطريقة إيجابية في غياب المنهج، ولا يمكن أن نحصن عقول أبناء هذه الأمة إلا بهذا المنهج الرشيد.

فالمعركة أعمق وأبعد مما نتصور، والتحدي فيها منهجي بالدرجة الأولى فينبغي أن نكون في مستوى المسؤولية، ومهما تعددت الأسس المشتركة في المناهج فينبغي أن تصدر عن منهجنا الذي يعكس ذاتنا وينسجم مع عقيدتنا، كما يصدرون عن منهجهم أو مناهجهم التي تعكس تصوراتهم ونظرياتهم، وتعبر عن ذواتهم، وبدون أن ندرك حدود منهجنا ومقوماته وبدون أن نعي خلفيات مناهجهم، فسنظل مستهدفين لغزو منهجي منظم بدأ مع حركة الاستشراق، ونما مع الفلسفات المادية، وترعرع في أحضان الدراسات الأنثربولوجية والبنيوية بمختلف فروعها واتجاهاتها، وانتهاء بدراسة «الجينات» وعلاقاتها بالإبداع وحفظ الأجناس والسلالات منه في مختلف مجالات المعرفة، وبالدراسات المستقبلية والاستراتيجية وما تقوم عليه من أسس تتجدد باستمرار في مختبراتهم العلمية وتجاربهم الفكرية في مؤسسات البحث التي تتدفق عليها الأموال والأجهزة بسخاء، بينما لا يستطيع معظم علمائنا ومفكرينا كسب الحد الأدنى لصيانة جيش الباحثين هناك، وقد يأتي الخطر من بعض هؤلاء أنفسهم. ولا سيما حين يتنكرون لمبادئهم وتضعف صلتهم بأمتهم لسبب أو لآخر..

الرابط المختصر :