; الإمام الغزالي وإحياء علوم الدين | مجلة المجتمع

العنوان الإمام الغزالي وإحياء علوم الدين

الكاتب أنور عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 14-يوليو-1998

  • كان شديد الذكاء مفرط الحس والإدراك غواصاً في المعاني الدقيقة حتى وصفه أحد أساتذته بأنه بحر مغرق.

فقيهنا لهذا العدد هو الإمام الجليل القدر حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الطوسي الغزالي، وقد درج الناس على تعريفه بالإمام الغزالي بدون تشديد حرف الزاي ولكن الصحيح كما يقول الكثير من المترجمين لسيرته أنه الإمام الغزالي حيث كان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكان له بطوس حيث ولد وتربى فقيهنا.

وقد ولد الإمام الغزالي سنة خمسين وأربعمائة للهجرة النبوية الشريفة، وكان والده كما أشرنا غزالًا للصوف بائعًا ما يغزل منه، كما يروى أن أباه كان فقيرًا صالحًا لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غزل الصوف ولكنه  -مع ذلك- كان يطوف على الفقهاء ويجالسهم ويتوافر على خدمتهم ويسعى جاهداً لخدمتهم والإنفاق بما وسعت يده عليهم كما يروى أنه كان إذا سمع كلامهم وعلمهم بكي وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى سائله أن يرزقه ولدًا ويجعله فقهيا، كما كان كلما حضر مجالس الوعظ بكى وسأل الله تعالى أن يرزقه ولدًا واعظًا، وقد استجاب الله السميع دعوتي هذا الرجل فجعل أحد أبنائه، وهو –محمد– فقيها وحجة في دين الله، كما جعل ابنه الثاني أحمد واعظًا مفوها.

وقد مات والد فقيهنا محمد، وهو -أي فقيهنا- لا يزال حدثاً صغير السن ولكنه مع ذلك اتجه للعلم والتحصيل والدرس رغم حالة الفقر التي كانت تحيط به بعد موت أبيه.

وقد قرأ الغزالي في صباه طرفًا من الفقه في بلده طوس على أحمد بن محمد الراذكاني ثم سافر إلى جرجان أبي نصر الإسماعيلي وأخذ عنه الكثير من العلوم قبل أن يعود إلى طوس، وقد تسلح فقيهنا الشاب بحفظ كل ما يدونه حتى إذا ضاع من أوراقه شيء لا يضيع العلم من رأسه، وربما يكون السبب في ذلك هو تلك الحادثة التي يرويها المترجمون لفقيهنا حيث يوردون أن جماعة من قاطعي الطرق قطعوا على فقيهنا طريقه أثناء عودته من بعض أسفاره وأخذوا كل ما معه من أشياء بما في ذلك الكتب والتعليقات والشروح التي دونها عن شيوخه وعمن سمع من فقهاء عصره إلا أنه استرد تلك التعليقات من قاطعي الطريق بشق الأنفس.

وقد قدم الغزالي نيسابور وجد واجتهد في تحصيل العلوم وبرع في معرفة المذاهب والخلاف والجدل والمنطق وقرأ الحكمة والفلسفة وأحكم فهم كلام أرباب هذه العلوم وتصدى للرد عليها وإبطال حججهم وصنف في كل فن من هذه العلوم كتباً أحسن تأليفها وأجاد وضعها.

وكان الإمام الغزالي –رحمه الله– شديد الذكاء عجيب الفطرة مفرط الحس والإدراك بعيد الغور غواصًا على المعاني الدقيقة مناظرًا محجاجاً حتى وصفه أحد شيوخه بأنه بحر مغرق.

ثم قدم أبو حامد الغزالي بغداد سنة أربع وثمانين وأربعمائة وهو ذائع الصيت تسبقه شهرته فدرس بالنظامية وأعجب الخلق بحسن كلامه وكمال فضله وفصاحة لسانه، فأقام على التدريس وتعليم العلم فترة كان خلالها عظيم الجاه زائد الحشمة عالي الرتبة مشهور الاسم تضرب به الأمثال وتشد إليه الرحال.. وظل على هذا الحال إلى أن ترفعت نفسه عن رذائل الدنيا فرفض ما فيها من الجاه وترك كل ذلك وراء ظهره وقصد بيت الله الحرام فحج ثم توجه إلى الشام سنة ثمان وثمانين وجاور بيت المقدس فترة قبل أن يعود إلى دمشق ليعتكف في زاويته بالجامع الأموي المعروفة اليوم بالغزالية نسبة إليه.

وقد لبس الإمام الغزالي الثياب الخشنة وقلل طعامه وشرابه وأخذ في التصنيف للإحياء ودأب على الإيواء إلى القفاز ترويضًا لنفسه وتكليفًا لها مشاق العبادات والطاعات، ثم رجع أبو حامد الغزالي إلى بغداد وعقد بها مجلسًا للوعظ والفقه وأخذ يحدث بكتاب الإحياء.

وإلى جانب كتابه الشهير «إحياء علوم الدين» صنف الإمام الغزالي العديد من المصنفات والمؤلفات مثل البسيط والوسيط والوجيز والخلاصة والمستصفى والمنخول وتحصين الأدلة وشفاء العليل والأسماء الحسنى والرد على الباطنية ومنهاج العابدين وغير ذلك.

وقد توفى فقيهنا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في طوس في الرابع عشر من جماد الآخرة سنة خمسمائة وخمس للهجرة.

وكتاب إحياء علوم الدين هو الأشهر في مؤلفات فقيهنا وأكثرها ذيوعًا، وقد أشار الإمام الغزالي رحمه الله تعالى إلى أن الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب هو ما رآه من انصراف المسلمين في عصره إلى أمور الدنيا ولهوهم عن أمور الآخرة بل وانشغال كثير من العلماء في ذلك العصر أيضًا بالمناصب الدنيوية الزائلة.

وفي هذا الصدد يقول الإمام الغزالي فيما أسماه «خطبة الكتاب» للتعريف بدوافع تأليف ذلك الكتاب القيم –إحياء علوم الدين– فيقول ما نصه:

فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفًا، فصار يرى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، حتى ظل علم الدين مندرسًا ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسًا، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا علم فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام.

ثم يقول رحمه الله: «فأما علم طريق الآخرة و ما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلماً وضياء ونوراً وهداية ورشدًا فقد أصبح من بين الخلق مطويًا وصار نسيًا منسيًا».

ثم يقول: «ولما كان هذا ثلما في الدين ملمًا وخطبًا مدلهمًا، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما إحياء لعلوم الدين وكشفاً عن مناهج الأئمة وإيضاحاً لمباهي العلوم النافعة عند النبين والسلف الصالح».

ثم يقول أبو حامد الغزالي في معرض التقديم لكتابه «إحياء علوم الدين» ما نصه: «وقد أسسته على أربعة أرباع وهي ربع العبادات وربع العادات وربع المهلكات وربع المنجيات.. وصدرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم لأكشف أولًا عن العلم الذي تعبد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم  الأعيان بطلبه إذ قال رسول الله صلوات الله عليه «طلب العلم فريضة على كل مسلم» وأميز فيه العلم النافع من العلم الضار إذ قال صلى الله عليه وسلم  «نعوذ بالله من علم لا ينفع» وأحقق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب وانخداعهم بلامع السراب واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب.

ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب كتاب العلم وكتاب قواعد العقائد وكتاب أسرار الطهارة وكتاب أسرار الصلاة وكتاب أسرار الزكاة وكتاب أسرار الحج وكتاب آداب تلاوة القرآن وكتاب الأذكار والدعوات وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات.

وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب: کتاب آداب الأكل وكتاب آداب النكاح وكتاب أحكام الكسب وكتاب الحلال والحرام وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق وكتاب العزلة وكتاب آداب السفر وكتاب السماع والوجد وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة.

وأما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب: «كتاب شرح عجائب القلب وكتاب رياضة النفس وكتاب آفات الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج وكتاب آفات اللسان وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد وكتاب ذم الدنيا وكتاب ذم المال والبخل وكتاب ذم الجاه والرياء وكتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغرور.

وأما ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب: كتاب التوبة وكتاب الصبر والشكر وكتاب الخوف والرجاء وكتاب الفقر والزهد وكتاب التوحيد والتوكل وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا بكتاب النية والصدق والإخلاص وكتاب المراقبة والمحاسبة وكتاب التفكر وكتاب ذكر الموت». 

ثم تكلم فقيهنا بعد ذلك عن منهجه في تناول كل ربع من هذه الأرباع.

رحم الله فقيهنا جزاء ما استنهض من همم وعزم لإحياء علوم الدين ولخدمة دين الله الحنيف، لو لم يكن له من الأعمال سوى هذا المؤلف لأجزأه  ولكفاه زادًا يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

الرابط المختصر :