; الإمام حسن البنا والأمن القومي (۳) ... بين الماضي والحاضر | مجلة المجتمع

العنوان الإمام حسن البنا والأمن القومي (۳) ... بين الماضي والحاضر

الكاتب محمد عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011

مشاهدات 54

نشر في العدد 1973

نشر في الصفحة 46

السبت 15-أكتوبر-2011

  • مطلوب رؤية إستراتيجية صحيحة متكاملة تعمل في ضوئها مؤسسات وقوى المجتمع
  • أهمية الوصول إلى التوازن الإستراتيجي مع الأعداء الخارجيين والمهددات المختلفة 
  • قضايا مهمة طرحها البنا:
  • تمصير الشركات وبناء اقتصاد قوي مستقل 
  • التحول للصناعة وإنشاء مصانع السلاح 
  • تماسك المجتمع وترابطه.. والضمان الاجتماعي لكل مواطن
  • استغلال منابع الثروة الطبيعية والعناية بالمشروعات الوطنية الكبرى

ذكرنا آنفًا قضايا الأمن القومي التي تناولها الإمام حسن البنا يرحمه الله واستعرضنا ثماني قضايا منها، وفي هذا العدد نتناول ثلاث قضايا أخرى كانت على رأس اهتمامات الإمام البنا ثم نتحدث عن الأمن القومي بين الماضي والحاضر.

9. تمصير الشركات وبناء اقتصاد قوى مستقل:

يقول الإمام: «كما توجب هذه الأصول - للمنهج الإسلامي - الاهتمام الكامل بتمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك، وتخليص المرافق العامة - وهي أهم شيء للأمة - من يد غير أبنائها فلا يصح بحال أن تكون الأرض، والبناء، والنقل والماء والكهرباء والمواصلات الداخلية والنقل الخارجي، حتى الملح والصودا في يد شركات أجنبية تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني إلا البؤس والشقاء والحرمان» (۱).

كما طالب بسرعة استغلال منابع الثروة الطبيعية والعناية بالمشروعات الوطنية الكبرى، وبالتحول إلى الصناعة فورًا، فهذا من روح الإسلام، وإنشاء مصانع السلاح والاستقلال في ذلك (٢).

«وإنهم قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه شركات أو أفرادًا فالصناعة والتجارة والمنافع العامة والمرافق الرئيسة كلها بيد هؤلاء الأجانب حقيقة أو الأجانب الذين اتخذوا من الجنسية المصرية شعارًا وما زالوا يحنون إلى أوطانهم ويؤثرونها بأكبر أرباحهم» «رسالة النظام الاقتصادي».

كما حذر الإمام من خطورة الأزمات المالية والاقتصادية: «.. ولا يحرك النفوس ويؤلم المشاعر شيء كالضائقة المالية، تأخذ بخناق الجماهير فتحول بينهم وبين الحصول على ضروريات الحياة، فضلا عن كمالياتها ولا أزمة أعنف من أزمة الرغيف، ولا عضة أقوى من عضة الجوع والمسغبة، وطالب القوت ما تعدى..» (3).

10. أهمية التحول للصناعة وإنشاء مصانع السلاح:

فقد طالب الإمام «بالتحول إلى الصناعة فورًا، فهذا من روح الإسلام، وإنشاء مصانع السلاح والاستقلال في ذلك».

11. حول تماسك المجتمع وترابطه:

 اعتبر الإمام أن وحدة الأمة واحترام إرادتها من أركان النظام السياسي الإسلامي (4).

وكذلك رفض كل ما يؤثر سلبيًا على هذه الوحدة فرفض الفتنة الطائفية وأسلوب الانقلابات العسكرية والثورة المخربة، وكذلك الصراعات الحزبية العمياء، وهذا التفاوت الضخم بين الشرائح في المجتمع؛ مما ينتج عنه من صراعات وأحقاد.

يقول الإمام: «كما يعتقد الإخوان أن هناك فارقًا بين حرية الرأي والتفكير والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة - وهو ما يوجبه الإسلام - وبين التعصب للرأي والخروج على الجماعة والعمل الدائب على توسيع حدة الانقسام في الأمة..». (5)

وكان للموقف الأساسي من رفض العنف واستباحة الدماء والثورة والفوضى كأسلوب في منهج الإصلاح ما يؤكد هذه الرؤية.

الضمان الاجتماعي

 وبين الإمام ضرورة الضمان الاجتماعي لكل مواطن «وقرر - أي الإسلام - الضمان الاجتماعي لكل مواطن وتأمين راحته ومعيشته كائنا من كان ما دام مؤديًا لواجبه أو عاجزًا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه.. وهذا مع إشاعة روح الحب والتعاطف بين الناس جميعًا..» (6)

وكذلك دور الإخوان في مواجهة البغاء حتى صدر القانون بمنعه عام ١٩٤٠م. وأيضًا الحملة التي قادوها ضد حركات التبشير ونجحوا في إيقافها، ويقول أيضًا ضمن أهداف مشروعه الإصلاحي: «.. نريد إصلاح مظاهر الحياة الاجتماعية وأن نحارب الإباحية واللهو العابث، وأن تنظم التعليم ونصلحه وفق سياسة الإسلام وأهدافه..».. «خدمة المجتمعات وتنقيتها بمحاربة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع البر والنفع العام في أي صورة، والإصلاح الاقتصادي الذي يوفر لكل إنسان قوته وضروريات حياته، ويرفع مستوى المعيشة، ويقرب بين الطبقات..» (7).

الأمن القومي.. بين الماضي والحاضر

عندما انتهى العصر الملكي وتبعه جلاء قوات الاحتلال الأجنبي عن أرض مصر بقيام «ثورة يوليو»، شكل ذلك بداية قوية لتحديد الأمن القومي وأبعاده، كان الكثير من قادة الثورة قد أمضوا فترة في أسر الإخوان وتشكيلاتهم وتأثروا برؤيتهم، وكان لهذا أثره في الرؤية الإستراتيجية لهذا الأمر لتشمل البعد الإفريقي، ومداخل البحر الأحمر وأمن المنطقة العربية وتأمين الجبهة الشرقية والخطر الصهيوني المتصاعد، وكان للمؤسسات القومية المهمة التي تشكلت لتحديد الرؤية والتقدير لوضع خطوات عملية من امتلاك صناعة مستقلة للسلاح تمثل ذلك في إنشاء المصانع الحربية والاهتمام بتصنيع طائرة حربية مصرية مائة في المائة، وقد قطعت مراحل كبيرة في ذلك ثم لأسباب شكلية تم بيع التصميمات للهند وأغلق هذا الملف.

ومثال آخر؛ هو التصميم لدخول المجال النووي بكل أبعاده، وكانت نواته شركة «المراجل»، ثم توقف هذا المشروع المهم.

ممارسات خاطئة

لكن مع هذه الرؤية الجيدة للأمن القومي في مجالها الخارجي، صاحب ذلك أن ممارسة القيادة السياسية للدور المطلوب لم يكن بالأسلوب المناسب الذي يحقق الهدف مما أدخله في صراعات عدة على المستوى الأفريقي أو العربي، واستفاد منه الحليف الروسي لتحقيق أهدافه، فقد كان أسلوب الممارسة يعتمد أساسًا على إبراز الحاكم وكسبه للأوراق للتحرك بها على الساحة الدولية أكثر من الاهتمام الفعلي بتحقيق المستهدفات المطلوبة، وبعد مرحلة «عبد الناصر» بدأ يتضاءل الاهتمام الفعلي بالأمن القومي ليصبح استقرار الكرسي والنظام له الأولوية على أمن الوطن.

لقد كان هناك ثوابت من عشرات السنين لأبعاد الأمن القومي، لكن تم تجاوز ذلك وفقدت الدولة الرؤية الإستراتيجية، وقد وجهت له ضربة قوية بتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد»، وما تلى ذلك من التبعية للسياسة الأمريكية والانقلاب على مشروع المقاومة ضد العدو الصهيوني. 

كما أنه في ظل الاستبداد السياسي وعدم احترام مؤسسات الدولة واستقلالها بل أصبح بعضها أداة في يد النظام، وفي ظل مؤثرات أخرى داخلية وخارجية وشخصية... أصبح لا يمكن لمؤسسة واحدة أو لحاكم أن ينفرد بتقرير أولويات وأبعاد الأمن القومي، أو يقوم هو باحتكار المراجعة وتعديل المسار وفق رؤيته ومصلحته الشخصية لابد أن تتعاون الأمة بكل مؤسساتها القومية وطوائف النخبة السياسية الوطنية والأكاديميين المتخصصين الوضع الإستراتيجية ورسم الرؤية المطلوبة لأبعاد الأمن القومي وأولوياته والأخطار التي تتهدده، خاصة وأنهم لا يبدؤون من فراغ، أو تخفى عنهم الثوابت في الممارسة السابقة.

الأهداف المطلوب العمل عليها: 

من أجل واقع حقيقي للاهتمام بالأمن القومي لابد من وضع هذه الأهداف والعمل على تحقيقها:

  1. وجود رؤية إستراتيجية صحيحة متكاملة في هذا المجال، تتوافق عليها وتعمل في ضوئها أغلب مؤسسات وقوى المجتمع. 
  2. إعادة ترتيب الأولويات والأوزان النسبية في المجتمع ومؤسساته وفق هذه الرؤية.
  3. الوصول إلى التوازن الإستراتيجي و «سد الفجوة» مع الأعداء الخارجيين والمهددات المختلفة.
  4. الارتقاء بالدور الإستراتيجي المصري عربيًا وأفريقيًا وإسلاميًا ودوليًا.
  5. تحقيق تماسك المجتمع ومنظومة الحقوق الأساسية له، وتأمين احتياجاته ومواجهته للمتغيرات والأزمات.
  6. تحقيق مستوى جيد من التنمية الأساسية بما يوفر له في حاضره ومستقبله ما يحتاجه من قوى بشرية متخصصة وصناعات إنتاجية وإستراتيجية واقتصاد قومي مستقل.

المحاور والأبعاد المطلوب تحديدها:

أ- المحور الإستراتيجي، ويشمل:

  1. الفجوة بيننا وبين العدو الصهيوني «ميزان القوى».
  2. تحديد الأخطار والأعداء الخارجيين للوطن.
  3. القدرة على مواجهة المهددات وتأمين للوطن »الوطن مساراتها وكيفية تحقيقها». 
  4. كيفية بناء الثقة ومواجهة الهزيمة النفسية وعقدة العجز.
  5. تطوير الرؤية، ووضع الخطوات بما يحقق الكفاءة والتدريب الاستقلالية والتصنيع.
  6. الاستفادة من عوامل التوازن الأخرى لتحقيق التوازن الإستراتيجي مع الأعداء.

ب- المحور الخارجي:

بعد تحديد الرؤية الإستراتيجية، يتم تحديد الأبعاد والقضايا الخاصة به؛ مثل:

  1. تحديد الوزن النسبي للمهددات أو الإيجابيات وآثارها القريبة والبعيدة، وذلك في كل الدوائر الخارجية «العربي، الإفريقي، الإسلامي، الدولي». 
  2. القضايا الخاصة المؤثرة على الأمن مثل:
  • حوض النيل والدور المصري في أفريقيا. 
  • الصراع في القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر.
  • المشروع الصهيوني – الأمريكي في المنطقة، وآثاره على كل محاور الأمن القومي.
  •  التواجد العسكري الأمريكي المباشر ومنظومة الأمن العربي. 
  • مخططات التجزئة والتفتيت العرقي والطائفي والمذهبي.

ج- المحور المجتمعي الداخلي ويشمل:

  1. قضية الهوية والاختراق الثقافي. 
  2. الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع. 
  3. الاستبداد السياسي وضيق قنوات التعبير وأثرها على الأمن القومي.
  4.  تأمين مصادر الدخل القومي ومواجهة عجز الموازنة.
  5. الاحتكار وأخطار الاستثمار الأجنبي الضار أو المشبوه، فهناك استثمار نافع يمثل إضافة للاقتصاد، وهناك استثمار للاستهلاك ولتحقيق أهداف أخرى أو واجهة لبعض القوى المعادية.
  6. المهددات الأخلاقية، مثل: المخدرات العنوسة، تفكك الأسرة العنف.
  7. توافر الآلية المناسبة والقدرة على مواجهة الكوارث والأزمات.
  8. القضايا الاقتصادية المهمة المؤثرة مثل: الفجوة الغذائية قضايا الطاقة جودة التعليم الصناعات الإستراتيجية..

الهوامش

(۱، ۲، ۳) رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.

(٤) راجع: رسالة نظام الحكم.

(٥) رسالة المؤتمر الخامس.

(٦) رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، مرجع سابق.

(۷) رسالة دعوتنا في طور جديد. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

126

الثلاثاء 28-أبريل-1970

الأيدي الخفية

نشر في العدد 7

328

الثلاثاء 28-أبريل-1970

ماذا أعددتم لأطفالكم؟

نشر في العدد 8

158

الثلاثاء 05-مايو-1970

أفريقيَا إلى أين تذهَبين؟