العنوان الإنجليز حلقة الشر المفرغة
الكاتب محمد البشير الإبراهيمي
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2008
مشاهدات 104
نشر في العدد 1792
نشر في الصفحة 36
السبت 08-مارس-2008
الإنجليز يحركون الفتن.. وتكتل العرب واجتماعهم يوقف تعديهم ويبث الرهبة في نفوسهم
أيها العرب:
إن الإنجليز هم أول الشر ووسطه وآخره، وإنهم كالشياطين، منهم يبتدئ الشر وإليهم ينتهي، وإنهم ليزيدون على الشيطان بأن همزاتهم صور مجسمة تؤلم وتؤذي وتقتل، وجنادل مسمومة تهشم وتحطم وتخرب، لا لمة تلم ثم تنجلي، وطائف يمس ثم يخنس، ووسوسة تلابس ثم تفارق، ويزيدون عليه بأنهم لا يطردون بالاستعاذة، وتذكر القلب، ويقظة الشواعر.
إنما يطردون بما يطرد به اللص الوقح من الصفع، والدفع، والأحجار، والمدر، ويدفعون بما يدفع به العدو الموائب، بالثبات المتين للصدمة، والعزم المصمم على القطيعة وبتر الحبال، والإرادة المصرة على المقاطعة في الأعمال، والإجماع المعقود على كلمة واحدة ككلمة الإيمان: «إن الإنجليز لكم عدو فاتخذوهم عدوًا»، يرددها كل عربي بلسانه، ويجعلها عقيدة جنانه ورابطة وجدانه، وخير ما يقدمه من قربانه.
وقد غركم أول الإنجليز فأعيذكم أن تعثروا بآخره بعد أن صرح شره، وافتضح سره، وانكشف لكم لينه، عن الأحساك والأشواك، وقد تمرس بكم فعرف الموالج والمخارج من نفوسكم، قبل أن يعرف أمثالها من بلادكم، وحلل معادن النفوس منكم قبل أن يحلل معادن الأرض من وطنكم، وعجم أمراءكم فوجد أكثرهم من ذلك الصنف الذي تلين أنابيبه للعاجم، وتدين عروبته للأعاجم!
قد علمتم أنه هو الذي وعد صهيون فقوى أمله، ولولا وعده لكانت الصهيونية اليوم - كما كانت بالأمس - حلمًا من الأحلام يستغله «الشطار» ويتعلل به الأغرار.
وعلمتم أنه انتدب نفسه على فلسطين فكان الخصم والحكم في قضيتها، وأنه ما انتدب إلا ليحقق وعده، وأن في ظل انتدابه، وبأسنة حرابة، حقق صهيون مبادئ حلمه، فانتزع الأرض منكم بقوة الإنجليز - وقوانين الإنجليز - وفتن ضعفاءكم بالخوف، وفقراءكم بالمال، حتى أخرجهم من ديارهم، واتخذ الصنائع والسماسرة منكم، وأقام المتاجر وبيوت الأموال لامتصاص دمائكم وابتزاز أرزاقكم.
وعلمتم أن الإنجليز هم الذين سنوا الهجرة بعد الفتح ليكاثروكم بالصهيونيين على هذه الرقعة من أرضكم، فلما انتبهتم للخطر غالطوكم بالمشروع منها وغير المشروع، ومتى كانت هجرة الوباء والطاعون مشروعة إلا في دين الإنجليز؟
وعلمتم أن بريطانيا هي التي جرت ضرتها البلهاء أمريكا إلى محادتكم وجرأتها على احتقاركم لتكيدها وتكيدكم، ولتحل بالسياسة ما عقده الاقتصاد بينكم وبين أمريكا من صلات، وأنها هي التي ألبت عليكم الأمم الصغيرة ودويلاتها، حتى إذا جالت الأزلام وأيقنت بالفوز أمسكت إمساك المتعفف، وتظاهرت بالروية والحكمة، وجبرت خواطركم بالحياد، وملأت الدنيا تنويهًا بهذا الحياد الفاضح، فكانت كالقاتل المعزي!
يا ضيعة الآداب الإسلامية بينكم، إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وقد لدغتم من الجحر الإنجليزي مرات فلم تحتاطوا ولم تعتبروا، وخدعتم من الجانب الإنجليزي كرات فلم تتعظوا ولم تتبصروا، خدع خلفكم كما خدع سلفكم، واستهوى أمراءكم وكبراءكم، ودعاكم إلى موائده القفار فلبيتم، وما رأى منكم في كل الحالات إلا المجاملة، واستمرار المعاملة، وما آنس منكم إلا التهافت على أعتابه، والتعلق بأسبابه.
فيا ويحكم.. أكل ذلك لأن الإنجليز أغنياء وأنتم فقراء؟ أو لأنهم أقوياء وأنتم ضعفاء؟
كلا.. إنهم الأغنياء بكم وبأمثالكم من الأمم المستخذية، وليسوا أغنياء عنكم، وإنهم لأقوياء بما يستمدونه من أرضكم وجيوبكم، فاقطعوا عنهم المددين يضووا ويهزلوا واخذلوهم في مواطن الرأي والبأس ينخذلوا، وعمروا جزيرتكم تخرب جزيرتهم، إن لبدة الأسد هي بعض أسبابه إلى زرع الهيبة في القلوب، ولكن لبدة الأسد البريطاني لبدة مستعارة، فلو أن كل أمة استرجعت شعراتها من تلك اللبدة التي تكمن وراءها الرهبة، لأمسى الأسد هرًا مجرود العنق، معروق الصدر، بادي الهزال والسلال.
إن الغنى عمل وتدبير: فلو علمتم لكنتم أغنياء، وإن بدء الغنى من غنى النفس بالتعفف عن الكماليات، وفطمها عن الشهوات، وإن القوة مشيئة لا جبر، فلو شئتم أن تكونوا أقوياء لكنتم، وإن بدء القوة من قوة الأخلاق، وقوة الاتحاد.
هذا أول الإنجليز عرفتموه، فهل عرفتم آخرهم؟ إنهم كانوا أداة تفريقكم في الماضي، وكانوا عونًا للزمان عليكم، فلما رأوا شملكم إلى اجتماع، وجامعتكم إلى تحقق جمعوا لكم كل ما عندهم من مكائد ومصائد.
إنهم ينطوون لكم على العظائم، وإن في جعبتهم ما في جعبة الحاوي من حيات، وإن في أيديهم عروق الجسم العربي يضغطون أين شاؤوا، ومتى شاؤوا، في أيديهم قضية مصر يساومون بها ويماكسون، وفي أيديهم قضية السودان يلوحون بها ويعاكسون، وفي أيديهم قضية ليبيا يشاغبون بها ويشاكسون، وفي قبضتهم شرق الأردن بما فيه، وما شرق الأردن إلا خيط الخنق، وشريق الشنق، فتله الإنجليز بأيديهم، وأمروا على الأيام فتله لأمر هم بلغوه، إن لم تهبوا وتذبوا، وفي أيديهم العراق ومنابعه، واليمن وتوابعه، ولهم على سوريا ولبنان يد ممنونة، في طيها مدية مسنونة، ومعهم مع ذلك من بينكم العيون الراصدة، والألسنة الحاصدة، وفيكم مع ذلك الآذان السامعة، والهمم الطامعة، وفي سجلاتهم ذممكم وهممكم وقيمتكم، قدروها تقديرًا، وأوسعوها تحليلًا وتدبيرًا.
إنهم ما حركوا مشروع سوريا الكبرى في ميقات معلوم إلا ليفتنوا بعضكم ببعض، ويغروا بيتًا ببيت، وقريشًا بتميم، فينخرق الإجماع، وتفترق الجامعة، وإن هذه النقطة أعلى ما يصل إليه الدهاء الإنجليزي، كما أنها أعسر امتحان للضمير العربي الذي يتمنى أن يتكتل العرب ولكن بدافع من أنفسهم لا على يد عدوهم، وإن الإنجليز القادرون على تحريك غيرها من الفتن المفرقة، وإنكم - أيها العرب - لا تردون کیدهم إلا بإجماعكم على تحديهم واجتماعكم على إيقاف تعديهم، وإقامة جامعتكم على اعتبار مصلحة العرب ووطن العرب، فوق الأغراض والأشخاص.
إنكم لا تزيدون كيدهم بقوة جامعة الدول العربية، حتى تسندها بجامعة الشعوب العربية، فحركوا في وجوههم تلك الكتلة متراصة يرهبوا ثم يذهبوا.
***
لمسنا في هذه الكلمة حقائق مريرة، وأومأنا إلى قضايا يسوؤنا أن نزيد حماتها مدًا، ولكن ما عُذرنا إذا أمسكنا عن الشرح، ولو كان فيه جرح؟ وقد تأدى إلينا من تراث أجدادنا العرب هذه الحكمة الغالية: «من كتم داءه قتله».
أما ما يجب علينا لفلسطين فموضعه مقال آخر.
[1] نشرت في العدد ٢٤ من جريدة «البصائر»، ٢٣ فبراير سنة ١٩٤٨