; الإنسان والحرية! | مجلة المجتمع

العنوان الإنسان والحرية!

الكاتب الأستاذ يوسف العظم

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988

مشاهدات 67

نشر في العدد 858

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 15-مارس-1988

ألوان من الحرية التي يدّعون:

قلت في تجمع شبابي مسلم يضم الآلاف من الرجال والنساء في الولايات المتحدة بعد جولة قمت بها في عدد من بلدان العالم الثالث وعالمنا العربي شريحة منه كبيرة: "أنا قادم من البلاد التي يقتل فيها الإنسان الحرية إلى البلاد التي تقتل فيها الحرية الإنسان".

وكنت أعني كل كلمة قلتها فيما أشرت إليه، حيث أرى الحرية المكبلة في زنازين العالم الثالث المجلودة بسياط الهوان، في حين أرى الناس في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية يتاح لهم قدر من الحرية يخرج عن نطاق المعقول، بحيث تتحول الحرية فيها إلى حبل يمتد ويطول حتى يطوق أعناق الناس ويلتف حولها ليقوم بخنقهم وكتم أنفاسهم وهم يشعرون أو لا يشعرون!

لقد روى لي صديق قادم من الاتحاد السوفيتي نكتة سياسية يتناقلها الناس هناك في همس وتوجس، والنكتة تقول: إن بائع بطيخ يعرض على قارعة الطريق بطيخة واحدة للبيع ويدعو الناس للإقبال عليه واختيار ما يروق لهم من البطيخ. فمر به زبون وسأله: أين البطيخ الذي تدعو الناس لشرائه؟

قال البائع: ألا ترى ما لدي من بطيخ؟ اختر ما تشاء منه. قال الزبون: ولكني لا أرى إلا بطيخة واحدة؟ قال البائع: أعلم ذلك ولك أن تختار كما تشاء تمامًا! قال الزبون: أي اختيار هذا إذا كان المعروض من لديك بطيخة واحدة؟ قال البائع: أراك تعارض سياسة ترشيح الحزب لرفيق واحد نختاره رئيسًا لنا؟

وقبل أن يجيب الزبون أمسك البائع بتلابيبه، فما كان من الزبون إلا أن أمسك هو الآخر بتلابيب البائع وهو يقول: إنك بعملك هذا تعرِّض بسياسة الحزب الواحد والمرشح الواحد.

واندفع الرجلان نحو مركز أمني قريب ليكتشف كل منهما أن صاحبه عضو في المخابرات السوفيتية!

وحدثني من أثق بحديثه أنه كان يتلقى العلم في إحدى الجامعات الأمريكية المعروفة، وقد فكر مع بعض أصدقائه في إصدار مجلة تعبر عن رأي فريق من الطلاب العرب في تلك الجامعة، فقابل عميد شؤون الطلبة يسأله عن الجهة التي تخولهم حق إصدار تلك المجلة، فأبدى العميد استهجانه لمثل هذا السؤال وقال يعاتب الطالب: "إن مجرد سؤالك هذا يعتبر إساءة لمفهوم الحرية في الولايات المتحدة الأمريكية التي يتيح دستورها وأنظمتها لكل من يعيش على أرضها أن يصدر المطبوعة التي تمثل فكره وتعبر عن رأيه دون أن يحصل من أية جهة على حق إصدار مثل تلك الصحيفة؛ لأن حرية التعبير لا حدود لها ولا قيود عليها!"

وسواء كان النقل للنكتة والحادثة دقيقًا أم لحق به بعض التحريف كما تجري العادة فيما يتناقله الناس على تعدد الأماكن واختلاف الزمان، إلا أن للأمر دلالته التي تؤكد التزام بلد بإطار ضيق من الحرية التي تمارس في نطاق سياسة الحزب الواحد دون أن يسمح بمخالفتها أو الاعتراض عليها بحال، والتزام بلد آخر بالحرية الإباحية إلى الحد الذي تشكل فيه الساقطات والمنحرفون جنسيًا نقابات تطالب بحقوقهم وتحافظ على مصالحهم فيما يمارسون، وتدير فيه عصابات المافيا كثيرًا من وسائل الإعلام وبيوتات المال.

وواضح أن كلا الأمرين قبيح مستهجن لا يصون كرامة الإنسان ولا يرعى المفهوم السوي المعافى من مفاهيم الحرية.

وفي ظل هذين المعنيين المستوردين من معاني الحرية يمارس العالم الثالث حريته ظلًا لسياسة الحزب الواحد والديكتاتورية المرعبة، أو خيالًا لسياسة الإباحية وإفساح المجال للعابثين بأمن البلد وكرامة الإنسان وقيم الأمة أن يكون لهم حضور كبير ونفوذ متسلط في عالم المال والتربية والإعلام، وغير ذلك من مجالات التأثير والفعالية في ديار الإسلام.

ومن العجيب أن يجمع كثير من أنظمة العالم الثالث - وعالمنا العربي جزء منه - بين سيئات النظامين الاشتراكي والرأسمالي على حد سواء، فهو يقيم إلى جانب زنزانة القهر ووسائل التعذيب وأساليب الاضطهاد مؤسسة الربا وخمارة العبث، وعري الشارع، وإلحاد الفكر والإعلام، ومرقص الإباحية مما يؤدي إلى قيام مجتمع كريه خليط لا لون له ولا هوية ولا منهاج.

على أن من الإنصاف أن نشير إلى أنظمة لم تغرق بعد في كل سلبية من هذه السلبيات حتى الأذنين، إذ ما زالت تطل برأسها لتستنشق الهواء النقي أحيانًا؛ لأنها تقف على بعض القواعد المبنية على عقيدتنا المستمدة من تراثنا مما أسهم في قيام مظلة من الحرية النسبية التي تتسع حينًا ليستظل بها خلق كثير، وتنحسر وتضيق حينًا آخر حتى يحس الكثيرون من أبناء الأمة أنهم محرومون من الاستمتاع بنسمات الحرية.

وأمام هذين النمطين من أشكال الحرية يقف الإسلام نمطًا فريدًا شامخًا يدعو لحرية مسؤولة تتيح للإنسان قول الحق وإبداء الرأي وصون الكرامة وتوفير الحياة العزيزة والعيش الكريم.

معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي:

ما زال سوط عمر الذي دفع به لشاب نصراني من القبط ليضرب شابًا من قريش يتولى أبوه مسؤولية الحكم في مصر بعد أن فتحها، لأن ابن عمرو بن العاص ضرب القبطي بسوط دون وجه حق في الرواية التي نعرفها جميعًا: "أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟!"

ما زال ذلك السوط يقف شامخًا يفضح الممارسات العنصرية والطائفية وصلات القرابة المنحازة وعلاقات الحزبية البغيضة في عالمنا اليوم على امتداد ساحة الكون وآفاق المعمورة.

رحم الله أبا حفص ورضي عنه، كم أقام العدل صروحًا وأنار له من أحكام الإسلام منارات. وما زال درع علي الذي رهنه لدى اليهودي فأنكره فحكم قاضي أمير المؤمنين بالدرع لليهودي لأن عليًا لم يقدم بينة، يقف معلمًا من معالم العدالة والحرية يلطم كل أدعياء العدل الذين يتبجحون بالحرية وهم يجلدونها صباح مساء على مذابح الأهواء والنزوات.

رحم الله أبا الحسن ورضي عنه، كم كان فوق مستوى الذات وكم أوقد من أقباس الهدى والزهد والتجرد، وما كان جديرًا به وله أهلًا!

إننا لا نسوق مثل هاتين الحادثتين للاستمتاع بقدر ما نسوقهما للاقتداء والتأسي والرد على الذين يثرثرون به دومًا بسؤال مكرر وهم يزعمون أنهم غيارى على غير المسلمين إذا ما حَكَم الإسلام مجتمع المسلمين!

أي عدالة ورعاية ورفق يلاقيها قوم في مجتمع إنساني آخر وهم يختلفون معهم عقيدة وانتماء أعظم من هذا الذي دعا له الإسلام ومارسه المسلمون ابتغاء مرضاة الله.

إن الإسلام الذي يترك لغير المسلم في مجتمعه حرية التعبد والزواج والطعام والشراب والتعليم في جميع الحقول والعمل في كل المجالات تجارية أو صناعية أو زراعية، لا يمكن أن يوصم باضطهاد الآخرين وقهر حرياتهم. ولكنه حريص على أن يثير في الناس فطرتهم السوية ويحرك في الرجال مروءاتهم حتى لا تنتشر معصية ولا يعم فحش ولا يحيق بالأمة فساد، وهو أمر يلتقي عليه المسلمون وغير المسلمين حين يحتكمون لأصول الدين كما نزل على الأنبياء المطهرين من قبل!

أما أن يستورد الناس - مسلمين وغير مسلمين - من عدونا ما يدمر مجتمعنا ويمزق كيان أمتنا ويمرغ كرامة الإنسان في وحل الإباحية وحمأة الخنا مما يورثنا غضب الله ومعه الضعف والذل والهوان والأوبئة التي لا علاج لها ولا دواء، فهو الأمر الذي يأباه الإسلام ولا يرضاه باسم التحرر والحرية.

علاقات تعاون وتفاهم مع كل أمم الأرض:

إن من أولى واجبات الحركة الإسلامية المعاصرة والقائمين على أمر دعوة الله أن يوجهوا عنايتهم للشعوب التي لا تدين بالإسلام، وأن يقيموا معها علاقات من التفاهم وحسن التعامل، وأن يبينوا لها أحكام شرع الله في معاملة غير المسلمين سواء كانوا يعيشون مع المسلمين في وطن واحد مشترك أو كانوا يعيشون في ديار أخرى غير ديار المسلمين.

ولقد أثبت التاريخ وواقع الفتوحات الإسلامية أن جيوش الفتح ما كانت لتمتشق الحسام في وجه أحد لولا مؤامرة الطغاة والمستكبرين من حكام الأمم المجاورة الذين أخفوا حقيقة الدين وأهداف المصلحين الفاتحين، وحرضوا العامة دون وعي منهم ضد حملة مشاعل النور وهداة الشعوب، وجهزوا من جماهير المستضعفين الغافلين جيوشًا راحت من غير قناعة ولا وعي تقاوم الخير الذي أقبل عليها، وتحارب النور الذي أضاء جنبات الكون وأرجاء المعمورة.

لقد أثبت التاريخ أن من أسباب انتصار المسلمين في القادسية وفتح العراق وبلاد الفرس بالإضافة إلى روح الجهاد القوية والرغبة في طلب الشهادة أن قادة الفرس كانوا يشدون مقاتليهم إلى أثقال ويوثقونهم بالسلاسل حتى لا يفروا، في حين كان المجاهدون يواثبون من ظهر جواد إلى آخر كلما قُتل تحت المجاهد جواد أو كُسر في يده سيف ليستأنف القتال ويُقاتل حرًا طليقًا في ساحة المعركة بدافع من قناعته وحبه لدينه وإيمانه برسالته التي يرى نفسه أهلًا لحملها.

واليوم يتبدل الظروف والأحوال واختلاف الأساليب في نشر الدعوة مرحليًا، نحن مدعوون أن نبين للناس كافة حقيقة هذا الدين بما يحمل من أحكام وتعاليم لنشر الخير والمحبة والبر والمرحمة والعلم والمعرفة والعدل والحرية، الأمر الذي يخفف من حدة الصراع وروح العداء بين أمتنا بوجهها الحضاري المتميز وبين غيرها من الأمم التي ما زالت تعيش في أوهام القرون الماضية وعداوات زرعتها في نفوس أبنائها أحقاد طائفية لا يبددها إلا نور العلم وتبادل اللقاءات ونشر الحقائق بمختلف لغات العالم.

ولقد بات مثل هذا التوجه ضرورة ميسرة للعاملين في الحقل الإسلامي؛ لأن ذلك جزء من واجباتهم في حمل رسالة الإسلام لمختلف شعوب الأرض، ولأن أبناء الإسلام المنتشرين في شتى بقاع المعمورة باتوا يتقنون من اللغات الأجنبية كمًا وكيفًا ما يخولهم أن يكونوا ذوي قدرة واختصاص في هذا المجال.

إن الحركة الإسلامية الواعية تسعى لأن تقوم بين المسلمين وبين شعوب الأمم الأخرى علاقات من حسن التعامل والتعاون والتفاهم والتعايش والسلام ما لم تكن تلك الشعوب معتدية على أرض أو منتهكة لحرمات أو منتقصة لكرامة.

غير أن للمسلمين وهذا حق لهم أن يعتبوا على بعض تلك الشعوب التي تسمح لحكوماتها أن تعادي أمتنا وتنصر عدونا وتساعده على أن يسلب حقنا في وضح النهار مما يحول العتاب مع الزمن إلى ألم فقطيعة فخصومة فعداء!

 

الرابط المختصر :