; الإمامة والسياسة | مجلة المجتمع

العنوان الإمامة والسياسة

الكاتب محمد الشاذلى النيفر

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990

مشاهدات 89

نشر في العدد 976

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 31-يوليو-1990

  • ·       الخلافة هي الأصل الثاني عشر من الأصول الإسلامية وإقامتها واجب على الأمة.

    ·       لم يتصدع بنيان الدولة إلا عند عدم الالتزام بالمبادئ الإسلامية.

    ·       الفصل بين الدين والسياسة بدعة لم يعرفها المسلمون في عصر من العصور إلا في عصر التبعية للغرب.

    ·       سياسة الدنيا على أساس المبادئ الإسلامية هي الضمان لأن نخلع ثوب التبعية الذي ندور في فلكه ونظن عدم قدرتنا على العيش بدونه.

    يركز الإسلام على موافقة الفطرة الإنسانية، محافظة على مقوماتها وتشذيبها من كل ما يكدر مشربها، ويسير بها في غير ما فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليه كي لا تختلط الأمور وتضيع الحقائق وتعم الفوضى.

    وهيأ لها سبحانه وتعالى جمهور الأمة التي لا تجتمع على ضلالة، وهم جمهور أهل السنة والجماعة، فوضحوها ودونوها حتى لا يرتاب المرتاب ويحيد عن الصواب، وهي ما اتفقوا عليه من أركان الإسلام وأصوله، وهي الخمسة عشر الواجبة على كل المكلفين ذكورًا وإناثًا.

    ومن خالف فيها لم يكن من أهل السنة، وهي أصول أجمعوا عليها، وما تفرع منها فهو معروض للاجتهاد، لأن هذا الدين راعى المصالح، وأفسح المجال للفكر، وفي تحديد الأصول الإسلامية نفى للتحريف والتزييف حتى لا تتغير الشريعة الحكيمة في أصولها وتضل الأمة كما ضلت الأمم الكتابية السابقة، وأما الفروع فإنها هي محل الاجتهاد.

    ومن هذه الأركان الأصولية الخلافة والإمامة وشروط الزعامة.

    ذكر البغدادي في «الفرق بين الفرق» أن الركن الثاني عشر من الأركان الأصولية الخلافة والإمامة، وأن الإمامة فرض واجب على الأمة لأن الإمام يُنصِّب لهم القضاة والأمناء ويضبط ثغورهم ويغزو بجيوشهم، أي أن الإمامة واجبة لإنارة العقول وللدفاع عن حوزة المسلمين حتى لا يصبحوا أُكْلَة لأعدائهم يسوسونهم علانية أو بأساليب خفية فلا يستطيعون نهضة صادقة تجعلهم أقوياء، كما أنه يقسم الفيء بينهم وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.


    طريق عقد الإمامة للإمام: الاختيار بالاجتهاد

    اجتمعت الأدلة على وجوب الإمامة والاضطرار إليها، وهي أدلة قاطعة ليس هذا المقال متسعًا لبسطها.

    فالخلافة والإمامة من أصول أهل السنة الفرقة الناجية السائرة على ما نطق به القرآن الحكيم وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

    ثم إن الخلافة أدت بالمسلمين إلى ما أبهر الأنظار في الدين والدولة، ولم يتصدع بنيان الدولة إلا عند عدم الالتزام بالمبادئ الإسلامية.

    أما يوم كانت المبادئ الإسلامية ملتزمة حتى وإن اختلفت طريقة العقد في الاختيار، لكنها لم تبتعد بُعدًا قصيًّا يُقصيها عن مسيرتها الأولى، فالدولة في عز ومنعة وسعة معرفة.

    وقد أدرك ما أدته الخلافة في الإسلام غير المسلمين -علاوة على المسلمين- من الذين عاشوا في ظل الخلافة الإسلامية إن عز الدولة الإسلامية سببه ارتباطها بالدين القويم، فعاشت الدولة الإسلامية في قمة القوة والنهوض العلمي والرخاء، والشعب ينعم في ظل قانون لا يعرف الخروج عن الحق، وما ذكر من تجاوزات هي لا تذكر ولعلها غير صحيحة، كما نسب للرشيد الخليفة العباسي ما حرر ابن خلدون أنه بريء منه.

    وهذا ما عبر عنه الحكيم الطبيب الذي هداه الله إلى الإسلام علي بن ربن الطبري، فقد كان مسيحيًا ثم أسلم على يد المعتصم بالله العباسي على بصيرة من الأديان السماوية، وهو صاحب المعلمة الطبية المتوفى سنة 247، عبر عنه في كتابه الدين والدولة في الفصل السابع في أن غلبة النبي صلى الله عليه وسلم آية من آيات النبوة، (ووضح في هذا الفصل أن الغلبة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت باسم الله، والدعاء إلى خالق السماء والأرض، والتزهيد في الدنيا -مع أن الإنسان لا ينسى نصيبه منها- والترغيب في الآخرة، والنهي عن الشركاء والأنداد والفواحش والنجاسات، ثم ظهرت هذا الظهور والاستعلاء في أقطار الدنيا وآفاقها وبرها وبحرها من لدن السوس الأقصى إلى فيافي الترك والتبت)، إلى أن قال عالمنا إن تلك الغلبة تقوم مقام آيات النبوة لا محالة.

    ومما قاله من أن غلبة الدولة الإسلامية آية من آيات النبوة هو أمر مجمع عليه، وإنما سُقنا كلام ابن ربن لإظهار أن الجهاد الإسلامي سواء من النبي صلى الله عليه وسلم أو من الخلفاء الراشدين أو من الخلفاء الذين جاءوا من بعدهم لم يكن لأجل الملك كما يقول علي عبد الرازق إن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم كان للملك.

    فالبون شاسع بين ابن ربن المسلم والمسيحي سابقًا وعلي عبد الرازق الذي هو من وسط إسلامي، فكيف أبدى ضلالته مع أن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم لم يخفَ حتى على من كان مسيحيًا؟

    وكتابه هذا جعله في إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت نبوته عليه الصلاة والسلام إثباتها ضاقت به الصحف، وإنما مثل هذه الشهادة من مسيحي عريق في المسيحية والعلم يؤديها تكون شهادة لها وزنها، ولذلك حار المستشرقون في أمره حتى ادعوا أنه يهودي، وعلى كلٍّ شهادته لها قيمتها.


    أثر بناء سياسة الدنيا على الدين

    ومع هذه الحقائق الواضحة نسمع من يقول: الحرص على التفريق بين المقدس والزمني والفصل بين الدين والسياسة داعيًا إلى أن الدين مفصول عن السياسة، ذهابًا منه إلى أن السياسة زمنية متقلبة لا تجتمع مع الدين، وهذا بالنسبة للسياسة التي لم ترتكز على المبادئ الإسلامية فإنها في تقلبها وأسسها غير الثابتة هي التي لا تتفق مع الدين.

    أما إذا بنينا سياستنا في أصولها على المبادئ الإسلامية لا فصل بين الدين والسياسة، فالسلف الصالح منا لما أسس سياسته على أصول إسلامية تبوأ مقعد الزعامة العالمية، وساس الدنيا سياسة وفقت بين الدين والدنيا، وليس ذلك اليوم بالصعب الذي لا يمكن فيه التوفيق بين الدين والدولة؛ لأن المبادئ الدينية في سياسة الدنيا واضحة، وإنما تحتاج إلى التطبيق بأيد عارفة مخلصة، وهي الضمان لأن نخلع ثوب التبعية الذي لم نزل ندور في فلكه، ظنًا منّا أننا لا نقدر على العيش بدونه، مع أنه نفسه لم يستطع في أقوى نظام انفصل عن الدين أن يبقى حين بانت أعواره وملته الشعوب.

    والتجارب الإسلامية في تركيز الحكم الصحيح أثبتها التاريخ في أزمنة متعددة، فحين يأخذ بها المسلمون تقبل الدنيا عليهم بحذافيرها، وحين يعرضون عنها تتعثر حياتهم ويفقدون زمام أمورهم، كما وقع للمسلمين حين دخولهم تحت الاستعمار فإنهم في فترة دخولهم تحته ابتعدوا فيها عن الإسلام، ومع ذلك لولا الإسلام لذابوا في القوات التي كادت تبتلعهم.

    فالفصل بين الدين والسياسة لا نجني منه إلا ما نحذر منه ونخافه والله الهادي إلى سواء السبيل.

     

     

الرابط المختصر :