العنوان الإنجليز أدخلوها البلاد ... واشترطوا منح الجنسية لمربيها.. خنازير ماليزيا
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1345
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 13-أبريل-1999
لعل من المفاجأة أن يعلم الكثيرون من سكان ماليزيا، وبخاصة المسلمون منهم، أن بلادهم تحتضن في مزارعها الخضراء عددًا هائلًا من الخنازير يصل إلى نحو 2.5مليون رأس. ولقد ألقى الضوء على هذه القضية التي هي من مخلفات عهد الاستعمار البريطاني، عندما بدأ وباء مرض الالتهاب الدماغي الياباني في الانتشار في ولاية نغري سمبلان في جنوب غرب العاصمة كوالالمبور، والذي تسبب في مقتل ٩٥ شخصًا.
وبعد عدة أشهر من ظهور المرض، قررت الحكومة إبادة ما يقارب مليون خنزير، وهو ثلاثة أضعاف الرقم المحدد ابتداء لاحتواء المرض، وعينت الحكومة نائب رئيس الوزراء الماليزي عبد الله بدوي رئيسًا للجنة خاصة بمكافحة المرض، ونيابة رئيس رابطة صينيي ماليزيا ووزير المواصلات لينغ ليونغ، وذلك لأن معظم من يربي الخنازير ومن يأكلها من الصينيين الذين يعتنقون البوذية أو النصرانية، والباقي من الهنود والهندوس. وقد قتل حتى الأسبوع الماضي ٣٥٠ ألف خنزير، وقد أسست وزارة المالية صندوقًا إغاثيًّا، كما أسست منظمات وأحزاب أخرى سبع صناديق إغاثية، جمعت تبرعات أكثر من التبرعات التي جمعت لمتضرري الفيضانات. ومع ذلك، طالب مزارعو الخنازير بمعونات أكثر.
المسلمون أقل قلقًا من غيرهم لأنهم لا يعملون في تربية الخنازير، لكن البعض أجبر على طلب أن يلقح أفراد أسرهم من الساكنين بالقرب من مزارع الخنازير، وغالبيتهم من القرويين. وقد أفتى مفتي الولاية بحل ذلك بعد أن تشكك البعض في أكل لحم الخنازير.
لكن القضية لم تخلُ من بُعد سياسي، فبالنسبة للمسلمين، بدا الأمر وكأنه نقطة سالبة جديدة تُضاف إلى سجل الانتقادات التي تكشفها المعارضة الإسلامية.
بدأ الملايويون يتحدثون باستغراب عن وجود هذا العدد الهائل من الخنازير في بلد يبلغ ٥٨٪ من سكانه مسلمون. وتركز الحديث حول أشخاص معينين سمحوا لهذا القطاع أن ينمو خاصة في نغري سمبلان، وبالنسبة للصينيين، فإن الحزب الصيني الرئيس« حزب العمل الديمقراطي» المعارض وجد في القضية فرصة لانتقاد الحكومة والظهور بمظهر المدافع عن حقوق الصينيين، متهمًا الحكومة أنها ستضرب قطاع تربية الخنازير، وطالبها بدفع ١٦٠ مليون دولار تعويضًا للمزارعين. ولكن رابطة صينيي ماليزيا شريكة حزب «أمنو» الحاكم انتبهت لحساسية القضية، فتحركت بشكل مكثف ومعها مؤسسات الدولة لاحتواء المرض حتى امتدحت خطواتها منظمة الصحة العالمية، وشهد بذلك خبراء من أستراليا وتايوان وأمريكا أتوا بأجهزة مختبرية جديدة للمستشفيات. ولكن الدكتور باراثان سيناه الخبير من جامعة بيرث بأستراليا، قال: إن المرض لن ينتهي أمره مادام تحرك الحكومة جاء متأخرًا، وكان الأفضل البدء بهذه الخطة الشاملة في أكتوبر الماضي، حين بدأ المرض، وتردد الإعلام الرسمي في البداية حول أسلوب التعامل مع الوباء بين التعتيم أو التغطية المحدودة، ثم كانت التغطية الموسعة الخيار الوحيد عندما بدأت الصحف الناطقة بالصينية في تغطية الحدث بشكل مفصل، وتبعتها الصحف الملايوية والإنجليزية.
والجدير بالذكر أن الحكومة جندت ١٤٠٠ من غير المسلمين للمشاركة في قتل الخنازير رميًّا بالرصاص أو بالصعقات الكهربائية، ثم حرقها ودفنها في حفر كبيرة، وهي تدعو إلى المشاركة في عملية تعقيم المزارع بعد إخلائها من السكان والخنازير، غير أن القليل جداً من الناس يتقدمون خوفًا على حياتهم بالرغم من تراجع معدل الإصابة.
وقد أخليت القرى التي تنشط فيها زراعة الخنازير، وأصبحت مدن أشباح منذ أن بدأت حملة الإبادة في ١٧ مارس الماضي.
وتقول الدراسات: إن المرض قد ظهر خلال القرن الماضي في اليابان، وتم التعرف إليه علميًّا في اليابان في عام ١٩٢٤، وهو ينتقل من خلال بعوضة من عائلة «الفلا فيفرايدي» ومنها كذلك بعوضة حمى الضنك المعروفة، وتعيش أصناف من البعوض في مزارع الأرز والمستنقعات، وتنقل المرض من الحيوانات وخاصة الخنازير. وبعد ٩-١٢ ساعة يمكن أن يصيب الإنسان، ولا ينتقل المرض من الإنسان أو الحيوانات الأخرى غير الخنازير، حيث إن الفيروس يموت في جسم الإنسان المصاب. وينتشر الفيروس بعدد كبير في الهند والصين وميانمار وكوريا والفلبين وسريلانكا وفيتنام وتايلاند حيث يصاب بالمرض ٥٠ ألف شخص سنويًّا، يموت منهم ١٠ آلاف، ويصاب كثير ممن تقدر لهم الحياة بخلل في الجهاز العصبي أو فقدان الذاكرة.
وتذكر الإحصاءات أن مزارع تربية الخنازير في ماليزيا هي الأكبر في جنوب شرق آسيا.
ويعمل في هذا القطاع من الصينيين والهنود الماليزيين ۳۰۰ ألف نسمة، ويرجع تأسيس هذه المزارع إلى عهد الاستعمار قبل ١٥٠ عامًا حينما جلب البريطانيون الصينيين والهنود للعمل في المناجم والمزارع على التوالي، ثم حصلوا على الجنسية الماليزية كشرط من شروط الاستقلال عام ١٩٥٨م. وهناك ثلاثة أجيال من العاملين في هذا القطاع لا يعرفون غيره مصدرًا للعيش الذي يجلب لبعض كبار المزارعين ۱۰۰ ألف رنجكت شهريًّا.
وبسبب المرض انخفضت مبيعات لحوم الخنازير ومنتجاتها بنسبة ۷۰ - 80٪، وزاد الطلب على اللحوم الأخرى بنسبة ٣٠٪، وارتفع سعرها، كما أوقفت الدول الآسيوية المجاورة التي تعتمد على مزارع ماليزيا استيراد الخنازير بعد أن أصيب بعض الجزارين بالمرض في سنغافورة.
لقد كان الفيروس آية أخرى تذكر بحكمة رب العالمين من تحريم أكل لحم الخنزير... ويقول تايلاندي عندما سئل عن أكله للخنازير مع انتشار المرض:«حينما أكل لحم الخنزير أحاول أن أتذكر أجمل ما يمكن أن أتصوره في الدنيا، لأتناسى أصل هذا اللحم ومن أين جاء»!! فسبحان الذي حرم علينا أكله وهو أعلم بمضاره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل