; الإمام مالك بن أنس في موطئه | مجلة المجتمع

العنوان الإمام مالك بن أنس في موطئه

الكاتب أنور عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

مشاهدات 91

نشر في العدد 1325

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

فقيهنا هو إمام الأئمة وعالم المدينة المنورة، وصاحب المذهب المنسوب إليه مالك بن أنس رضي الله عنه والكتاب الذي تتوقف أمامه لنتعرف جانبًا من فقهه هو الكتاب الذي يحمل اسم هذا الإمام الفقيه والمعروف باسم «الموطأ أو موطأ مالك» وبداية نتوقف أمام تسمية هذا الكتاب الموطأ، وسر هذه التسمية المتميزة في مصنفات الفقه، ويفسر لنا الإمام مالك نفسه سر هذه التسمية حين يقول في هذا الشأن عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ.

وقد ولد الإمام مالك بن أنس سنة ثلاث وتسعين للهجرة على أصح الأقوال، وينتهي نسبه من جهة أبيه إلى ملوك حمير في الجاهلية، وقد اختلف القدماء في جد أبيه- أبي عامر بن عمرو فذهب بعضهم إلى أنه صحابي شهد مع النبي عنه جميع الغزوات إلا بدرًا، بينما قال آخرون: إنه أسلم بعد وفاة الرسول الكريم، ونتيجة لهذا الخلاف رأينا خلافًا آخر في شأن جده مالك بن أبي عامر حيث ذهب البعض إلى أنه أول من وفد من هذه الأسرة من اليمن إلى الحجاز، وكان من التابعين الذين لهم رواية عن الصحابة، وأنه من الذين كتبوا المصحف الشريف في عهد عثمان بن عفان- رضي الله عنه.

أما والد الإمام الفقيه فكان مقعدًا يحترف صناعة النبال، ولا يذكر له شيء في مجال العلم.

وقد بدأ الإمام مالك بطلب العلم وهو صغير فأخذ عن كثير من علماء المدينة، ولعل أشدهم أثرًا في تكوينه العقلي والعلمي والفقهي الذي عرف به هو أبو بكر عبد الله بن يزيد المعروف بابن هرمز المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة، فقد روي عن الإمام مالك أنه قال: كنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل وقد لازم الإمام مالك ابن هرمز على هذا النحو سبع سنين أو ثمان، وكان ابن هرمز يسر إليه أشياء لا يفصح بها لسواه ومن شيوخ الإمام مالك، ابن شهاب الزهري المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة للهجرة، وكان من أكبر علماء المدينة المنورة في عصره، بل يعد من أوائل المدونين للسيرة النبوية والحديث الشريف وكان من رجال الأمويين بالشام وتولى لهم القضاء والفتيا، ورحل إلى المدينة المنورة فتزاحم عليه طلاب العلم يأخذون منه، وكان من بينهم فقيهنا مالك بن أنس وربيعة بن أبي عبد الرحمن المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة أحد شيوخ فقيهنا، وهو الذي قال فيه مالك ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة كما روى مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر المتوفى سنة مائة وعشرين للهجرة، ونافع هو الذي بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلم المصريين القرآن والسنة، وكان يلقب بفقيه المدينة، وقد لزمه مالك وهو غلام نصف النهار من يومه، وكان مالك يقول: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي الا أسمعه من أحد غيره، وأهل الحديث يقولون: رواية مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب الجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة، كذلك يذكر المؤرخون أن الإمام جعفر الصادق المتوفى عام ثمانية وأربعين ومائة للهجرة كان من شيوخ مالك والإمام جعفر الصادق هو من أبرز علماء المدينة المعروفين بالعلم والدين في عصره.

ولم يذكر المترجمون للإمام مالك أنه رحل في طلب العلم، مع أن الرحلة في ذلك الوقت كانت من أهم مقومات العالم لاسيما المحدث، وربما كان السبب في ذلك راجعًا إلى اعتقاده كما كان يعتقد غيره من العلماء أن العلم هو علم المدينة المنورة التي أقام بها الرسول الأمين- صلى الله عليه وسلم. منذ هجرته إليها وأقام بها الدولة الإسلامية.

وكان الإمام مالك بن أنس من أوائل المدونين للحديث الصحيح العاملين على الحذر والاحتياط في قبول ما يروى، كما كان من أوائل المدققين الناقدين في المتن والمسند، ولذلك قال ابن عيينة وما رأيت أحدًا أجود أخذًا للعلم من مالك، وما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء وكان الإمام مالك رضي الله عنه يتحرج من المجادلة في الحديث، ولكنه كان مع ذلك مجتهدًا في اختيار الحديث ناقدًا مدققًا، احتاط اشد الاحتياط في روايته حتى قال الشافعي: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله، وقال ابن أبي أويس سمعت مالكًا يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم. عند هذه الأساطين- وأشار إلى المسجد. فما أخذت عنهم شيئًا وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.

وقد بلغ التحرج والاجتهاد بالإمام مالك والتدقيق في المسائل التي يسأل عنها مبلغًا كبيرًا فقد روى ابن القاسم قال: سمعت مالكًا يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، ما اتفق لي رأي فيها إلى الآن، وكان يقول أي مالك وربما وردت على المسألة فأسهر فيها عامة ليلتي وهذا كله يدل على أن مالكًا كان يفكر ويطيل التفكير، وينظر في المسائل، وينعم النظر، ويخاف الله ويخشاه فيما يسأل عنه لأنه يتحدث في أمر دين الله، ومن هنا كان الإمام مالك واحدًا من أربعة هم أصحاب المذاهب الفقهية الشهيرة في الشريعة الإسلامية، وقد توفي الإمام مالك عام تسعة وأربعين ومائة للهجرة أما الموطأ أو موطأ مالك فهو الكتاب الذي دون فيه الإمام مالك أحاديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه التي اطمأن فقيهنا إلى صحتها وحسب الموطأ- في مجال الوثوق بصحة ما ورد فيه من أحاديث- قول الإمام الشافعي- رحمه الله قولته المشهورة ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك كما قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي الموطأ هو الأصل واللباب، وكتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهم بنى الجميع كمسلم والترمذي.

وقد وضع مالك الموطأ على نحو عشرة آلاف حديث فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقي على النحو الذي هو عليه الآن، وقد أخرج ابن عبد البر عن عمر بن عبد الواحد صاحب الأوزاعي قال عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يومًا. فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يومًا ما أقل ما تفقهون ويقول المحققون إن أصحاب كتب الحديث المعتبرة كلهم عالة على مالك وأصحابه، وهو شيخ الجميع، كما قالوا من رزق الإنصاف من نفسه علم لا محالة أن الموطأ عدة مذهب مالك وأساسه وعمدة مذهب الشافعي وأحمد ورأسه، ومصباح مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ونبراسه وموطأ مالك مقسم إلى واحد وستين قسمًا سمى كل قسم كتابًا وكل كتاب يورد فيه الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بهذا الكتاب وقسم كل كتاب إلى عدة أبواب يشتمل كل منها على وحدة موضوع، وأول كتاب هو كتاب وقوت الصلاة والوقوت هي الأوقات ولكنه اشتقاق الكثرة لأن الصلاة وإن كانت خمسًا إلا أن تكرارها في كل يوم جعلها كثيرة كقولهم شموس وأقمار باعتبار ترددها في كل يوم.

 أما آخر كتاب في موطأ مالك فهو كتاب أسماء النبي صلوات الله وسلامه عليه، والذي يختتم به الإمام مالك بن أنس إمام وعالم المدينة موطأه رحم الله فقيهنا مالك بن أنس جزاء ما اسداه لدين الله من علم وفقه وحفظ الأقوال وسنن الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم.

الرابط المختصر :