; الإمام البنا في ذكراه | مجلة المجتمع

العنوان الإمام البنا في ذكراه

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2010

مشاهدات 49

نشر في العدد 1893

نشر في الصفحة 36

السبت 13-مارس-2010

مقال

الإمام البنا في ذكراه

نتذكر دائمًا رموز الأمة السابقين كلما اشتدت لأمثالهم الحاجة، ليسدوا الثغرة، ويلبوا الحاجة، ويقوموا بالواجب المطلوب لزمانهم ومكانهم في عملية الإحياء، قد يكون الرمز الذي تتذكره خليفة راشًدًا مثل عمر بن الخطاب وكالة، وقد يكون قائدًا عسكريًا فذًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، أو خالد بن الوليد أو صلاح الدين الأيوبي، وقد يكون مربيًا روحيًا مثل عبد القادر الجيلاني، أو حسن البنا.

بقلم: مصطفى الطحان

وقد يكون الرمز معلمًا أو عالمًا.. في أمور الدنيا أو في أمور الدين.. قد يكون عربيًا من مصر، أو كرديا من العراق، أو داغستانيا من القوقاز.. فهذه الأمة أنقذها الله من دعاوى الجاهلية فقال نبيها فيها: «ليس منا من دعا إلى عصبية».

وقد يكون الرمز شابًا، وأكثر الرموز من الشباب.. فهم أقوى أجسادًا، وأقوم معرفة وأحد عقولًا.. وقد يكون كهلًا عجنته الأيام فصاغت منه واحدًا من هؤلاء الذين قال المصطفي فيهم «إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للناس أمر دينهم».

ونحن نبحث عن هؤلاء الرموز، نعيش معهم، ونجلي جوانب عظمتهم، ونبحث عن الجانب الأهم في حياتهم.. هل لأننا مغرمون بالتاريخ؟

كلا.. بل لأننا مغرمون بصناعة الحياة وصناعتها تحتاج إلى عالم ومتعلم، وتحتاج إلى قدوة كريمة وشاب يتطلع إلى هذه القدوة ينفعل بها، فتهديه إلى الطريق.

والأمة التي لا توفر رموزها.. بل الفتية الذين امنوا بربهم وزادهم ربهم هدى، إن لم يصادفوا مثل هذه الرموز يطول عليهم الطريق وتصعب عليهم المهمة، وإذا كان سيدنا محمد ﷺ قد أخى بين المؤمنين فنحن نريد أن نؤاخي بين رموز الماضي ورموز اليوم لإعادة بناء الحياة.

لهذا السبب أكتب اليوم عن الأمام حسن البنا يرحمه الله كما نكتب عن غيره من الرموز.. صناع الحياة.

في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وقعت بلاد المسلمين في أيدي الصليبيين احتلوا أرضها، وامتصوا دماءها وثرواتها، وعبثوا بفكرها ودينها، وأقاموا لهم رجالًا من بيننا يتحدثون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا، ولكنهم سدنة لمعابدهم، أقاموهم رموزًا لشبابنا، وأسبغوا عليهم من صفات المجد والشهرة والعلم ما أزاغوا به عيونهم كنا بأمس الحاجة إلى رموز أخرى تمثلنا من أصحاب الإيمان العميق، والفكر الدقيق والحس المرهف والإرادة الصلبة.. يشعرون بما تعانيه أمتنا من أمراض يشخصون داءها ويصفون لها الدواء.

ومن هؤلاء الشيخ حسن البنا -يرحمه الله- الذي نحن بصدد الكتابة عنه والذي يقول الشيخ محمد الغزالي عنه في مقدمة كتابه دستور الوحدة الثقافية: حسن البنا الذي أصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة، فقد وضع جملة مبادئ تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف الغانم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء، بيد أسية، وعين لماحة فلا تدع سببًا لضعف أو خمول.

كان مدمنًا لقراءة القرآن يتلوه بصوت رحيم، وكان يحسن تفسيره كانه الطبري أو القرطبي، وله قدرة ملحوظة على فهم أصعب المعاني ثم عرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب.

وهو لم يحمل عنوان التصوف، بل لقد أبعد عن طريقة كانت تنتهي إليها بيئته.. ومع ذلك فإن أسلوبه في التربية وتعهد الاتباع وإشعاع مشاعر الحب في الله، كان يذكر بالحارث المحاسبي وأبي حامد الغزالي.

وقد درس السنة المطهرة على والده الذي أعاد ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، كما درس الفقه المذهبي باقتضاب، فأفاده ذلك بصرا سديدا بمنهج السلف والخلف، ووقف حسن البنا على منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا، ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب، ومع إعجابه بالقدرة العلمية للشيخ رشيد، وإفادته منها فقد أبي التورط فيما تورط فيه .

ولعله كان أقدر الناس على رفع المستوى الفكري للجماهير، مع بعده عن أسباب الخلاف ومظاهر التعصب.

ولقد أحاط حسن البنا بالتاريخ الإسلامي، وتتبع عوامل المد والجزر في مراحله المختلفة، وتعمق تعمقًا شديدًا في حاضر العالم الإسلامي، ومؤامرات الاحتلال الأجنبي ضده.

ثم في صمت غريب أخذ الرجل الصالح ينتقل في مدن مصر وقراها، وأظنه دخل ثلاثة آلاف من القرى الأربعة آلاف التي تكون القطر كله.

وخلال عشرين سنة تقريبًا صنع الجماهير التي صدعت الاستعمار الثقافي والعسكري، ونفخت روح الحياة في الجسد الهامد.

هل عرفت لماذا نكتب عن حسن البنا؟

لا نريدها اليوم كتابة للاستمتاع.. بل كتابة تشد العزائم.. وتقبض على ناصية الأمور.. وتعيد صناعة الحياة بأيدي طليعة المستقبل.

صناعة الرموز

كان الإمام حسن البنا مشغولًا بصناعة الرموز، وهي مهمة كبيرة وشاقة إلا من سهلها الله عليه فأنت تسمع من كثير من المربين كلمات تشجع الشباب على التميز.. ثم لا تجد ثمرة عملية لهذا التشجيع، وإذا تساءلت عن السبب لوجدته في:

الإخلاص الذي يميز فريقاً من الدعاة في دعوتهم.. في دأبهم على الشباب وتربيتهم.. في حبهم لأبنائهم.. في الأخذ بأيديهم للتميز.

كان على رأس هؤلاء القائد النبي محمد الذي نما الحب بينه وبين من يدعوه إلى درجة أن الرسول ﷺ أصبح أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين.. ومن نتائج هذا الحب أصبح أبو بكر الصديق وأصبح عمر الفاروق، وأصبح أبو عبيدة أمين الأمة أصبح خالد بن الوليد سيف الله المسلول ولقد سار الإمام البنا على هدي النبي فحرك الجسد الهامد فأشعل الشوق فيه.. وأخذ بأيدي الفتيان من أمثال: توفيق الشاوي والسيد سابق، ومحمد الغزالي، والبهي الخولي، ويوسف القرضاوي، وكامل الشريف وعمر التلمساني، ومحمد فريد عبد الخالق فأصبحوا دعاة عظماء: بكلمة أو بموقف عملي اتخذه معهم الإمام الشهيد.

كنت في عمان في الاحتفال الذي أقامه الإخوان المسلمون بمناسبة مرور مائة سنة على مولد الإمام حسن البنا.. وقد تحدث في هذا الاحتفال الأستاذ كامل الشريف -يرحمه الله- الذي كان مسؤولًا عن مجاهدي الإخوان في فلسطين..  قول: عندما زارنا الإمام حسن البنا في فلسطين يتفقد أبناءه المجاهدين كتب لي رسالة يحدد لي موعد وصوله.. وفي فلسطين قال لي الإمام: لو زرت فلسطين ولم ارك لاعتبرت رحلتي فاشلة.

ماذا صنعت كلمات إمام الأمة في شاب صغير هو كامل الشريف؟ كيف سينمو الحب بين الجندي والقائد؟ ثم كيف سيكون الرمز الكبير قائد الجهاد في فلسطين والقناة فيما بعد؟

هناك فرق كبير بين كلمات هامدة لا قيمة لها يقولها بعض الدعاة للأبناء.. فلا تلامس قلوبهم ولا توقد شرارة الحب بينهم.

وبين قيادات ربانية مخلصة.. تعيش وقدة الحب والشوق مع إخوانهم الشباب.. الذين لا يحتاجون عندئذ إلا لكلمة واحدة أو موقف مع القائد ليتقدموا الصفوف.

إسرائيليات اقتصادية

د. زيد بن محمد الرماني

إذا كان للإسرائيليات القديمة أثر خطير على العلم والمعرفة، فإن العالم يعيش في هذا العصر إسرائيليات من نوع أخطر وقد توزعت الإسرائيليات المعاصرة، رقعة واسعة من حياة الإنسان المعاصر والمجتمعات المعاصرة.

ففي حياة الفرد إسرائيليات، وفي حياة الأمة إسرائيليات، وفي تصورات الناس وأفكارهم إسرائيليات، وفي معارفهم وثقافتهم إسرائيليات، إسرائيليات فكرية وسياسية وأدبية وفنية واجتماعية وإعلامية واقتصادية.

خرافة التجارة شطارة حيث دعى مروجو الإسرائيليات الاقتصادية إلى الفصل التام بين النظام الأخلاقي والتعامل التجاري وطالبوا بعدم إقحام العنصر الأخلاقي في العمل التجاري، ورأوا أن مكان مكارم الأخلاق ليس السوق والتجارة ولا الاقتصاد وإنما المساجد وبيوت العبادة، واعتقدوا بوجود التناقص الشديد بين القيم الأخلاقية والمعاملات التجارية.

يروجون هذه الخرافات والإسرائيليات بين التجار والاقتصاديين ورجال الأعمال والمال. ويقولون لهم اختاروا إحدى سبيلين إما طريق رجال الأعمال الناجحين والتجار الرابحين، وعندها لا تفكروا بالقيم والفضائل الأخلاقية.

وإما عن طريق الأخلاق والفضائل وعندها عليكم أن تهجروا طريق التجارة والاقتصاد والمال.

ويرفع مروجو هذه الإسرائيليات شعار التجارة شطارة، أي أن الأخلاق والتجارة نقيضان لا يجتمعان.

ومعنى كون التجارة شطارة عند هؤلاء أنها تقوم على استغلال الظرف واقتناص الفرص، واستخدام أية وسيلة تقود للربح بغض النظر عن كون هذه الوسيلة مباحة أم محظورة مقبولة أم مرفوضة، أليست هذه الوسيلة تحقق مالًا وربحًا؟! إنها مقبولة في العرف التجاري، لأن التجارة شطارة!!

وراجت هذه الإسرائيليات في السوق التجاري والتعامل المالي، وانتشرت بين كثير من التجار ورجال المال والأعمال.

إذا نهيت تاجرًا عن التعامل بالربا، قال لك: دعني أتاجر وأربح وأكسب، لأن «التجارة شطارة».

إذا دعوت تاجرًا إلى الصدق التجاري وترك الغش والتزوير والخداع والمكر والتحايل قال لك: دعني أستخدم من الوسائل ما يحقق الربح، لأن «التجارة شطارة».

وإذا نهيت تاجرًا عن المتاجرة بالرذائل والفواحش وبيع الأعراض وترويج الدعارة وترويج المخدرات وتنشيط السياحة الضارة وترغيب السائحين بهذه القاذورات رفض ذلك، لأن «التجارة شطارة».

وإذا دعوت تاجرًا إلى رحمة الضعفاء والصدقة على المساكين ومساعدة المحتاجين وإنظار المعسرين وتأخير مطالبة المدينين العاجزين، رفض هذه الفضائل الأخلاقية، لأن «التجارة شطارة».

وفي الحقيقة، إن الإسلام يحارب هذه الخرافات التجارية والشعارات «الإسرائيلية»، ويربط ربطًا وثيقًا بين النظام الأخلاقي والتعامل التجاري، ويدعو التاجر المسلم الناجح إلى اعتبار التجارة عبادة لله وليس شطارة، يراعى أحكام الإسلام فيها ويتقرب بها إلى الله سبحانه ويرجو منه الرزق والربح والتوفيق.

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى ذلك كثيرة، نعرض بعضًا منها للتأكيد والتدليل والبرهنة، يقول تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ (البقرة).

ويقول عز وجل: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ , ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ , وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ﴾ (المطففين).

 ويقول رسول الله ﷺ: «إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق» (رواه مسلم). ويقول: رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى. (رواه البخاري). وهكذا ، يتضح مما سبق من آيات وأحاديث الرباط الوثيق بين الأخلاق والاقتصاد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

549

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية