; الإيجابية في صنع الأمة: نقوش على جدار الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان الإيجابية في صنع الأمة: نقوش على جدار الدعوة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997

مشاهدات 78

نشر في العدد 1246

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 15-أبريل-1997

الجهود الفردية للإصلاح هي لبنات تحدث أثرها إن تآلفت وتجمعت، وكتب الله لها الذيوع والقبول بين أكثرية الأمة، بحيث تأخذ أنفسها باتباع معالم الإصلاح، وهجر بؤر الفساد والإثم والعدوان، وتظل هذه الجهود علامات مضيئة على طريق الخير إن لم تتألف وتتوحد، ولو لم تعتنقها الأكثرية، ما دامت الأقلية مستمسكة بها، حريصة على عدم التفريط فيها.

لا تضيع تلك الجهود سدى، لكنها قد تثمر قريبًا أو بعيدًا بحسب همة أصحابها وقوة يقينهم، ودأبهم في نشر مبادئهم بالفعل والقول على السواء، وتسابقهم في خدمة المجتمع، وسد أي فراغ ينشأ عن خلل في البناء المؤسسي للمجتمع. 

والمجتمع المسلم اليوم فيه الخير وفيه الشر، وفيه الضلال والرشاد، وفيه الحق والباطل، فيه نقص في الحريات العامة، وفيه ضعف في التربية والتوجيه، وفيه هجوم إعلامي وفكري غير مناصر لثقافتنا الإسلامية وقيمنا الروحية، وفضائلنا الأخلاقية، بل قد يكون مضادًا لها، معيقًا لنشرها في بلاد المسلمين، وفيه معاملات تخالف روح الإسلام وهديه، وفيه استلاب فكري، وخمول سلوكي، وكسل علمي، وتغلبت فيه النظرة المادية للأشياء، وتواكل الناس، وتركوا كل أمر صغير أو كبير في حياتهم للسلطة العامة، وهي بدورها تحكمها علاقات دولية، وتتصل بمؤسسات عالمية تؤثر فيها وتتأثر بها، وتوازن - ما استطاعت - بين ما تريد إقامته في مجتمعها وبين ما يجب عليها نحو غيرها، وقد يختل في يدها الميزان لمصلحة اقتصادية، أو ضغوط خارجية، أو مشكلات أمنية، أو مناوشات حدودية، أو تكالب على السلطة الشرعية، أو غير ذلك مما لا يقف أثره عند الأفراد وحدهم، بل يتعداهم إلى المجتمعات كذلك. 

ونحن لا نغفل الجوانب الإيجابية في المجتمع، فهي ظاهرة يراها المنصفون، الذين لا ينظرون بعين واحدة لجميع الأشياء، وإنما هم يرون الخير خيرًا، والشر شرًّا دون تداخل بينهما؛ رعاية لمصالح طائفية أو حزبية أو مذهبية أو فئوية أو غير ذلك من المصالح الكثيرة، التي تتحكم في أفعال بعض الناس وأقوالهم وكتاباتهم، فلا يرون إلا الخير المطلق فيما اختاروه وإن كان بعيدًا عن هدي الإسلام، وإلا الشر المطلق فيما اختاره غيرهم وإن كان قريبًا من الإسلام.

وحتى لا يختلف كل فريق عن الآخر، ويظن أنه وحده على الحق، وأن غيره على الباطل لا بد من الاحتكام إلى شيء محدد، وإلى ميزان لا يحابي ولا يجامل ولا يتعصب، وذلك شرع الله وهديه الذي بعث به نبيه محمدًا – صلى الله عليه وسلم -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 45- 46)، وحين ظهر هذا الشرع أقر عند الناس ما كان من خير تمثل في المروءة والنجدة والشهامة والكرم ونصرة المغلوبين، ورعاية الأقربين، وحب الأدنين من الناس، وغيّر منكرات كانت شائعة كالربا والزنى والخمر والميسر، والعصبية بكل أنواعها، والجاهلية بكل مظالمها وجورها، وبيّن أن على الناس أن ينظروا أين هم من الحق الذي جاءهم من عند الله، فإن كانوا مستمسكين به فهم من الفائزين، وإن كانوا بعيدين عنه غيّروا ما بأنفسهم وغيّروا من حركتهم في الحياة؛ ليغير الله ما بهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11).

ونحن -المسلمين- مطالبون اليوم في كل موقع وفي كل عمل نعمله أن نسأل أنفسنا: أين نحن من الحق الذي شرعه الله؟، فإن كنا عليه فبها ونعمت، وإن لم نكن عليه سارعنا بأنفسنا فغيّرنا ما في نفوسن؛ا بحيث تشعر بالخشية والوجل لذكر الله، وبالخضوع لتعاليمه، ويتقبل أحكامه، وغيرنا كذلك حركتنا في الحياة بحيث تتواءم وتتوافق مع ما نؤمن به ونعتقده مما جاء من عند الله. 

ومبادرة الأفراد إلى هذا التوجه أمر لا مفر منه؛ لأنهم مسؤولون عن ذلك أمام الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (سورة المدثر: 38)، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، إن هذا التحول في الأفراد والمجتمعات لا بد منه، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أولها باتباع كتاب الله وسنة رسوله، والعيش في ظلالهما والعمل بمقتضاهما، وعدم الرضا بما يخالفهما، وإن كان من ورائه المال أو المنصب أو الجاه.

وهذا هو ما تصلح به الأمة الآن، غير غافلة عن طبيعة العصر وما فيه من علم وتقنية، وغير رافضة لمبدأ من مبادئ الشرع.

ولن يتم هذا التغيير بين عشية وضحاها، ولن يعم بين الناس جميعًا في وقت واحد، وإنما يكفي أن تتمسك به وتعلنه وتعمل به طائفة من الناس، تتوافر لديها تخصصات كثيرة؛ بحيث تكون عمدًا يستند إليها المجتمع في حركة التغيير والتحول، وتكون جهودها وتضحياتها قنطرة العبور نحو الانعتاق من التخلف والجمود والقهر، وبهذه الطليعة من أبناء الأمة تتحقق الآمال، إن علم الله منهم الصدق والصبر والعزم على تخليص مجتمع المسلمين، مما يعوق نهضته ويوقف قوته، ويقوض بنيانه .

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل