; الإمام البنا... وقيم الإعلام الإسلامي المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان الإمام البنا... وقيم الإعلام الإسلامي المعاصر

الكاتب أحمد محمد إبراهيم

تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002

مشاهدات 73

نشر في العدد 1488

نشر في الصفحة 66

السبت 09-فبراير-2002

يحدد علماء الاجتماع قناتين تجري في إطارهما عملية الاتصال الإنساني الأولى قناة الاتصال الشخصي المباشر، والثانية قناة الاتصال الجماهيري غير المباشر. 

ففي الأولى يلتقي المرسل بالمستقبل وجهًا لوجه ويتلقى أحدهما عن الآخر رسالته، ويعرف آثارها على قسمات وجهه، ويدرك ما حققته من تأثير عبر سماع رده ورؤية سلوكه، وهذا النوع يعتبره العلماء النمط الأكثر تأثيرًا، إذ يعتمد كلية على الصفات الشخصية والقدرات الذاتية للمرسل القائم بالاتصال، وقوة حجته وفصاحته، ومدى قدرته على الإقناع، ومدى ثقة المتلقي فيه، ومدى اقتناعه به وبدعوته، وما لذلك من أثر في نجاح رسالته وحسن تلقي دعوته.

 وفي الثاني تنتقل الرسالة من المرسل إلى المستقبل عبر الوسائط ذات الانتشار الجماهيري كالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز والشريط... إلخ، وهنا لا يتمكن المرسل من معرفة رجع الصدى إلا بصورة متأخرة شيئًا ما، إذ يستغرق تعرف أثر الرسالة وقتًا طويلًا.

ويحدد علماء الاجتماع أركان وعناصر عملية الاتصال الجماهيري بخمسة عناصر هي المرسل والمستقبل والرسالة والوسيلة ورجع الصدى ولكل منها مواصفات وشروط، إذا توافرت في صورتها المثلى كان نجاح عملية الاتصال الجماهيري أمرًا حتميًّا، وإذا اختلت الشروط في عنصر من العناصر كان فشل عملية الاتصال أمرًا متوقعًا.

كان هذا المدخل الموجز ضرورة نظرية التصور الموضوع الذي نحن بصدد تقديمه وهو: «الإمام البنا... إعلاميًّا».

فلقد تأملت حياة الإمام الشهيد حسن البنا، باحثًا عن الجوانب غير التقليدية في شخصيته، ومن واقع اهتماماتي وجدتني مدفوعًا بالتنقيب عن الجانب الإعلامي في حياته، أي البنا كرجل يمارس الإعلام والاتصال بقنواته المختلفة لتبليغ رسالته وإيصال دعوته.... فوجدتني أمام كنز مطمور ومدرسة في الإعلام الإسلامي لم يسلط عليها الضوء بعد، ولم يتطرق إليها أحد بالدراسة.

 ورأيت ما تحقق لدعوته من نجاح وانتشار جماهيري غطى قارات العالم، فعدت أتأمل صفاته كصاحب دعوة، وموجه الرسالة وأتفحص كيف كان بعد رسالته ويصوغ حجته، ويوجه دعوته؟.. وماذا كانت وسائله ووسائطه.. ومن جمهوره ومتلقو دعوته..... وكيف كان صدى تلقي رسالته، وما حجم انتشار دعوته وآثارها في النفوس.. وماذا عن أسلوب عمله في الدعوة، ومنهجه في الإعلام؟

 وخرجت من هذه الدراسة المتواضعة لأحد الجوانب المهمة في شخصية الإمام الداعية بنتيجة مؤداها أن البنا في حسن فهمه، وصدق توجهه وسلامة أسلوبه، ووضوح فكرته، ودأبه على دعوته وموضوعيته، وسمو رسالته، وتلمسه جميع الوسائل المتاحة في عصره للوصول إلى جمهوره، نموذج لرجل الإعلام الناجح الذي جسد الأسوة الحسنة والقدوة العملية الطيبة للعاملين في الصحافة والإعلام، وبخاصة العاملون للإسلام.

بدأت دعوة البنا بصدق تلقيه للخبر وانفعاله به وحسن فهمه وتدبره لأمر دينه ودعوته، وكان الخبر الذي زلزل كيانه هو سقوط الخلافة الإسلامية في الآستانة عام ١٩٢٤م، وكان آنذاك طالبًا في دار العلوم، ففكر بعمق، ودفعه صدق الولاء والانتماء إلى القلق والتخوف على مستقبل الأمة واعتبر أن إقامة دولة الإسلام التي تجمع المسلمين من جديد واجب ديني على كل مسلم ومسلمة.. فألى على نفسه حمل هم الدعوة وتبليغ الرسالة من خلال منهج فريد يقوم على العمل الجماعي المنظم المؤسس على التقوى، ويترسم خطى أعظم داعية وخير رسول: محمد ﷺ الذي اهتم بتربية المسلمين على مبادئ الإسلام الصحيح، واهتم برباط الأخوة والحب بين الأفراد، كما اهتم بإعداد المسلمين للجهاد والدفاع عن عقيدتهم.

 وهكذا تحددت لديه الغاية، وتبلورت الوسيلة فعمد إلى تحديد الرسالة بفهم جديد لا يخل بالأصول، ولا ينافي ما استجد في ذلك العصر الذي يعيشه، وقد وفقه الله في وضع الأسس والضمانات التي تسير عليها دعوته دون انحراف في الفهم أو شطط في الأسلوب، فكانت أركان البيعة العشرة، وواجبات الأخ العامل والوصايا العشر ومقومات الفرد المسلم وغير ذلك مما تعرض له رسائله، وما يحدده منهج دعوته.

وكان تركيزه شديدًا على قضية الفهم الصحيح، كما جاء به الرسول وكانت الأصول العشرون الضامنة بعد الله لنجاح رسالته وانتشار دعوته، وحماية جماعته من الغلو والتطرف، وكان أسلوبه المعتدل دون تهور أو اندفاع، ودعوته إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة سببًا في حسن استقبال رسالته وتحقق الأثر الطيب والانتشار الجماهيري الواسع لها.

الرابط المختصر :