; الإمام الشهيد حسن البنا: الشهادة والذكرى.. وعبقرية البناء | مجلة المجتمع

العنوان الإمام الشهيد حسن البنا: الشهادة والذكرى.. وعبقرية البناء

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1487

نشر في الصفحة 42

السبت 02-فبراير-2002

في شهر شباط «فبراير» من كل عام، تنبعث ذكرى عظيمة حزينة في آن, إنها ذكرى استشهاد الإمام الباني «حسن البنا» عليه رضوان الله ورحمته؛ تلك الذكرى التي تبعث الحزن والأسى على أمة تقتل بيدها رجالها الربانيين، وهي في الوقت نفسه تبعث الاعتزاز والتقدير في النفوس، ينشئهما عطر وشذى الرجل العظيم، الذي خلف تراثًا إسلاميًّا حركيًّا عمليًّا ممتدًا لا ينقطع عطاؤه، ولا يتوقف زحفه، ولا تهن عزائمه.

فهو تراث رجل عبقري، تجلت عبقريته في جوانب كثيرة، نظرية وحركية تربوية، وعملية, اجتماعية وسياسية، تنظيمية وبنائية، حياتية وعبادية، فأنى أتيته وجدته الرجل الذي عنده الجواب النظري والعملي عن تساؤلك وحيرتك ولهفتك، استقاه واستفاده من صلب شريعة الإسلام، إنه الإمام الشهيد «حسن البنا» مجدد القرن الرابع عشر الهجري بحق.

وليس من حق وواجب علينا أعظم من حق تجلية جوانب عبقرية الرجل، خصوصًا في ذكرى استشهاده على يد الغدر, التي طعنت الأمة جميعًا بمحاولة لتغييب داعية الروح الجديد الذي أراد له الشهيد أن يسري في الأمة، فيحيي قلوبها بالقرآن.. فهو الذي خاطب الإخوان بكلماته العبقرية الفذة قائلًا: «أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًاً، ولا هيئة موضوعية الأهداف, محدودة المقاصد، ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة، فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق، فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله».

وكانت هذه الكلمات العبقرية أساس البناء والدعوة والتنظيم في عصرنا الحاضر، ليس الجماعة الإخوان المسلمين فحسب، بل كانت المنهل الذي نهلت منه كل جماعات الإسلام وفصائله المتحركة على مدى القرن الهجري الماضي، وكانت النبراس والقدوة والمخزون الفكري والعملي للعمل الإسلامي والدعوة الإسلامية بلا منازع

نقلة العمل للإسلام

لقد نقلت تلك الكلمات- التي أوردناها- العمل للإسلام من مجالاته الجزئية المحدودة إلى شمول الإسلام, وانتظامه مجالات الحياة كلها, كما أنزله الله على نبيه ورسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، إنه الإسلام المنتشية به الساحات والميادين, أبو الحياة الحرة الكريمة المبصرة المستنيرة المستجيبة لنداء ربها وحاجات فطرتها التي

فطرها الله عليها.

صحيح أن الإمام الشهيد كان يخاطب أتباعه وأبناء جماعته من الإخوان المسلمين، لكن كلماته تلك توزعت بين الأفهام والعقول، وأخذت عند كل من كان يريد أن يعمل للإسلام معنى من المعاني, ونهجًاً من المناهج وخطة من الخطط، ولكنها جميعًاً التقت عند كلمة سواء, كانت السر الفذ الذي أبرز عبقرية ذلك الرجل في فهم ما حوله, وفهم الطريق العملي للإنقاذ.

فقد عرف التربية الروحية ومارسها، وعرف الجمعيات الخيرية والرياضية والاجتماعية وشارك في عملها، واقترب من الأحزاب السياسية، وعرف أهدافها ومراميها القريبة والبعيدة، ومارس الوعظ والتفقيه على الطريقة التقليدية، وتعرف إلى صفها وما تنكأ من جروح وخلافات مذهبية وشخصية، لكنه في نهاية الأمر, وبعد التجربة العميقة, اكتشف- رغم صغر سنه- أن كل الصور التي تعرف إليها، إما فاسدة الأسلوب والأهداف والنتائج، مثل الأحزاب القائمة آنذاك، وإما قاصرة مقصرة عن بلوغ شمول دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحركته, التي تضم جناحي الحياة «الدنيا والآخرة»، بصورة متكاملة, فالدعوة الحقة المقتدية بالدعوة الأولى, الناهجة، نهجها لابد أن تكون:

  1. روحًاً جديدًاً يسري في قلب الأمة، لا عمليات ترقيع تبتغي رتقًاً هنا، وتصليحًا محدودًا هناك.. فهذا أسلوب لا يصلح لمجتمعات فقدت الروح أصلًا، فلم تعد تحس بآلام الكوارث التي تحيق بها ولا بأخطارها، ولم تعد تفلح عمليات الترقيع في لم الجسد البارد.

  2. محييًّاً قلب الأمة بالقرآن، الذي إن وصلت كلماته ومعانيه إلى ذلك القلب، هزت أركانه، وحركت جسده البارد، وجعلته يحس بكل ما حوله من ضجيج الحياة العصرية، وضرورة امتلاكه نواصيها الخيرة، ونبذ مفاتنها ومعروضاتها الشريرة، ثم تجعله بالتالي يضم الدنيا والآخرة ضمة، تقيم العدل في قلبه وعقله و نفسه، وتبعث الدفء والأمان والأمل في كيانه كله.

  3.  ومضيئًا سبيل السائرين بنور مشرق بتعاليم القرآن ومناهجه وتربيته وتشريعاته وآدابه ومواعظه وعظاته، وببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشروحه وتفصيلاته وسننه، وبخبرة الصالحين والنوابغ من هذه الأمة على مدى الأزمان واتساع الأماكن.

هذا النور هو الذي يبدد ظلمة الرؤية المادية  للحياة، التي راحت تنشر ظلالها على الأمة, منتقلة من الشاطئ الآخر للعالم، فاصلة بين جناحي الحياة «الدنيا والآخرة»، من خلال صيغ متعددة تؤدي جميعها إلى ترسيخ عملية مسخ للإنسان تلحقه بالمادة والآلة والشهوة من دون رحمة ولا شفقة.

نقل البنا العمل للإسلام من مجالاته الجزئية المحدودة إلى شمول الإسلام وانتظامه مجالات الحياة كلها

من التنظير إلى العمل والحركة

ولقد تمثل اكتشاف الإمام الشهيد البنا- رحمه الله- العبقري, في تحويل ذلك التنظير إلى عمل وحركة وحياة تدب على الأرض، بعد أن كان يدرس بصورة باردة في الكتب والجامعات, أو بعد أن كان يغيب عن أماكن تجمعات المسلمين في المساجد وغيرها، أو بعد أن كان يملي على المسلمين- بديلًا عنه- بعض طقوس وحركات تؤدى من دون روح ولاحيوية.

وجاء رد البنا- رحمه الله- المبدع المتفرد بقوله «إنكم روح»، ليتحول المسلمون إلى روح, إلى حركة، إلى حياة، إلى نظام وتنظيم وجماعة, فلن يفلح فرد مهما أوتي من قوة وعبقرية في عملية الإنقاذ، ولن تفلح مجموعة أو مجموعات غير منظمة، وغير ملتزمة بالروح والنور ومعرفة الله في إدارة عملية الإنقاذ. وإذن فليكن المؤمنون جماعة: «روحًا يسري يحيي القلب بالقرآن, ونورًاً جديدًاً يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله»، ولما اكتشف أعداء الأمة من المستعمرين والمحليين خطورة هذه المعاني الحركية على ضوء حركة الإخوان المسلمين في فلسطين وفي قناة السويس وجهادهم البطولي هناك, تنادوا إلى العمل لإيقاف حركة الوليد، لكن الوليد كان قد شب عن الطوق، وانطلق ينادي القلوب والعقول, فاجتمعت حوله الجماهير، وكان اغتيال الإمام الشهيد في شباط-  فبرير ١٩٤٩م، عملية أذكت الاستجابة للنداء، فذهب الصدى إلى مداه, وفتحت أبواب الجنة للشهداء على الطريق, وأبواب الثبات والمضي قدمًاً للأجيال في السبيل الذي أسسه البنا ووضح بعبقرية فذة قواعده الدينية والحياتية والسياسية في سبعة بنود كانت تزين واجهة الغلاف الأخير لمجلة «الإخوان المسلمين » التي أصدرها في القاهرة منذ الأربعينيات من القرن الماضي.

ومن أجل الفائدة وتعميمها يحسن أن ننقل هذه البنود السبعة في هذا المقام، فهي تشكل دستورًا لحياة الفرد المسلم والأسرة المسلمة, والأمة المسلمة في أوجز العبارات وأدقها كما قال الأستاذ محمود عبد الحليم في كتابه: «الإخوان المسلمون.. رؤية من الداخل» (الجزء الأول, ص ٤٠)، وهي في الوقت نفسه تمثل عبقرية البناء والتربية والحركة عند الإمام الراحل. أما هذه البنود، فقد جاءت على شكل اعتقاد يتبعه تعهد عملي كما يلي:

1. أعتقد أن الأمر كله لله وأن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم رسله إلى الناس كافة, وأن الجزاء حق، وأن القرآن كتاب الله, وأن الإسلام قانون شامل النظام الدنيا والآخرة.

وأتعهد أن أرتل على نفسي حزبًاً من القرآن الكريم، وأن أتمسك بالسنة المطهرة، وأن أدرس السيرة النبوية وتاريخ الصحابة الكرام.

2. أعتقد أن الاستقامة والفضيلة والعلم من أركان الإسلام.

وأتعهد أن أكون مستقيمًاً أؤدي العبادات وأبتعد عن المنكرات، فاضلًا أتحلى بالأخلاق الحسنة، وأتخلى عن الأخلاق السيئة، وأتحرى العادات الإسلامية ما أستطعت, وأؤثر المحبة والود على التحاكم والتقاضي، فلا ألجأ إلى القضاء إلا مضطرًاً، وأعتز بشعائر الإسلام ولغته، وأعمل على بث العلوم والمعارف النافعة في طبقات الأمة.

كلمات البنا وجهوده أثمرت صرحًا دعويًّا شامخًا.. وأصولًا يهتدى بها في قواعد البناء النظري والحركي

3. أعتقد أن المسلم مطالب بالعمل والتكسب، وأن في ماله الذي يكسبه حقًاً مفروضًا للسائل والمحروم.

وأتعهد أن أعمل لكسب عيشي، وأقتصد لمستقبلي، وأؤدي زكاة مالي، وأخصص جزءًا من إيرادي لأعمال البر والخير، وأشجع كل مشروع اقتصادي إسلامي نافع وأقدم منتجات بلادي وبني ديني ووطني، ولا أتعامل بالربا في شأن من شؤوني، ولا أتورط في الكماليات فوق طاقتي.

4. أعتقد أن المسلم مسؤول عن أسرته وأن من واجبه أن يحافظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها.

وأتعهد أن أعمل لذلك جهدي، وأن أبث تعاليم الإسلام في أسرتي، ولا أدخل أبنائي أية مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم، وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ تعاليم الإسلام. 

5. أعتقد أن من واجب المسلم إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه وأن راية الإسلام يجب أن تسود البشر، وأن من مهمة كل مسلم  تربية العالم على قواعد الإسلام. 

وأتعهد أن أجاهد في سبيل أداء هذه الرسالة ما حييت، وأضحي في سبيلها بكل ما أملك.

6. أعتقد أن المسلمين جميعًا أمة واحدة، تربطها العقيدة الإسلامية، وأن الإسلام يأمر أبناءه بالإحسان إلى الناس جميعًا. 

وأتعهد أن أبذل جهدي في توثيق رابطة الإخاء بين جميع المسلمين، وإزالة الجفاء والاختلاف بين طوائفهم وفرقهم.

7. أعتقد أن السر في تأخر المسلمين ابتعادهم عن دينهم، وأن أساس الإصلاح العودة إلى تعاليم الإسلام وأحكامه، وأن ذلك ممكن لو عمل له المسلمون.

وبعد.. فإنه بعد مضي الأزمان, تجذرت الشجرة وارتفعت أغصانها، وظهر لكل ذي عقل نير أن كلمات الإمام الشهيد وجهوده أثمرت صرحًا دعويًّا شامخًا، وأصولًا يُهتدى بها في قواعد البناء النظري والحركي.. واضحة المعالم, شاهدة على أن الرجل كان مجدد القرن بكل جدارة، إذ امتدت كلماته التنظيرية الحركية، لتبني حركة ملأت سمع الدنيا والأبصار، وهي في تقدم مضطرد منذ سبعة عقود ونيف من الزمان، رغم كل ما لقيه الأتباع والدعاة وأصحاب الحركة من عنت الخائفين المهزومين والمتغربين، وها هو نداء البنا يجد كل يوم أذانًاً جديدة مصغية، وقلوبًاً متلهفة متفقهة، فاهمة معنى النداء وقيمة الانتماء، ولذة العمل تحت راية الله.. فرحمة الله على مجدد العصر وجزاه الله عنا وعن المسلمين كل خير ...والله أكبر ولله الحمد.

الرابط المختصر :