العنوان الإمام الشهيد- حسن البنا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1981
مشاهدات 61
نشر في العدد 516
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 17-فبراير-1981
«الحياة الإسلامية بناء يقوم على أربعة أعمدة: الحكومة والأمة والأسرة والفرد».
ستة رجال مع الإمام حسن البنا بدأو الطريق الشاق، طريق الدعوة.
نحن إخوة في خدمة الإسلام، إذًا فنحن «الإخوان المسلمون».
نشأته:
ولد في أكتوبر ١٩٠٦ في قرية المحمودية بمصر، وكان والده المرحوم الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا إمامًا لمسجد القرية ومن الأزهريين، واصل الدراسة والبحث الفقهي طوال حياته.
دخل حسن البنا الكتاب في الثامنة من عمره ثم انتقل إلى المدرسة النظامية في الثانية عشرة، ضمه أحد مدرسيه إلى جمعية الأخلاق الأدبية، ثم ما لبث أن شارك في تأسيس جمعيات مدرسية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
التحق بعد انتهائه من الدراسة الإعدادية بمدرسة المعلمين بدمنهور، وبعدها بدار العلوم بالقاهرة عام ۱۹۲۳ وتخرج فيها عام ١٩٣٧ ثم عُين مدرسًا بمدينة الإسماعيلية.
الظروف التي أحاطت بنشأته وتكيفت بها دعوته
كانت البلاد الإسلامية قد أطبق عليها المستعمرون وتعاني حالة من التمزق والتخلف الشديد، وقد استطاع التآمر الدولي ضرب مقاومة الشعوب الإسلامية والسيطرة على ثرواتها وسلبها مقوماتها الحضارية، ومن ذلك قيام إيطاليا بغزو ليبيا بوحشية بالغة عام ۱۹۱۱، وكان شعار حملتها محو الإسلام من تلك الديار لأنها كانت تريد البلاد أرضًا بلا شعب، وكانت فرنسا تستعمر بلاد الغرب العربي الكبير وتتحالف مع بريطانيا للاستيلاء على المشرق العربي واقتسامه «معاهدة سايكس بيكو»، وإيران مقسمة بين بريطانيا وروسيا، والمسلمون في الهند واقعون بين التسلط الاستعماري البريطاني والحقد الهندوسي، وتركيا تقوم فيها جماعة الاتحاد والترقي الماسونية وتنادي بالقومية التركية العنصرية المتفوقة، وبالمقابل قيام الحركة العربية الانفصالية بقيادة الشريف حسين بالحجاز، ثم تتوالى الأحداث لتصل إلى إسقاط الخلافة الإسلامية المتمثلة بحكم سلاطين آل عثمان عام ١٩٢٤م.
وكانت مصر تعاني -بالإضافة إلى تسلط الاحتلال البريطاني عليها- من رواسب تراكمت خلال حكم المماليك والأتراك وأسرة محمد علي. كل تلك العوامل أفرزت نوعًا من السلبية الشعبية وشعورًا مريرًا باليأس من الإصلاح، فالأحزاب المصرية التي كانت في الساحة تفتقر إلى الرؤية الواضحة لتسير بها، وأكبر تلك الأحزاب حزب الأمة الذي ينادي بالدعوة الفرعونية ولا يلقي بالًا للانتماء الإسلامي للبلاد ولا لجذور الروابط التاريخية والمصيرية مع بقية الشعوب الإسلامية. والحزب الوطني كان قد بلغ به الضعف مداه، أما القوانين التي تنظم المجتمع فقد استُمدت من القوانين الوضعية الأوروبية.
وأما المثقفون فالاتجاه القوي في أوساطهم كان «للتغريب» في كل نواحي الحياة؛ ذلك أن أكثرهم تلقوا تعليمهم في جامعات أوروبا، حيث افتتنوا بالتمدن الغربي وبعصر العلم والتنوير، فعادوا إلى مصر مندفعين لتحويل أساليب الحياة في بلادهم إلى تلك الوجهة، وكان التدين -في نظرهم- من علامات الجهل والتأخر والبعد عن الحضارة - كما فهموها- ومناقض للعلم الذي نالوا نفعًا منه!
حمل لواء هذه الدعوة أحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وطه حسين وسلامة ويعقوب صنوع، ومجموعة الشوام النصارى الوافدين لمصر ومنهم شيلي شميل صاحب كتاب «فلسفة النشوء والارتقاء» الذي أصدره عام ١٩٠٨ ليروج فيه لنظرية داروين، وجورجي زيدان مؤسس دار الهلال، وسليم تقلا مؤسس دار الأهرام، وأنطون الجميل ويعقوب صروف وفرح أنطوان وأديب إسحاق وغيرهم.
وكانت الصحافة تشيد بتلك الدعوات الهدامة متبنيةً لها ومبشرة بها، فكانت «الأهرام» والمقطم «والهلال» تشجع مظاهر التمدن الغربي في الجامعات والنوادي والمسارح ودور السينما.
وبالمقابل كان هناك دعاة نافحوا عن العقيدة الإسلامية وحملوا لواء الفكرة الإسلامية منهم: مصطفى صادق الرافعي وعبد العزيز جاويش ومحمد رشيد رضا ومحيي الدين الخطيب.
أما الأزهر الشريف فقد تخلى أكثر علمائه عن دورهم الرائد في قيادة المجتمع وتوجيهه، وانسحبوا من ميدان الدعوة والعمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد لإعلاء كلمة الحق، وركنوا إلى الاستسلام للأمر الواقع. فضلًا عن الارتباك الذي ساد صفوفهم في مواجهة التحدي الحضاري الغربي؛ فمنهم من تشبث بالأساليب القديمة وتجمد عندها ظنًّا منه أن الإسلام قد تجمد عند هذه القوالب! ومنهم من سعى للتوفيق بين مبادئ الإسلام وبين الأساليب الغربية العصرية في الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع «الشيخ محمد عبده»، ومنهم من تنكر للعقيدة الإسلامية وجرفه التيار الغربي «طه حسين في كتابيه «مستقبل الثقافة في مصر» و«في الشعر الجاهلي»، والشيخ علي عبد الرازق في كتابه «الإسلام وأصول الحكم».
ولم يصمد من العلماء إلا قلة قليلة وسط هذا الجو المليء بالهدم والمادية والإلحاد.
أما الأقباط فقد اشتركوا هم الآخرون في صنع المأساة التي أصابت مصر، فقد اختاروا آنذاك الوقوف إلى جانب دولة الاحتلال ضد المسلمين؛ فقد رأوا فيها حاميًا لهم بحكم وحدة العقيدة.
قيام جماعة الإخوان المسلمين
في وسط هذا الجو المضطرب نشأت دعوة الإخوان المسلمين بعد أن تفتحت عينا مؤسسها على التحلل الذي أصاب الأمة الإسلامية. توجه حسن البنا لدى إقامته في الإسماعيلية عام ۱۹۲۸ إلى المساجد ليدعو فيها إلى العودة للإسلام، إلا أنه أُبعد عنها؛ فقد كانت الخصومات المذهبية مسيطرة فيها، وكانت المساجد مسرحًا للنزاع بدلًا من أن تكون المكان الذي يتوحد فيه المسلمون، فاتجه بالدعوة للناس في المقاهي التي تذخر بهم! وكان يصور الحياة الإسلامية على أنها بناء يقوم على أربعة أعمدة: الحكومة والأمة والأسرة والفرد. ويرى أن أول ما أصاب الإسلام من ضراوة الغرب الصليبي كان هدمه للخلافة الإسلامية وتحويل النظام الإسلامي في الحكومة إلى نظام علماني، ثم انتقل الهدم بعد ذلك إلى الأمة فاستُبدلت بالتشريعات الإسلامية القوانين الوضعية فاختلت الموازين الصحيحة لدى الناس واضطربت أقيستهم حتى انتهى الهدم إلى نظام الأسرة المسلمة نفسها، فلم تسلم المرأة من سموم الغرب؛ حيث اعتبرها الجانب الضعيف الذي يمكن أن يصل من ورائه إلى هدم كيان الأسرة ذاتها، فزين لها العري والاختلاط وأماكن اللهو والفساد والتحرر من قيود الفضيلة التي ألِفتها للمرأة المسلمة، وبلغ المدى ببعض الحكومات في البلاد الإسلامية إلى تغيير نظام الزواج والطلاق في الإسلام فضلًا عن الميراث جريًا على قواعد الغرب في فهم المساواة فيما لا مساواة فيه. وأخيرًا.. تمكن الغرب من هدم الركن الرابع من أركان الحياة الإسلامية المتمثل في الفرد المسلم، أو على الأصح عقيدة الفرد المسلم، فنالها هي الأخرى بالهدم والتشكيك، ووصل الاستعمار الغربي بذلك إلى كل ما أراد من هدم الإسلام في أرجائه الأربعة: الحكومة والأمة والأسرة والفرد، ويوضح هذا العرض الشامل للعلل التي أصابت المسلمين كما يراها الإمام حسن البنا، يقابله في الوقت نفسه بالرؤية الواضحة لما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من عزة وكرامة حين يهتدون بهدْي الإسلام في الحكم والتشريع والسياسة والاقتصاد والخلق والعقيدة.
من هذا الفهم انطلق حسن البنا في دعوته للعودة إلى الإسلام الحنيف، فتأثر كثيرون بدروسه ولقاءاته، فكان أن حضر إليه ستة رجال وحدثوه في شأن طريق العمل لعزة الإسلام وخير المسلمين وناشدوه أن يكون رائدهم في هذا السبيل، وحملوه تبعة أمرهم فتعاهدوا جميعًا على خدمة الإسلام، وقال لهم نحن إخوة في خدمة الإسلام إذًا فنحن «الإخوان المسلمون».
وهكذا بدت جماعة الإخوان المسلمين رائدة في مجال الدعوة الإسلامية الشاملة والسعي لإقامة المجتمع الإسلامي، على الرغم من وجود العديد من الجمعيات الدينية التي سبقت تأسيس جماعة الإخوان، فقد كانت تلك الجمعيات محدودة الأهداف، فاقتصر نشاطها على النواحي الخيرية ولم تصل إلى درجة الشمول في دعوتها وفكرها وتحركها.
نجح حسن البنا خلال إقامته في الإسماعيلية حتى عام ١٩٢٢ في تأسيس معهدين إسلاميين: «معهد حراء للبنين» و«مدرسة أمهات المؤمنين للبنات»، وأن يجمع اكتتابًا لمشروع بناء مسجد ومدرسة ودار للإخوان المسلمين.
وكذلك سارت دعوة الإخوان المسلمين لتبني الإسلام بالقرآن والسنة، وهكذا كانت مبادئ جماعة الإخوان المسلمين: العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ليتسنى للشعوب الإسلامية أن تعيش حرة كريمة مرفوعة الهامة، فالهدف واضح تمامًا: تحرير الوطن الإسلامي من كل تسلط أجنبي وقيام دولة إسلامية في الوطن الإسلامي الحر تعمل بأحكام الإسلام وتطبق تعاليمه وتسير على هدْيه. أما الوسائل فهي الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل.
أسلوب حسن البنا
يقول عنه الكاتب الأمريكي روبرت جاكسون: «كان الرجل عجيبًا في معاملة خصومه وأنصاره على السواء، فهو لا يتهجم على خصومه أو يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفِّه، وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة».
«لم يحنِ رأسه ولم يتراجع ولم يتردد أمام المثبطات أو التهديدات، حاول الكثيرون أن يستفيدوا من القوة التي يسيطر عليها، فقال لهم إن أنصاره ليسوا عصا في يد أحد وأنهم لله وحده، وحاول البعض أن يضموه إليهم أو يطووه، فكان أصلب عودًا من أن يُخدَع أو يُطوَى».
مشاركة الإخوان المسلمين في الأحداث في عهد الشهيد حسن البنا:
التصدي في أوائل الثلاثينيات للغارة التبشيرية التي قامت بها الإرساليات الصليبية البروتستانية، والتي ظنت أن الفرصة قد حانت لاستغلال الفقر والجهل والمرض المستشري في مصر وقتها لتنصير هذه الديار وإفشال تلك الغارة، وبعدها التصدي للفتنة البهائية إلى أن قضت عليها تمامًا.
معارضة معاهدة ١٩٣٦ المجحفة بحق مصر، التي وقعتها الحكومة الوفدية مع الإنجليز للمناداة بمواصلة الكفاح لإجلاء المحتلين بدلًا من الاستكانة والتحالف معهم.
مؤازرة شعب فلسطين بكافة الوسائل المتاحة لجماعة الإخوان المسلمين في ثورته عام ١٩٣٦ ضد الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني، والسعي الحثيث لتعريف الرأي العام المصري بحقيقة المؤامرة على فلسطين.
تطوير فرق الجوالة التابعة للجماعة «وقد أصبح لها فيما بعد دور فعال في مقارعة الغاصبين في فلسطين وقناة السويس» وتعيين الصاغ محمود لبيب مسؤول الوحدات العسكرية للإخوان مفتشًا عامًّا للجوالة عام ١٩٤١.
مجابهة المشروعات الاستعمارية والحيلولة دون تمريرها بواسطة الأحزاب النفعية والانتهازية، ومن ذلك تحريك الجماهير الشعبية لإسقاط مشروع معاهدة صدقي بيغن عام ١٩٤٦ ونجاح الإخوان في ذلك. والمساهمة بكل السبل في دفع القضية الوطنية والتقدم بها نحو التحرر من كافة أشكال الاستعمار والهيمنة.
قيام الشهيد حسن البنا بترشيح نفسه لعضوية البرلمان في عام ١٩٤٢ كي يتمكن من عرض الرأي الإسلامي في الأحداث من منبره، وما تلا ذلك من طلب السيد مصطفى النحاس رئيس الحكومة آنذاك إليه أن يسحب ترشيحه بناءً على تهديدات السفير البريطاني في القاهرة.
مجابهة المؤامرة الصهيونية الاستعمارية في فلسطين بكافة الوسائل العملية بدءًا بإرسال المدربين من الجماعة لتدريب الشباب العربي في فلسطين وجمع الأموال الصالح للمجاهدين، ثم إرسال كتائب المتطوعين من الإخوان المسلمين «في أبريل ١٩٤٨» إلى فلسطين لتؤدي دورًا أساسيًّا في صد الزحف الصهيوني ومنعه من احتلال مناطق عديدة.
الالتفات للشعوب الإسلامية ومعايشة آلامها والمشاركة في تحريرها، ولقد كان للإخوان المسلمين دورٌ رئيسٌ في المناداة بالقاضي عبد الله بن أحمد الوزير إمامًا لليمن في ١٥ يناير ١٩٤٨ بعد وفاة الإمام يحيى، وقد استمر حكمه شهرين إلى أن أجهز عليه «الإمام» أحمد في ١٤/٣/١٩٤٨ الذي زحف على صنعاء على رأس جمعٍ من قبائل الشمال ممن ألبهم على الحكومة الجديدة، ووعدهم أن يفتح لهم خزائن الذهب في صنعاء إذا تولى الحكم وأصبح هو الإمام.
السعي لإصلاح الجيش ونشر الدعوة بين صفوفه واختيار الضباط منه؛ لإعدادهم ليكون لهم دور في إصلاح البلاد بعد اليأس من الأحزاب والملك ومن الجو السياسي المتواطِئ مع المحتلين.
وقد شُكِّل تنظيم «الضباط الأحرار»، وهو الاسم الظاهر لنشاط الإخوان المسلمين في الجيش منذ أوائل الأربعينيات كما سماه المرحوم الصاغ محمود لبيب الذي عينه الإمام حسن البنا مسؤولًا عن قسم الوحدات العسكرية في ذلك الوقت، وقد ضم إليه الضباط عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وصلاح سالم وحسين الشافعي وكمال الدين حسين وخالد محي الدين وحسن إبراهيم. وقد بايع كل من هؤلاء الإمام حسن البنا والصاغ محمود لبيب على كتاب الله العزيز للعمل على تحقيق شريعته في الأرض.
وقد أورد الضابط أحمد حمروش -وهو من تشكيل «الضباط الأحرار» - في كتابه «قصة ثورة ٢٣ يوليو» الجزء الرابع، شهادة أغلب ضباط الحركة بانتمائهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأورد فيه كذلك واقعة ذهاب جمال عبد الناصر إلى قبر الإمام حسن البنا في ١٢/٢/١٩٥٤وتصريحه وقتها بأنه كان وما زال يعمل في سبيل مبادئ جماعة الإخوان ويموت في سبيل تحقيقها!!
إلا أن بريق السلطان وفتنة الحكم طغت على العهود والمواثيق التي ارتبط بها الضباط، واحتدم الصراع بينهم وبين الجماعة وأودع أفرادها إلى أن خرج آخرهم منها بعد حرب أكتوبر۱۹۷۳.
تحقيق المجتمع الإسلامي بصورة عملية:
ترجم الإمام حسن البنا المبادئ الإسلامية إلى مؤسسات اجتماعية واقتصادية وصحية وتربوية تسير تحت لواء الإسلام لتؤدي دورها في النهوض بالمجتمع.
فأقام الإخوان المسلمون مكتبًا للمساعدات الاجتماعية وجمعية تعاونية لبناء المساكن. وأسسوا شركات أهمها: شركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة الإخوان للصحافة، وشركة الإعلانات العربية، وشركة التجارة والأشغال الهندسية.
وأنشأوا العيادات والمستوصفات والمستشفيات وأشرفوا على تنظيمها وإدارتها، واهتموا بتربية الشباب فأقاموا له المعسكرات الصيفية وأعدوا منه فِرقًا للجوالة والكشافة، ونظموا الرحلات داخل وخارج القطر المصري، وتأسست وحدات لمحو الأمية في كافة أنحاء القطر المصري، وجرى إعداد الدعاة للخطابة والمحاضرات، وأُصدِرت العديد من الكتب والصحف والنشرات الإسلامية.
وقامت جماعة «الأخوات المسلمات» لتؤدي المرأة المسلمة دورها في تكوين المجتمع الصالح، فأنشَأت «دار التربية الإسلامية للفتاة».
وقد كان لتلك المؤسسات أثرها ودورها في تنمية المجتمع في تلك الفترة، ويشهد بذلك كل المنصفين الذين شاهدوا الثمار الطيبة لها داخل المجتمع المصري.
كذلك تجدر الإشارة إلى أن الحكومة قد وضعت يدها على كل تلك المؤسسات لدى إصدارها قرار حل الجماعة الأول عام ١٩٤٩.
أول حل لجمعية الإخوان المسلمين:
بعد النشاط الفعال لكتائب الإخوان المسلمين في فلسطين وأثره البالغ في المعارك التي دارت هناك، ضغطت الدول الغربية على الحكومة المصرية لحل جماعة الإخوان المسلمين؛ لتتم تصفية القضية الفلسطينية لصالح اليهود في غيبة جماعة إسلامية قوية مثل الإخوان المسلمين تتصدى لتلك المؤامرة.
وكشفت الأحداث في فلسطين طبيعة التآمر الدولي على الحقوق الإسلامية، فأعلنت الهدنة في نوفمبر ١٩٤٨ وقامت المظاهرات الصاخبة في القاهرة احتجاجًا على فرض الهدنة، اصطدم الطلاب الجامعيون خلالها بقوات الشرطة، ولقِي حكمدار القاهرة سليم زكي مصرعه بقنبلة ألقاها عليه أحد الطلبة.
وبالفعل أعلنت الحكومة المصرية حل «الإخوان المسلمين» في أوائل ديسمبر ١٩٤٨ وتبع ذلك سحب الوحدات العسكرية للجيش المصري من فلسطين ووقف القتال نهائيًّا وإيداع الإخوان المسلمين في السجون، واعتقال مجاهدين في فلسطين وإعادتهم إلى مصر في معتقل «الهاكستب».
وفي الثامن والعشرين من ديسمبر ١٩٤٨ قام أحد شباب جماعة الإخوان المسلمين بإطلاق الرصاص على رئيس الوزراء «الحاكم العسكري» محمود فهمي النقراشي فأرداه قتيلًا.
مصرع الشهيد
كان الإخوان المسلمون عام ١٩٤٨ -كما ذكرنا- شوكة في حلق حكومة النقراشي الذي مهد للهدنة مع اليهود في أثناء تولِّيه الحكم، تلك الهدنة التي رفضها الإخوان المسلمون وقامت مظاهرات الطلبة في الجامعة تندد بخيانة النقراشي عميل الصهيونية، وأُمليت الهدنة على النقراشي من الإنجليز والقصر، فكان لا بد من حل جماعة الإخوان المسلمين.
ولكن حل الجماعة وحده لا يقدم الكثير للغرب والصهيونية، وإنما القضاء على باعث هذه الجماعة ومنشطها كان -في ظن أعدائه- هو السبيل إلى تصفيتها، لذا اتبع معه الأسلوب الذي يحقق هذه الغاية، فتركوه حرًّا ولم يعتقلوه، في حين اعتقلوا أفراد جماعته كبيرًا وصغيرًا!
وأرسل إلى إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزارة الذي خلف النقراشي يقول: «إذا كنتم حللتم جماعة الإخوان المسلمين واعتقلتم من منهم في فلسطين، واعتقلتم من منهم هنا ورميتم بهم في المنفى بجبل الطور، فلتعتقلوني معهم لأنني أنا الذي ربيتهم».
فأجابه بالرفض.
وطلب أن يذهب إلى قرية أحد أتباعه الحاج عبد الله النبراوي فقالوا لا، واعتقلوا الحاج النبراوي!
وكان مرخصًا له بمسدس فسحبوه منه.
وأراد أخوه الضابط عبد الباسط البنا أن يحرسه فزجوا به في السجن، ونصحه الكثير بالاختفاء بعد وضوح التآمر الحكومي عليه، فأبي قائلًا:
أي يومي من الموت أفر *** يوم لأقدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجي الحذر
وفي الثاني عشر من فبراير ١٩٤٩ ذهب محمد يوسف الليثي رئيس قسم الشباب بجمعية الشبان المسلمين إلى منزل الأستاذ البنا بتكليف من الأستاذ الناغي قريب رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، وكان يوهم الأستاذ البنا بأنه يقدم لرئيس الوزراء ما يهيئ الجو للأستاذ البنا لحل الموقف المتأزم بينه وبين الحكومة، وأنه رتب مقابلة بينه وبين وزير الدولة زكي علي في دار جمعية الشبان المسلمين في نفس اليوم نفسه!
وذهب الأستاذ البنا إلى هناك ينتظر وزير الدولة حتى الساعة الثامنة مساء، ولكن الوزير لم يصل! فقد أُعدت المؤامرة لتنفيذ القتل في هذا الوقت الذي تهيأت فيه كل الظروف للتنفيذ!
فلما يئس الأستاذ البنا من وصول الوزير، نزل مع صهره الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي على درج جمعية الشبان ليستقلا سيارة أجرة كانا قد طلباها.
ولكن.. أُطفئت أنوار شارع رمسيس الذي تقع فيه دار الشباب واتجه المرشد ومعه صهره إلى إحدى سيارات الأجرة التي كانت تقف إلى جوار دار الشبان.
وما إن ركباها حتى انهال الرصاص عليه في السيارة يقذفه المجرمون في لهفة وارتباك، وهربوا في سيارة سوداء تحمل رقم ۹۹۷۹، واستطاع المرشد الجريح أن يتعرف على رقمها ثم يعود ثانية إلى دار الشبان ليطلب سيارة الإسعاف التي نقلته إلى مستشفى قصر العيني!
وذهب أحد الأطباء المسلمين لعلاجه في المستشفى فمُنع من الدخول.
يظل هاتف القصر الملكي يتصل بمستشفى قصر العيني ليتأكد من موت حسن البنا الذي استمرت جراحه تنزف ولا يجرؤ طبيب على إسعافه.
وهكذا قدم إبراهيم عبد الهادي رأس حسن البنا هدية إلى الملك فاروق في مناسبة جلوسه على العرش في ١٢ فبراير ١٩٤٩.
وأبلغ والده نبأ وفاته في الساعة الواحدة صباحًا. وجرى التحقيق في القضية في عهد إبراهيم عبد الهادي لمدة ثلاثة أشهر، ولكن حُفظ التحقيق!
ثم أعيد في عهد وزارة حسين سري، ولكن حفظ أيضًا!
ثم أعيد مرة ثالثة في عهد النحاس باشا، وحفظ كذلك!
وأعيد للمرة الرابعة في عهد الثورة وفُصل في القضية في أغسطس ١٩٥٤ وصدرت الأحكام على الأميرلاي محمود عبد الجيد مدير الأمن العام -وقت حدوث الجريمة- والسائق محمد محفوظ بالسجن ١٥ سنة لكل منهما، وحكم بالسجن المؤبد على المخبر أحمد حسين جاد، وحكم بالحبس سنة مع الشغل على البكباشي محمد الجزار ضابط القلم السياسي حينذاك.
ولكن حتى هذه الصورة المتهالكة من العدالة لم تستمر طويلًا، فقد أُفرج عن المتهمين بمجرد تأزم العلاقة بين الإخوان المسلمين والثورة!