العنوان الإمام حسن البنا في ذكرى استشهاده الـ٥٧- رجل لا مثيل له في هذا العصر: كان أمل الشرق في الإصلاح
الكاتب روبير جاكسون
تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006
مشاهدات 68
نشر في العدد 1688
نشر في الصفحة 36
السبت 11-فبراير-2006
(*) نشر المقال في فبراير 1949 في صحيفة النيويورك كرونيكل
لم يكن الغرب ليقف مكتوف الأيدي أمام هذا الرجل الذي أعلى راية الإسلام على نحو جديد وجمع الناس على كلمة الله
حمل المصحف ووقف به في طريق رجال الفكر الحديث الذين كانوا يسخرون من ثلاث كلمات شرق وإسلام وقرآن..
كان يريد أن يقول: آن للشرق أن يمحص أفكار الغرب قبل أن يعتنقها
على الرغم من أنني كنت أسمع في القاهرة أن الرجل لم يفعل أكثر من جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله إلا أن معركتي فلسطين والقناة أثبتتا بوضوح أنه صنع بطولات خارقة قل أن تجد لها مثيلاً
كان حبه لفكرته يفوق الوصف ولم يكن في صدره شيء يزحم هذه الدعوة
قال لي: لو انفصل الإسلام عن السياسة لحصر نفسه في دائرة ضيقة ولم يترك للمسلمين إلا القشور والمظهريات
وقال بوضوح: إن الشرق يتهيأ لنهضة كبرى لكن الغرب يقف له بالمرصاد.. ولا بد أن نتسلم راية الحضارة الإنسانية لنسعد الناس ونحررهم بعد فشل الغرب وتخبطه
لم يحن رأسه ولم يتراجع أمام المهددات أو المثبطات.. حاول الكثيرون الاستفادة من القوة التي يسيطر عليها فقال لهم إن أنصاره ليسوا عصا في يد أحد.. وأنهم لله وحده
لم يكن من الذين يشترون النجاح بثمن بخس ولم يجعل الغاية تبرر الوسيلة.. وكان يسمو بالجماهير فوق خداع السياسة ويرفض أن يضلل السياسي سامعيه لذلك كان طريقه مليئاً بالأشواك
كان في بيته مثال الزهادة وفي ملبسه مثال البساطة.. ولا تراه يختلف عن إنسان عادي إلا ذلك الإشعاع القوي والبريق اللامع الذي تبعثه عيناه ولا يقوى الكثيرون على مواجهته
شعرت أنه قد يختفي إذا كانت الحوادث أكبر منه.. وهكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذي في يده
في الثاني عشر من فبراير الجاري، تحل الذكرى السابعة والخمسون لاستشهاد الإمام حسن البنا الرجل الذي أيقظ أمة.. وربى جيلاً قرآنيا.. وبعث الصحوة الإسلامية.. وتصدى لمخططات الغزو الثقافي والفكري.. وجاهد الاستعمار والاحتلال وحمل قضية فلسطين على عاتقه.. وقد لقي ربه شهيدا في سبيل الله.. ورغم استشهاده إلا أن فكرته لم تمت.. ودعوته تمضي مشعة بنورها.. يلتف حولها الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. إنها رسالة الإسلام الصافية النقية عقيدة وشريعة.. سنة ومنهاجا.. وقد كتب عن الإمام الشهيد البنا الكثيرون ومنهم الصحفي الأمريكي المعروف روبير جاكسون الذي التقى الإمام في مصر وشاهد عن قرب آثار وأنشطة دعوته.. وسجل الكلمات التالية.. التي نعيد نشرها..
يقول الصحفي الأمريكي المعروف روبير جاكسون: في ١٣٦٥ هـ فبراير سنة ١٩٤٦م. كنت في زيارة للقاهرة. وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص وكتبت في النيويورك كرونيكل بالنص: «زرت هذا الأسبوع رجلاً قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه، ذلك الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان».
هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكراً.. وكان أمل الشرق يطمح إلى مصلح يضم صفوفه، ويرد له كيانه، غير أنه في اليوم الذي بات فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى، انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف.. وبطريقة شاذة..
هكذا الشرق.. لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده.. لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة، عندما كنت أزور القاهرة بعد أن التقيت بطائفة كبرى من زعماء مصر، ورؤساء الأحزاب فيها.
كان هذا الرجل خلاب المظهر دقيق العبارة، بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية. لقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يسردوا لي أهداف هذه الدعوة وأفاضوا في الحديث على صورة لم تقنعني.
وظل الرجل صامتاً، حتى إذا بدت له الحيرة في وجهي قال لهم: قل لي شيئاً واحداً: هل قرأت عن محمد؟
قلت: نعم..
قال: هل عرفت ما دعا إليه وصنعه؟
قلت: نعم..
قال: هذا هو ما نريده
وكان في هذه الكلمات القليلة، ما أغناني عن الكثير مما حاول البعض من أنصار البنا أن يقولوه لي.
لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي لا حد لها بنفسه وإيمانه العجيب بفكرته.
كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية، لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله.
وسافرت من مصر بعد أن حصلت على تقارير وافية ضافية عن الرجل وتاريخه وأهدافه وحياته، وقد قرأتها جميعاً وأخذت أقارن بينه وبين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد أحمد المهدي، والسيد السنوسي ومحمد بن عبدالوهاب، فوصل بي البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعاً، وأخذ خير ما عندهم وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء. أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين، جرى على إحداهما الأفغاني وارتضى الأخرى محمد عبده.
كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية.. وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين معاً، وأن يأخذ بهما جميعاً، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد، وهدف محدد.
وبالرغم من أنني كنت أسمع في القاهرة أن الرجل لم يعمل شيئاً حتى الآن. وأنه لم يزد على جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله، غير أن معركة فلسطين ومعركة التحرير الأخيرة في القناة، قد أثبتتا بوضوح أن الرجل صنع بطولات خارقة، قل أن تجد لها مثيلاً، إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية.
كل ما أستطيع أن أقوله هنا، أن الرجل أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه وهي المغريات الثلاث التي سلطها المستعمر على المجاهدين، وقد فشلت كل المحاولات التي بذلت في سبيل إغرائه.
وقد أعانه على ذلك صوفيته الصادقة وزهده الطبيعي، فقد تزوج مبكراً، وعاش فقيراً، وجعل جاهه في ثقة أولئك الذين التفوا حوله، وأمضى حياته القصيرة العريضة مجانباً لميادين الشهرة الكاذبة وأسباب الترف الرخيص.
وكان يترقب الأحداث في صبر ويلقاها في هدوء، ويتعرض لها في اطمئنان ويواجهها في جرأة.
لقد شاءت الأقدار أن يرتبط تاريخ ولادته، وتاريخ وفاته بحادثين من أضخم الأحداث في الشرق ، فقد ولد في عام ١٣٢٣هـ- ١٩٠٦م وهو عام دنشواي ومات عام ١٣٦٨هـ-١٩٤٩م، وهو عام إسرائيل التي قامت شكلياً عام ١٣٦٧هـ- ١٩٤٨م وواقعياً عام ١٣٦٨هـ-١٩٤٩م.
وكان الرجل عجيباً في معاملة خصومه وأنصاره على السواء كان لا يهاجم خصومه ولا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفه، وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة.
وكان يؤمن بالخصومة الفكرية لا يحولها إلى خصومة شخصية، ولكنه مع ذلك لم يسلم من إيذاء معاصريه ومنافسيه، فقد أعلنت عليه الأحزاب حرباً عنيفة، كان الرجل يقتفي خطوات عمر وعلي، ويصارع في مثل بيئة الحسين فمات مثلهم شهيداً.
لقد سمعت الكثير من خصومه، وكان هذا طبيعياً، بل كان من الضروري أن يختلف الناس في رجل استطاع أن يجمع حوله هذا الحشد الضخم من الناس بسحر حديثه وجمال منطقه، وقد انصرف هؤلاء من حول الأحزاب والجماعات والفرق الصوفية والمقاهي ودور اللهو.
وكان لا بد أن يصبح هذا مثار حقد بعض الناس الذين أدهشهم أن يستطيع هذا الرجل المتجرد الفقير أن يجمع إليه هذا الشباب.
ومن الأمور التي لفتت نظري، أنه أخذ من عمر خصلة من أبرز خصاله تلك هي إبعاد الأهل عن مغانم الدعوة، فقد ظل عبد الرحمن ومحمد وعبد الباسط- وهم إخوته- بعيدين عن كبريات المناصب ولطالما كان يحاسبهم، كما كان عمر يحاسب أهله، ويضاعف لهم العقوبة إذا قصروا.
وأستطيع- بناء على دراساتي الواسعة- أن أقول إن حياة الرجل وتصرفاته كانت تطبيقاً صادقاً للمبادئ التي نادى بها، وقد منحه الإسلام كما كان يفهمه ويدعو إليه. حلة متألقة قوية الأثر في النفوس، لم تتح لزعماء السياسة ولا لرجال الدين!
لم يكن من الذين يشترون النجاح بثمن بخس، ولم يجعل الغاية تبرر الوسيلة، كما كان يفعل رجال السياسة، ولذلك كان طريقه مليئاً بالأشواك، وكانت آية متاعبه أنه يعمل في مجرى تراكمت فيه الجنادل والصخور، وكان هذا مما يدعوه إلى أن يدفع أتباعه إلى التسامي ويدفعهم إلى التغلب على مغريات عصرهم، والاستعلاء على الشهوات التي ترتطم بسفن النجاة فتحول دون الوصول إلى البر.
كان يريد أن يصل إلى الحل الأمثل مهما طال طريقه، ولذلك رفض المساومة وألغى من برنامجه أنصاف الحلول، وداوم في إلحاح القول بأنه لا تجزئة في الحق المقدس في الحرية والوطنية والسيادة، وكان هذا مما سبب له المتاعب والأذى.
كان يؤمن بالواقعية ويفهم الأشياء على حقيقتها، مجردة من الأوهام، وكان حين تلقاه هادئاً غاية الهدوء، وفي قلبه مرجل يغلي، ولهيب يضطرم، فقد كان الرجل غيوراً على الوطن الإسلامي، يتحرق كلما سمع بأن جزءاً منه قد أصابه سوء أو ألم به أذى، ولكنه لم يكن يصرف غضبته. كبعض الزعماء. في مصارف الكلام أو الضجيج أو الصياح، ولا ينفس عن نفسه بالأوهام، وإنما يوجه هذه الطاقة القوية إلى العمل والإنشاء، والاستعداد لليوم الذي يمكن أن تتحقق فيه آمال الشعوب.
وكان في عقله مرونة، وفي تفكيره تحرر، وفي روحه إشراق، وفي أعماقه إيمان قوي جارف.
وكان متواضعاً تواضع من يعرف قدره. متفائلاً، عف اللسان عن القلم، يجل نفسه عن أن يجري مجرى أصحاب الألسنة الحداد.
كان مذهبه السياسي، أن يرد مادة الأخلاق إلى صميم السياسة، بعد أن نزعت منها، وبعد أن قيل: إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان.
وكان يريد أن يكذب قول تاليران: «إن اللغة لا تستخدم إلا لإخفاء آرائنا الحقيقية»، فقد كان ينكر أن يضلل السياسي سامعيه أو أتباعه وأمته وكان يعمل على أن يسمو بالجماهير ورجل الشارع، فوق خداع السياسة، وتضليل رجال الأحزاب.
وقد سئل مرة بعد أن ترك عمله في الحكومة، ورفض راتب الجريدة الضخم الذي كان يبلغ مائة جنيه.
قالوا : مم تأكل؟
قال في بساطة: كان محمد يأكل من مال خديجة، وأنا أكل من مال "أخو خديجة"! (يقصد صهره)
وفي خلال هذه الزيارات.. كنت ترى الرجل بسيطاً غاية البساطة، ينام في الأكواخ أحياناً ويجلس على «المصاطب» ويأكل كل ما يقدم له.
وإنني على ثقة من أن حسن البنا رجل لا ضريب له في هذا العصر. وأنه قد مر في تاريخ مصر، مرور الطيف العابر .. الذي لا يتكرر .
لم يحن رأسه، ولم يتراجع ولم يتردد أمام المثبطات ولا المهددات.. وكان الرجل قذى في عيون بعض الناس، وحاول الكثيرون أن يفيدوا من القوة التي يسيطر عليها، فقال لهم إن أنصاره ليسوا عصا في أحد، وأنهم لله وحده.. وحاول البعض أن يضموه إليهم أو يطووه، فكان أصلب عوداً من أن يخدع أو ينطوي.
وكان على بساطته التي تظهر للمتحدث إليه بعيد الغور إلى الدرجة التي لا تفلت متصلاً به، أو متحدثاً إليه من أن يقع في شركه.. ويؤمن بالفكرة التي يدعو إليها.
وكان الرجل ذا قدرة فائقة في ضبط أعصابه، كيساً في مواجهة الأمور، لبقاً في استقبال الأحداث والأزمات.
وإلى هذا كله كان غاية الاعتدال، فكان يعيش براتب لا يزيد على راتبه المدرسي المحدود، وبين يديه الأموال الضخمة المعروضة من أتباعه وحوله من العاملين معه من يصل دخله إلى ضعف أو أضعاف ما يحصل عليه.
وكان في بيته مثال الزهادة، وفي ملبسه مثال البساطة، وكنت تلقاه في تلك الحجرة المتواضعة الفراش ذات السجادة العتيقة والمكتبة الضخمة فلا تراه يختلف عن أي إنسان عادي، إلا ذلك الإشعاع القوي والبريق اللامع، الذي تبعثه عيناه، والذي لا يقوى الكثيرون على مواجهته، فإن تحدث سمعت من الكلمات القليلة المعدودة، موجزاً واضحاً للقضايا المطولة التي تحتويها المجلدات وكان إلى هذه الثقافة الواسعة الضخمة قديراً على فهم الأشخاص لا يفاجئك بالرأي المعارض، ولا يصدمك بما يخالف مذهبك، وإنما يحتال عليك حتى يصل إلى قلبك، ويتصل بك فيما يتفق معك عليه.. ويعذرك فيما تختلفان فيه، وهو واسع الأفق إلى أبعد حد، يفتح النوافذ للهواء الطلق، يسوق الرأي الجديد إلى الجماهير، دون أن يصطدم بهم.. هذا الجديد الذي لو عرض بغير لباقة لوقفوا ضده وحاربوه، لقد نقلهم من وراثياتهم وغير فهمهم للدين، وحول اتجاههم في الحياة وأعطاهم الهدف، وملأ صدورهم بالأمل في الحرية والقوة.
وكان له من صفات الزعماء صوته الذي تتمثل فيه القوة والعاطفة، وبيانه الذي يصل إلى نفوس الجماهير ولا تنبو عنه أذواق المثقفين وتلك اللباقة والحنكة والمهارة في إدارة الحديث والإقناع.
ولقد كانت شخصية حسن البنا جديدة على الناس.. عجب لها من رآها واتصل بها.. كان فيها من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قوتهم ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماسهم ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتاب رصانتهم.
ولم يكن الغرب ليقف مكتوف اليدين أمام مثل هذا الرجل الذي أعلى كلمة الإسلام على نحو جديد.. وكشف لرجل الشارع حقيقة وجوده ومصيره، وجمع الناس على كلمة الله.. وخفت بدعوته ريح التغريب والجنس، ونزعات القومية الضيقة.. واعتدلت لهجات الكتاب، وبدأ بعضهم يجري في ركب «الريح الإسلامية».
ولم تكن هناك دعوة ولا نزعة ولا رسالة مما عرف العالم في الشرق أو في الغرب في القديم أو في الحديث.. لم يبحثها أو يقرأها أو يدرس أبطالها، وحظوظهم من النجاح أو الفشل، أو يحمل منها ما يصلح لتجاربه وأعماله.
ومن أبرز أعمال هذا الرجل، أنه جعل حب الوطن جزءاً من العاطفة الروحية فأعلى قدر الوطن، وأعز قيمة الحرية وجعل ما بين الغني والفقيـر حـقـاً وليس إحساناً، وبين الرئيس والمرؤوس صلة وتعاوناً، وليس سيادة، وبين الحاكم والشعب مسؤولية وليس تسلطاً.
وتلك من توجيهات القرآن، غير أنه أعلنها على صورة جديدة، لم تكن واضحة من قبل.
وأفاد الرجل من تجارب من سبقوه ومن تاريخ القادة والمفكرين والزعماء الذين حملوا لواء دعوة الإسلام، ولم يقنع بأن يكون مثلهم.. ولكنه ذهب إلى آخر الشوط فأراد أن يستمد من عمر وخالد وأبي بكر .. فأخذ من أبي بكر السماحة ومن عمر التقشف ومن خالد عبقرية التنظيم.
وقد استطاع الرجل، رغم كل ما دبر لوضع حد لدعوته أو حياته أن يعمل وأن يضع في الأرض البذرة الجديدة، بذرة المصحف البذرة التي لا تموت بعد أن ذوت شجرتها القديمة، ولم يمت الرجل إلا بعد أن ارتفعت الشجرة في الفضاء واستقرت.
لقد حمل حسن البنا المصحف، ووقف به في طريق رجال الفكر الحديث، الذين كانوا يسخرون من ثلاث كلمات: «شرق وإسلام وقرآن» كان الرجل يريد أن يقول: آن للشرق أن يمحص أفكار الغرب قبل أن يعتنقها بعد أن غدت الحضارة الغربية في نظر أصحابها، لا تفي بما يطلب منها، وكان يقول: علينا أن نزن هذه القيم، وأن نعتقد أن ما عندنا، لا يقل عما عند الغرب أو على الأقل، لا يستحق الإهمال وأن على الشرق أن ينشئ للدنيا حضارة جديدة تكون أصلح من حضارة الغرب، قوامها امتزاج الروح بالمادة واتصال السماء بالأرض وما كنت تعرض لأمر من أمور الحضارة الغربية، إلا رده إلى مصادره الأولى في الحضارة الإسلامية، أو في القرآن والسنة والتاريخ.
إن الظروف السياسية في مصر، سرعان ما تغيرت، وأمكن أن يكشف التحقيق في بعض القضايا بطلان كثير مما وصمت به دعوة الإخوان المسلمين من ادعاءات وأن يبرأ جانب هذا الرجل بالذات فيبدو نقياً طاهراً.
وكنت قد التقيت الرجل في القاهرة سنة ١٣٦٥هـ- ١٩٤٦م ثم عدت إلى القاهرة ١٣٦٨هـ-١٩٤٩م بعد أن قتل وحاولت أن أتصل ببعض الدوائر التي تعرفه فسمعت الكثير مما صدق نظرتي الأولى إليه.
فقد علمت أنه كان في أيامه الأخيرة يحس بالموت وكان الكثير من محبيه ينصحه بالهجرة أو الفرار أو اللياذ بتقية أو خفية، فكان يبتسم للذين يقصون عليه هذه القصة وينشد لهم شعراً قديماً:
أي يومي من الموت أفر *** يوم لا قدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجو الحذر
كان لا يني لحظة عن محاولة استخلاص أنصاره من الأسر، وكان يبلغ به الأمر مبلغه فيستيقظ في الليل، ويضع كلتا يديه على أذنيه، ويقول:
إنني أسمع صياح الأطفال الذين غاب عنهم آباؤهم في المعتقلات.
وحاول الإنجليز أن يقدموا عروضاً سخية.. فرفضها الرجل في إباء.. ونامت الأحزاب في انتظار الهدنة.. وظل الرجل الحديدي الأعصاب، يعمل أكثر من عشرين ساعة لا يتعب ولا يجهد كأنما صيغت أعصابه من فولاذ .
لقد كان يحب فكرته حباً يفوق الوصف ولم يكن في صدره شيء يرحم هذه الدعوة. كان يعشق فكرته كأنما هي حسناء! لا يجهده السفر، وقد أوتي ذلك العقل العجيب الذي يصرف الأمور في يسر، ويقضي في المشاكل بسرعة ويفضها في بساطة ويذهب عنها التعقيد.
كان لا يحتاج إلى الإسهاب ليفهم أي أمر، كأنما لديه أطراف كل أمر فما إن تلقى إليه أوائل الكلمات، حتى يفهم ما تريد، بل كان أحياناً يجهر بما تريد أن تقول له، ويفتي لك فيما تريد أن تسأل عنه.
كان نافذ البصيرة.. يرى ما وراء الأشباح.. فيه من ذلك السر الإلهي قبس.
كان يلتهم كل شيء، لا تجد علماً، ولا فكراً ولا نظرية جديدة في القانون أو الاجتماع أو السياسة أو الأدب، لم يقرأها ولم يلم بها.
وحدثني الرجل القرآني عندما أخذت أراجعه رأيه في صبغة الإسلام للشرق:
قال: أضرب لك مثلاً بتركيا: إنها ستعود إلى الإسلام وإن عوامل ذلك العود قد تبدت منذ الآن. كان هذا الحديث بيني وبينه سنة ١٣٦٥هـ ١٩٤٦م، وقد لاحظت في السنوات التالية ما تحقق من قول حسن البنا في شعبان ١٣٦٩ مايو ١٩٥٠م، بعد أن مضى الرجل إلى ربه، حـيـث هزم حزب مصطفى كمال، وانتصر الحزب الذي كان يقال عنه إنه رجعي.
وسألته عن الصوفية والتصوف وهل هو من الإسلام؟ وكان ذلك على إثر ما نشرته بعض الصحف من أنه سلالة مغربية تعتنق الطريق الشاذلية فكان مما أفضى به إلي أن الصوفية النقية البعيدة عن التعقيد هي من لباب الإسلام، وأنها هي الدرجة التي يصل إليها الرجل الحق، وأن الصوفية بالمفهوم الأصيل، تمد الطبع بحب الجهاد والكفاح وافتداء الفكرة، وأنه يجب أن يرقى أتباعه إلى هذه الدرجة، وأنه لا بأس على الإخوان من أن يأخذوا المعاني القوية الكامنة وراء مظاهر الصوفية فينقلوها إلى دعوتهم دون أن يتقيدوا بأثوابها القديمة أو مظاهرها التي لا تتفق مع روح العصر.
ولما سألته عن الإسلام والسياسة وأنا أرى أنهما لا يتصلان بحال.
قال لي: أترى أن الإسلام بغير السياسة لا يكون إلا هذه الركعات، وتلك الألفاظ! وإن الإسلام في الحق عقيدة ووطن، وجنس وسياسة وثقافة وقانون ولو انفصل الإسلام عن السياسة لحصر نفسه في دائرة ضيقة ولما ترك للمسلمين إلا القشور والمظهريات والأشكال. وقال لي فيما قال: إن سر انتصار الغرب وظفره هو الإسلام.
قلت مستغرباً: كيف؟
قال من ناحيتين: أنه حفظ التراث القديم، وزاد عليه حين أسلمه لأوروبا، عن طريق قرطبة والقسطنطينية، وإن الغرب انتصر بأخلاق الشرق ومبادئه. فقد عرف الغرب الحصيف، كيف وصل الشرق بهذه الأخلاق إلى الذروة، فأسس تلك الإمبراطورية الضخمة فاستعار هذه الأخلاق ونجح، حين غفل عنها الشرق، وهو صاحبها وتخلف.
وحدثني بعض أتباع الرجل عما لقي الرجل إبان زيارته لأرض الحجاز، وكيف تقاطرت على بيته الذي ينزل فيه وفود المسلمين من إندونيسيا، وجاوه وسيلان والهند ومدغشقر وربونيون ونيجيريا والكاميرون وإيران والأفغان تتعرف إليه وتجتمع عليه، وهو مع كل مجموعة يتحدث عن أمور هي مصدر اهتمام الفريق الذي يلتقي به يحدثهم عن قضاياهم ومشاكلهم فيبهرهم كأنه قادم على التو من بلادهم وليسوا هم القادمين عليه.
إننا قد عرفنا الطريق إلى أوطاننا الإسلامية: إنها هي الجهاد والموت والفداء.. إنما هي الطريق الوحيدة التي سلكها المؤمنون في كل زمان ومكان.
إن الدنيا كلها تائهة ضالة تبحث عن الحق والمثل العليا، فلا تجده فيما لديها من نظم وفلسفات ومبادئ.. رسالتكم العظمى للإنسانية أن تحرروها وتنقذوها وتسعدوها.. إن الشرق يتهيأ لنهضة كبرى ووثبة عظمى، وإن الغرب يقف له بالمرصاد ولابد لنا من أن نتسلم راية الحضارة الإنسانية لنسعد الناس ونحررهم بعد أن فشل الغرب وتخبط.
وهم - أي الغرب - يريدون لهذه الأمة نظاماً اجتماعياً ممسوخاً، من تقليد الغرب في الحكم والسياسة والقضاء والتعليم والاقتصاد والثقافة، ونحن نريد لها وضعاً ربانياً سليماً، من تعاليم الإسلام وهديه وإرشاده.
وجملة القول في الرجل القرآني إنه يفهم الإسلام فهماً واضحاً يسيراً.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل