; الإنسان مشكلة الحضارة الكبرى | مجلة المجتمع

العنوان الإنسان مشكلة الحضارة الكبرى

الكاتب محمد علي ضناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أكتوبر-1984

مشاهدات 71

نشر في العدد 687

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-أكتوبر-1984

إن عناصر الحضارة كما يقول الأستاذ مالك بن نبي أو مشكلتها تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، فلكي تقوم حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات وإنما بأن تحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها.

ولا ريب أن الإنسان العنصر الأهم، إذ هو الذي يستطيع توجيه الوقت وتوجيه التراب أو هو الذي يملكالاستفادة من الكون في زمن محدود أو حد معلوم. فمشكلة الإنسان هي المشكلة الكبرى في الحضارة، فإذا أدركنا توجيهه نكون قد وجهنا كل شيء، وجهنا الوقت والتراب وبالتالي صنعنا الحضارة.

الإنسان- على مر الزمن- واحد لم يتغير فهو بحاجة إلى تصور ثابت

الإنسان منذ وجوده الأول وحتى نهايته واحد ذو خصائص واحدة ومقومات واحدة. فلا يختلف أي إنسان عن أي إنسان آخر في أي زمان ومكان.. الإنسان هو الإنسان، سواء كان أبيض أو أسود، وسواء كان هنا أو هناك وسواء كان في لحظة الوجود الأولى أو في القرن العشرين.. هو الإنسان بالحس والشعور، بالطبائع والروح، بالأشواق والضرورات، بالآمال والآلام، ولا عِبرة بعد ذلك ولا قيمة لشكل الثياب أو المسكن أو المركب فلو أن هذا الكائن سكن الخيمة أو القصر، البادية أو المدينة، البحر أو الجبل، أو لبس من ألوان الثياب ما لبس أو ركب- كدابة له- جملًا أو قطارًا أو طائرة أو أي شيء آخر فإنه سيبقى إنسانًا بخصائصه وأعماقه. فقيمة الإنسان في جوهره لا في مظهره، ومهما كان للمظهر من أشكال الحياة من أثر فإنها لا تتجاوز دائرة ضيقة تبقى بعدها الخصائص الإنسانية ثابتة لا تتغير.

وإذا استقرأنا التاريخ ودرسنا الإنسان في كل عصر من العصور لوجدناه كما ذكرنا ثابتًا في الخصائص والمقومات.

إن هذا الثبات في الكينونة البشرية للإنسان بحاجة إلى ثبات في المنهج أو إلى حضارة تضرب بجذورها إلى معطيات ثابتة، إلى تصور ثابت لا يعرف الجمود أو كما قيل «تصور له حركة ضمن إطار ومحور ثابت».

إن الإسلام وحده من بين جميع الأفكار القديمة والحديثة يملك معينات البناء الحضاري في هذا الوجود. فهو قد منح المؤمنين به فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة متسقة دون تصادم، عميقة دون تعقد، واضحة دون أي لبس أو غشاوة. وهكذا غدت معالم الحياة- الذات الإنسانية والكون العجيب- مكشوفة جلية.

ولم يكتفِ الإسلام بهذا الوضوح الأيدلوجي.. فأمدَّ إنسان هذه الحياة بأنظمة تكفلت بثبات تصوره من جهة وتجسيد فكره العالي بواقع حياتي سليم، ومن أجل ذلك كانت الأنظمة الإسلامية في كل ما دق من الحياة وما عظم.

أنظمة الإسلام صدرت عن معرفة أصيلة بالإنسان فهي ثابتة متطورة

إن أنظمة الإسلام الحياتية شاملة لكافة نشاطات الإنسان.. فيكاد لا يوجد- أو الأصح لا يوجد- مرفق من المرافق الحياتية إلا وللإسلام فيه رأي وتوجيه أو ضبط وتنظيم، فمن الغرائز الإنسانية إلى الأسرة إلى المجتمع إلى الدولة إلى الحكم، والاقتصاد والقضاء، إلى الحرب والسلم، إلى كل شيء ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9). 

وهذه الأنظمة وضعت بناء لمعرفة أصيلة بحاجات الإنسان وإمكانية تطور هذه الحاجات عبر الزمن. فهي لم تهمل عنصر المرونة في خصائصها ومقوماتها بل جعلتها قاعدة انطلقت منها فوافقت بذلك «حاجة التكيف» وفق مقتضيات الزمن. 

إلا أن هذا لا يعني أن أنظمة الإسلام متطورة فتتكيف مع الواقع أيًّا كان دونما اعتبار لأصل ثابت فيها. إذ أن هذا يعني أن الواقع يفرض ذاته على الإسلام فيطوره، وهذا ما لا يقبله الإسلام، بل نرى الإسلام يعمل بكل ما فيه من تصور ونظام لتطوير الواقع حسب منهجه وأبعاده.

إن الإنسان كما ذكرنا ثابت من حيث الجوهر ثابت في الكينونة، في الخصائص والمقومات. فالذي يتطور فيه وفي حياته الأشكال، الصور، المظهر، أي جزئيات في التركيب العام، ومن هنا فهو بحاجة- كما أسلفنا- إلى منهج ثابت في الخصائص والمقومات لكنه مرن، يتطور مع الشكل ويتحرك في الصورة، أما المضمون، أما الجوهر فهو ثابت راسخ أي جامد.

إن الأنظمة الإسلامية- بوجه عام- جامدة، تضمن الأسس التي لا حيدة عنها ولا خروج ولا تعديل ولا تبديل، إلا أنها أيضًا مرنة فيما تبقى في القضايا القابلة للتطور والتغيير في الأشكال المفروض فيها أن تتكيف في واقع أو ظرف معين.

وبهذا تكون الأنظمة الإسلامية- وحدها خلافًا لسائر أنظمة الأرض- قد جمعت الثبات في الأسس والمرونة في التكيف، أي أنها جاءت منسجمة مع التركيب الإنساني، ثبات في الجوهر وتغير سلبي في المظهر؛ وبذلك غدت- بلا ريب- أقدر النظم على حمل أعباء الحياة الإنسانية.

إن الإنسان- في أي زمان ومكان- يستطيع بسهولة الاعتماد على الأنظمة الإسلامية الحياتية، أو بعبارة أصح أن يسلم لها فتمده هذه وبصورة دائمة بأسباب النجاة وبمعطيات الاطمئنان.

والأنظمة الإسلامية موحدة للتوجيه والتشريع

وليس من قبيل الصدفة- وقد ربط الإسلام أنظمته بفكرته الشاملة عن الكون والحياة والإنسان و بوظيفة هذا الإنسان في الوجود- أن يأتي القرآن بقواعد التشريع و بمبادئ أنظمة الحكم والاقتصاد والاجتماع في طيات آيات التوجيه وكأن ذلك إشارة ربانية خالدة إلى ضرورة إحكام الصلة بين التوجيه والتشريع. ولعل آية الشورى خير مثل في هذا الصدد، فالآية تقول: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾ (الشورى: 37-38) فقاعدة الحكم الأساسية، نظام الشورى كله، قد جاء بوضوح تام، مرتبطًا بالتوجيه، أو أن التوجيه قد جاء متلاحمًا مع التشريع الشوري. 

إن هذا المعنى الدقيق ليؤكد حقيقة طالما غفل عنها الناس وهي الوحدة العميقة بين التوجيه والتشريع وعدم الفصام بينهما، ومما لا شك فيه أن الفصام النكد الذي جرى بين هذين المعلمين الكبيرين في دنيا الناس كان نتيجة لظروف سيئة مرت بها الإنسانية المعذبة ولا تزال.

إن تلاحم الأنظمة بالفكرة المطلقة عن الكون والإنسان والحياة يوجد الانسجام المطلق بين الإنسان والحياة ويدفع هذا الإنسان، بقوة وعمق وبصيرة، للقيام بدوره الخلاق المبدع في خلافة الله. عند ذلك يكون التفجير الحضاري تعبيرًا عن عمق الارتباط بين الإنسان والحياة. ويتعاظم هذا الارتباط ويشتد كلما أدرك الإنسان مبتغاه حيث السعادة والاطمئنان.

الرابط المختصر :