; الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس.. ماضيها وحاضرها؟! | مجلة المجتمع

العنوان الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس.. ماضيها وحاضرها؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1979

مشاهدات 95

نشر في العدد 433

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 20-فبراير-1979

لماذا أطلق الكتاب الأوربيون على بريطانيا لقب «الحانث»؟

قال بلفور: إن بريطانيا تنظر بعين الرضا إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين…

قال بلفور: الانتداب حق السيادة التي أحرزها الفاتحون على الأمم التي قهروها

كثيرًا كثيرًا ما تحدثت أكثر الصحف الكويتية في أثناء زيارة الملكة إليزابيث للكويت عن عظمة بريطانيا العظمى وعراقتها واحتفالاتها وقصورها وصداقتها التقليدية لنا و.. و.. و ...

الأمر الذي جعل كثير من الناس ينسى -ولو إلى حين- ما صنعته هذه الإمبراطورية معنا –نحن المسلمين - في الماضي البعيد والماضي القريب والحاضر ..

لذلك رأينا من الواجب أن نشارك -نحن- هذه الصحف في الحديث عن بعض صفات العظمة لبريطانيا العظمى وعن بعض صور ما يسمى بالصداقة التقليدية الوثيقة التي تربطها بالمسلمين بخاصة وبالعالم بعامة.. وذلك حتى تكتمل الصورة في ذهن القارئ العادي بغير تشويه أو خداع أو تزييف.

أولًا- تجارة الرقيق :

أول مظاهر هذه العظمة البريطانية هي تجارة الرقيق الذي كانت سفن الإنكليز وعصاباتهم تغير على سواحل أفريقيا الغربية وتخطف الأفارقة الآمنين من قراهم الوادعة بغير أن تفرق بين شاب وعجوز وطفل وامرأة ورجل، تكبلهم بالحديد وتشحنهم، كما تشحن الحيوانات إلى أميركا الشمالية والجنوبية لتبيعهم بيع السلع الحقيرة.

وتجارة الرقيق الوحشية هذه ظلت حكرًا على البريطانيين عدة قرون، فجنوا منها أرباحًا باهظة، وخير دليل على ذلك هو قصة الجذور التي صورت تلك المأساة الدرامية الوحشية ولقد رآها الملايين على شاشة التلفزيون في الكويت وفي غيرها .

ثانيا- حرب الأفيون :

وثاني مظاهر العظمة البريطانية العريقة هي حرب الأفيون تلك الحرب التي سخرت بريطانيا فيها جيوشها وأساطيلها لتشن حربًا شرسة دامت سنوات طويلة من ١٨٤٠ إلى ١٨٥٨ م على بلاد آمنة هي الصين، لكي ترغم سكانها وحكومتها على قبول الأفيون كسلعة تجارية مشروعة من أجل أرباح تجنيها الإمبراطورية العظمى.

واستطاعت بريطانيا العظمى بعد انتصارها على الصين عام ١٨٥٨ أن تجبر الحكومة الصينية وتستصدر قرارًا يبيح استيراد الأفيون والإتجار به .

ولقد اعترف بذلك (Hyndman) في كتابه:  (The Awakening of Asia)

فقال: ليس في التاريخ التجاري الإنكليزي صفحة تلحق ببلادنا عارًا أشنع مما ألحقته بنا وبتجارتنا وسياستنا قصة الإتجار بالأفيون مع الصين إذا سردناها ببساطة تامة من غير تهويل أو تزويق، فقد شنت إنكلترا أكثر من حرب واحدة على الشعب الصيني الأعزل وقد استولت عنوة على أرض صينية «هونغ كونغ وغيرها» لكي تجعل منها مرفأ يعتصم به المهربون وينطلقون منه .

ثالثًا: تمزيق الأمم والشعوب

ومن مظاهر العراقة البريطانية الإمبراطورية تقسيم الأمم والشعوب تقسيمًا خبيثًا لا يقوم على أساس ديني ولا قومي ولا جغرافي، وإنما على أساس استعماري عجيب.

وهو تقسيم يختلف من منطقة إلى أخرى يحسب مصالح الاستعمار، ومفهوم مبدأ الانتداب الذي عرفه أحد أقطاب السياسة البريطانية، ووزير خارجيتها «بلفور» في اجتماع مجلس إدارة عصبة الأمم في عام ۱۹۲۲.

فقال: الانتداب عارة عن حد -فرضه الفاتحون على أنفسهم- من حق السيادة التي أحرزوها على الأمم التي قهروها .

على هذا الأساس اللاإنساني، مزقت بريطانيا ما يعرف بخط «غولد سميث» قبائل البشتان بين الباكستان وأفغانستان، وقسمت قبائل البلوخستان بین إیران وباكستان. وذلك لتبقى هذه المنطقة في حال عدم استقرار دائمة .

وعلى هذا الأساس الجائر أيضًا مزقت الإمبراطورية البريطانية الأمة العربية إلى دول شتى في اتفاقية سايكس بيكو وفي مؤتمر سان ريمو، وما زال العرب إلى اليوم يعانون من هذا التقسيم الذي حال بينهم وبين القوة والتقدم والحضارة.

وحتى تضمن بريطانيا أبدية هذا التقسيم واستمالة التوحد، فإنها تركت في كل مكان قبل أن تخرج منه مشكلة مزمنة غير قابلة للحل، تستخدمها ورقة رابحة بيدها تفجرها ساعة تشاء وتضمن لها استمرار مصالحها، ودوام هيمنتها على هذه المناطق التي كانت تحت استعمارها. مثل مشكلة كشمير بين الهند وباكستان ومشكلة قبائل البلوشستان والباتان ومشكلة القبارصة الأتراك واليونانيين وغيرها، وتأتي في مقدمة المشاكل البريطانية الخبيثة مأساة فلسطين.

رابعًا- مأساة فلسطين:

امتد النفوذ البريطاني امتدادًا سرطانيًا هائلًا من الجزر البريطانية في الأطلسي إلى سنغافورة، وحتى تؤمن الإمبراطورية البريطانية على مستعمراتها لا بد لها من أن تطمئن على سلامة الطرق المؤدية إليها، فبسطت استعمارها ونفوذها على جميع المضائق والطرق المائية الواقعة في هذا الطريق، بدءًا من مضيق دوفر في بحر المانش إلى مضيق جبل طارق الذي احتلت قسمه الشمالي من إسبانيا وما زال تحت استعمارها بينما جعلت قسم الجنوبي دوليًا ثم مضيق مالطا فاحتلت جزيرة مالطة ثم احتلت جزيرة قبرص لتشرف على شرق البحر المتوسط، ثم احتلت مصر لتؤمن قناة السويس من الغرب ثم احتلت اليمن والصومال لتؤمن سيطرتها على باب المندب، ثم مضائق الخليج العربي لتؤمن الوصول إلى العراق وإيران والهند ثم مضيق سنغافورة حتى تؤمن الوصول إلى مستعمراتها في الشرق الأقصى .

ولعل أهم هذه المضائق هو قناة السويس، لذلك ومن أجل أن تؤمن حمايتها من الشرق- ارتكبت أكبر جريمة في التاريخ. وهذه الجريمة هي المأساة الفلسطينية، قال السياسي الإنكليزي الشهير السير «مارتن كونواي»

إن الخطر الحقيقي على قناة السويس لا يجيء من الغرب، بل من الشرق ولذلك كان قبض بريطانيا على فلسطين مصلحة إمبراطورية من الطراز الأول. ثم يشرح «كونواي» فائدة وجود طائفتين متخاصمتين في فلسطين وما يتطلبه هذا من وجود هيئة خارجية محايدة لكي تحمي كل فريق من عدوان الآخر وهكذا تبقى بريطانيا في فلسطين إلى أجل غيرمحدود .

لذلك أصدر وزير الخارجية البريطانية بلفور وعده المشؤوم القائل «إن بريطانيا تنظر بعين الرضا إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين على ألا يكون في هذا ما يمس حقوق اليهود في سائر الأقطار».

ثم اختارت بريطانيا اليهودي المتطرف «هربرت صموئيل» ليكون الحاكم الأول على فلسطين في زمن الانتداب البريطاني، فاستطاع أن يثبت أركان الاستعمار على قواعد متينة وأن يزيد عدد اليهود حتى ارتقى من ٥٠ ألفا عام ۱۹۲۰م إلى ٦٦٠ ألفا عام ١٩٤٠، ثم ساعدت اليهود لإقامة دولتهم على فلسطين المسلمة .

ولا نريد أن نفصل في المشكلة الفلسطينية أكثر من ذلك لأنها معروفة من قبل الإخوة القراء .

خامسا- سياسة القمع الوحشي :

ومن مظاهر العراقة البريطانية، استخدام أقصى الأساليب وأعنفها لقمع الحركات الوطنية ويكفي هنا أن نذكر بالإضافة إلى ما ذكرناه حادثة «أمر تسار».

هذه المدينة الواقعة شرقي مدينة لاهور في البنجاب والتي شهدت عام ۱۹۱۹ مذبحة هائلة وحشية راح ضحيتها ۲۷۹ قتيلًا وحوالي ۹۰۰ جريح، وترك الجميع بلا عون ولا مساعدة ولا عناية ولا ذنب لهم إلا أنهم تظاهروا بصورة سلمية دون سلاح أو عصي .

ولقد تمت هذه الملحمة الوحشية بزمن قياسي جدا في ذلك التاريخ هو ۱۰ دقائق فقط. وأما بطل هذه المجزرة فهو الجنرال البريطاني داير والذي اضطرت حكومة الهند الإنكليزية أن تعزله من منصبه في الهند بعد أن عممت أخبار مجزرته. إلا أن جريدة «مورننج بوست» اللندنية الاستعمارية فتحت باب الاكتتاب لمساعدة القائد العظيم، فتسارع الشعب البريطاني العريق ليتبرع لهذا الجزار المتوحش بمبلغ ٥٠ ألفًا من الجنيهات وهو مبلغ كبير جدًا في ذلك الوقت. وهكذا يشترك الشعب البريطاني مع حكومته في مظاهر هذه العظمة الاستعمارية كأنهما وجهان لقطعة نقدية واحدة .

سادسًا- سياسة الكذب والنفاق :

ومن مظاهر العراقة البريطانية أيضًا هو سياسة الكذب والخداع والنفاق في معاملاتها مع الشعوب التي تعاملت معها أو التي وقعت تحت سيطرتها ونضرب لذلك مثلين اثنين هما :

-  تعامل بريطانيا مع الشريف حسين في خلال الحرب العالمية الأولى ثم تنكرها له ولوعودها بعد الحرب ونفيها له حيث مات وحيدًا طريدًا.

-ونجد ذلك أيضًا واضحًا في العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ حيث تواطأت مع فرنسا وإسرائيل على العدوان على مصر فبدأت إسرائيل الحرب على مصر، وبعد ٢٤ ساعة أنذر «أنطوني إيدن» رئيس الوزراء البريطاني في ٣٠ أکتوبر ١٩٥٦ مصر وإسرائيل بصورة مسرحية مضحكة: بأن القوات الإنكليزية الفرنسية المشتركة ستحتل مؤقتًا مواقع رئيسية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس، وعلى مصر وإسرائيل سحب قواتهما إلى مسافة 10 أمیال شرق القناة بالنسبة إلى إسرائيل وغرب القناة بالنسبة إلى مصر مع وقف القتال. ومدة الإنذار ۱۲ ساعة فقط، وإلا اضطرت الدولتان إلى استخدام القوة.

ولقد سخط العالم عليهم جميعًا، لما ارتكبوه من الكذب والنفاق والبهتان بادعائهم بأنهم يتدخلون لوقف الحرب مع أنهم الذين شبوها.

سابعًا- الإمبراطورية العريقة والإنسانية :

ونختم مظاهر العراقة البريطانية بالاطلاع على فهم هذه الإمبراطورية للإنسانية في أدنى مفهوم لها سواء على المستوى الداخلي في مستعمراتها أم على المستوى الدولي.

إن بريطانيا العظمى قد فرضت على بعض من تستعمرهم عقوبة عامة أن يزحفوا على أيديهم وأرجلهم عندما يمرون في شارع كانت امرأة إنكليزية قد هوجمت فيه .

وأمرت في حين آخر ومكان آخر أن يسجد أبناء البلاد أمام المستعمرين الإنكليز. وحرمت مرة ثالثة على غير الإنكليز في بعض البلاد التي تستعمرها ركوب السيارة مصادرتها منهم وأجبرتهم على السير إذ أن ركوب السيارات خاص بالسادة الإنكليز. وهذ نقطة من بحر الفهم الإنكليزي العريق للعلاقات الإنسانية بين الشعوب.

وأما على المستوى الدولي فإن الإمبراطورية العريقة قد سلكت خطة استعمارية أثارت مشاكل دولية عظمى أفضت إلى حروب مدمرة مستعينة في ذلك بكل أساليب الغش والخيانة والغدر من أجل الاستيلاء على مستعمرات جديدة أو من أجل تثبيت استعمارها في الأقطار التي تستعمرها وليس استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا ببعيد عن هذا أبدًا.

وهكذا أفسدت الإمبراطورية البريطانية العريقة الأخلاق السياسية وانحطت بها إلى الدرك الأسفل من الكذب والرياء وإخلاف العهود والمحنث بالإيمان والمواثيق حتى أطلق عليها الكتاب في أوروبا اسم «الحانث».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 34

101

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

حل المشكلة وكيف يمكن أن يتحقق!

نشر في العدد 1069

71

الثلاثاء 05-أكتوبر-1993

خداع السلام