; الإمام القدوة.. عبد الله بن عبد العزيز العمري | مجلة المجتمع

العنوان الإمام القدوة.. عبد الله بن عبد العزيز العمري

الكاتب محمد يوسف الجاهوش

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 67

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 54

الجمعة 21-مايو-2004

  • زهد العالم وورعه يجعل لكلامه وقعًا، ولوعظه ونصحه قبولًا.

  • يرى أن سبب غفلة الإنسان.. إعراضه عن منهج الله.. وإهمال تطبيقه عمليًا

هو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب, القرشي, العدوي, العمري, المدني, الإمام, القدوة, الزاهد، العابد, العالم, الثقة.

كان قليل الرواية, عاش مشتغلًا بنفسه، قوالًا للحق، أمارًا بالمعروف، لا تأخذه في الله لومة لائم، بلغ من ورعه، أنه كان ينكر على علماء عصره من أمثال الإمام مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وغيرهما، قربهم من الدولة، ويقول لهم: إنكم تميلون إلى الدنيا. 

كان -رحمه الله- مهابًا وقورًا، وضع الله له القبول عند كل من سمعه، وذلك لإخلاصه وصدق نيته.

روى الذهبي عن الزبيري، قال: «ما أدركت بالمدينة رجلًا أهيب منه، قدم الكوفة ليخوف الخليفة هارون الرشيد بالله، فرجفت لمجيئه الدولة، فردوه من الكوفة، ولم يصل إلى الرشيد».

تشخيص أسباب الغفلة:

يرى العمري -رحمه الله- أن سبب غفلة الإنسان عما يزكي نفسه، ويبلغه السلامة، إنما يرجع إلى خروجه عن منهج الله تعالى، وإهماله تطبيق هذا المنهج تطبيقًا عمليًا.

وقد ذكر الإمام الذهبي من كلامه ما يوضح هذه الحقيقة، حيث يقول: أن من غفلتك عن نفسك: إعراضك عن الله -تعالى- بأن ترى ما يسخطه فتجاوزه، ولا تأمر، ولا تنهى خوفًا من مخلوق، لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا، من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوف المخلوقين نزعت منه المهابة، فلو أمر ولده لاستخف به.

زهده وقناعته: 

لم تكن الدنيا منه على بال، وما له فيها من أرب، لقد زهد في حطامها، وترفع عن زهرتها، ولم تشغل أدنى جيز من اهتماماته، يجلي لنا هذه الحقائق قوله: بنعمة ربي أحدث، لو أن الدنيا تحت قدمي، ما يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي، ما أزلتها. 

ولم يكن يأكل إلا من كسب يده، ويعتذر عن قبول أي عطاء، لا سيما من ذوي الجاه والسلطان.

وذات يوم أراد الرشيد أن يختبره، فأرسل إليه -على إثر موعظة وعطه إياها- بولديه الأمين والمأمون، ومع كل منهما كيس فيه ألف دينار، فردهما قائلًا: أمير المؤمنين أعلم بمن يفرقها عليه.

ومع زهده -هذا- فإنه لم يعتزل الناس، بل كان يغشاهم في مجالسهم، فيعظهم، وينعى على أهل الدنيا مباهاتهم بالضياع والقصور والرياش.

الورع طريق النجاة: 

من داخل قلبه الورع استقام أمره، وصلح شأنه وانقادت له نفسه، فسلس له نفارها، وأمن جماحها وعشارها، وعاش للحق مقاربًا، وللهوى مجانبًا، ولطريق الرضوان وحسن العقبي سالكًا، وهذا ما كان يؤكده سلفًا، ويحثون عليه، ومنهم العمري رضي الله عنهم أجمعين. 

روى ابن الجوزي أن رجلًا جاء إلى العمري فقال له: عظني، فأخذ حصاة من الأرض، فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك، خير لك من صلاة أهل الأرض، قال: زدني، قال: كما تحب أن يكون الله -عز وجل- لك غدًا، فكن له اليوم.

هذا -لعمر الحق- هو طريق النجاة الذي أتى به النبيون، وسلكه -من بعدهم- الربانيون والصالحون، وما ثمة طريق يسلك بصاحبه إلى الجنة سواه، فرحم الله امرًأ أبصر دربه، وأحكم خطوه، وكان من الخطر على حذر، ومن سوء الخاتمة على وجل، وشمر للفوز بالحسنى هاتفًا بصدق وإخلاص: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: 84). 

إخلاصه في إسداء النصيحة:

كان العمري -رحمه الله- صادقًا في نصحه، مترفعًا عن المكاسب العاجلة، يستغل الظرف المناسب ليكون لكلامه وقع في نفس المنصوح.

روى ابن كثير أن الرشيد كان يسعى، فرأى العمري واقفًا على الصفا، فبادره قائلًا: يا أمير المؤمنين، أتنظر كم حولها -يعني الكعبة- من الناس؟ قال الرشيد: كثير، قال: كلهم يُسأل يوم القيامة عن نفسه، وأنت تسأل عنهم كلهم، فبكى الرشيد طويلًا، ثم قال له: يا هارون، إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحبس والحجر عليه، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين؟ 

خوف الرشيد منه: 

ومع زهده في الدنيا وبعده من مقرباتها، كان الرشيد يخشاه، ويتخوف أن يدبر شيئًا ضده.

نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء، عن تاريخ ابن النجار بإسناده، أن الرشيد قال: والله ما أدري ما آمر في هذا العمري؟! أكره أن أقدم عليه، وإني أحب أن أعرف رأيه فينا، فقال عمر بن بزيع والفضل بن الربيع: نحن له، فخرجا إلى مسجده في البادية، فأناخا راحتيهما، وأتياه على زي الملوك، وقالا: نحن رسل من ورائنا من المشرق، يقولون لك: اتق الله، إن شئت فانهض، فقال: ويحكما فيمن؟ ولمن؟ قالا: أنت، قال: والله ما أحب أني لقيت الله بمحجمة دم من مسلم، وأن لي ما طلعت عليه الشمس، فلما يأسا منه، قالا: إن معنا عشرين ألفًا نستعين بها، قال: لا حاجة لي بها، قالا: أعطها من رأيت، قال: أعطياها أنتما!!

فلما اطلعا على حقيقة موقفه ذهبا ولحقا بالرشيد، فحدثاه فقال: ما أبالي ما صنع بعد هذا.

موقفه من الرشيد: ذكر الذهبي أنه نهي إلى الرشيد «وصل إلى علمه» أن العمري يشتمه، ويدعو عليه، فأرسل إليه موسى بن عيسى، ليتحقق، ويأتيه بالخبر اليقين، ولما استقر بموسى المجلس بحضرة العمري، قال: يا أبا عبد الرحمن نهي إلى أمير المؤمنين أنك تشتمه، وتدعو عليه، فبم استجزت هذا؟ قال: أما شتمه فهو أكرم علي من نفسي، لقرابته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. 

وأما الدعاء عليه، فوالله ما قلت: اللهم، إنه قد أصبح عبئًا ثقيلًا على أكتافنا، فلا تطيقه -أبدًا- أبداننا، وقذى في جفوننا، وشجًا في أفواهنا لا تسيغه حلوقنا، فاكفنا مؤنته، وفرق بيننا وبينه، ولكني قلت: اللهم إن كان تسمى بالرشيد ليرشدنا، فأرشده، أو لغير ذلك فراجع به، اللهم إن له بالعباس على كل مسلم حقًا، وله بنبيك -صلى الله عليه وسلم- قرابة ورحم، فقربه من كل خير، وباعده من كل سوء، وأسعدنا به، وأصلحه لنفسه ولنا.

قال موسى: رحمك الله أبا عبد الرحمن، كذاك -لعمري- الظن بك.

 درس وعبرة:

زهد العالم في الدنيا، والتماسه معاشًا لنفسه، يمكنه من أداء رسالته، وتبليغ دعوته، يجعل لكلامه وقعًا، ولوعظه ونصحه قبولًا، لا سيما إذا قارنه الإخلاص، وصدق النية، وما ذاك إلا لأن من يمد يده لا يستطيع أن يمد رجله، فضلًا عن أن يبسط لسانه. 

وكما يطلب من العالم مراقبة الله، والترفق بأداء النصح، والقيام بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كذلك فإن من واجب الحاكم المسلم قبول النصيحة، والانقياد للحق الصراح، فلا تأخذه العزة بالإثم، فيكون من الهالكين.

وإن من واجبه أيضًا: أن يتثبت مما يصله من أخبار، فلا يعاقب على التهمة، ولا يأخذ الناس بالظنة، ولا بدعاوى بعضهم على بعض.

أرأيت كيف أن الرشيد لما تثبت من أحوال العمري ظهرت له حقيقته؟ ولو أخذ بأقوال المخبرين للقي الله ظالمًا، سافكًا للدم البريء، وما يدريك ما عقوبة ذلك!

إن العدل قوام الملك، وأس بقائه، ولن يعمر ملك بني على ظلم وجور، ورأس الدولة مسؤول أمام الله عمن ولاه الله عليهم، ولن ينهض له عذر يوم الحساب إلا إذا استعان بأهل الورع والإصلاح، بل لا يكفيه ذلك، إنما من واجبه: أن يتابع سلوكهم، ويتبين سيرتهم في مواقع أعمالهم، فيكافئ المحسن والمخلص، ويحاسب المقصر والمسيء، ويرفع عن الرعية آثار انحرافهم وتسلطهم، فإن هو فعل ذلك فقد ضمن التمكين والتأييد، وفاز وسعد بما أفاء الله عليه، وإن كانت الأخرى فكل امرئ حسيب نفسه ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْـمِرْصَادِ﴾ (الفجر: 14).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل