العنوان الإيجابية وصاحب الرسالة
الكاتب جمعة امين عبدالعزيز
تاريخ النشر السبت 29-يناير-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1937
نشر في الصفحة 52
السبت 29-يناير-2011
إن إيجابية المسلم تتحقق على أرض الواقع بوعيه حقيقة الآخرة، وإدراكه قيمة الدنيا، ومعرفته حقيقة وجوده، وطبيعة رسالته، فينطلق لينادي الناس بالرسالة حتى وان خذله الناس، وإن تكاتفت ضده قوى البغي، وتحالف عليه الأعداء وتكالب عليه الخصوم، وتحزب عليه الجميع، وإن وجد نفسه وحيدًا فريدًا ضعيفا في الميدان، ليس بذي سطوة في قومه، وليس له نفوذ بين أفراد مجتمعه، فهو يسعى سعي الرجل الذي ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْضا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ (يس:۲۰)، ينادي قومه: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبَعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس) مضحيًا من أجل رسالته.
إن إيمان المسلم يأبى عليه السكوت وعدم التحرك وإن عقيدته تأبى عليه الخضوع والاستكانة حتى ولو تلا قرآنه، وأدى صلواته وأقام شعائر الله في خاصة نفسه فلا يعتقد أنه قد أدى ما عليه من واجبات فأي خسارة سيخسرها في ذاته، حين يرى نفسه قد ضعفت وجبنت ولم ينطق بكلمة الحق ولم يتحرك لينصر دعوة الله في الأرض، وينصر الله ورسوله كما أمر الله سبحانه في كتابه: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدَقٌ لَمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَ به ولتنصُرْنَهُ قَالَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخذتم على ذلكم إصْري قالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعَكُم مَنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران)، إنه الإيمان الذي لابد له من النصرة حتى يتحقق الفلاح، ﴿فالذين آمنوا به وعزرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف). إننا مطالبون مع الإيمان بهذا الدين أن نكون أنصار الله ﴿كُونُوا أَنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصار الله﴾ (الصف: ١٤).
فالدعوة في حاجة إلى من يقول: نحن أنصار الله، لينال عز الدنيا، وسعادة الآخرة، وعز الدنيا ينال بصدق الإيمان ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران) والتمكين في الأرض يتحقق بتسخير كل الطاقات أخذا بالأسباب.
أولى مراحل النصر
إن المسلم أول ما ينتصر إنما ينتصر على نفسه التي بين جنبيه، فإن انتصر عليها فهو على غيرها أقدر، وإن عجز عن ذلك فهو عما سواها أعجز، فالانتصار على النفس يدفع إلى البذل والتضحية والحركة والمشاركة الفعالة ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مَنْ أَقْضا المدينة يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلا يَأْتَرُونَ بكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخرج إني لك من الناصحين﴾ (القصص) فهو رجل مؤمن يحمل في قلبه معالم الحق والرجولة والمروءة، علم بالمؤامرة التي تحاك وتدبر لقتل موسى عليه السلام، فجاء من أقصى المدينة ساعيا ولم يأت متمهلا لينصر حقا وليذود عن مظلوم ليرد عنه مؤامرة توشك أن تفتك به؛ لأن الحق إذا نما وترعرع في قلب الإنسان، فإنه يقوده إلى الله عز وجل لا يرشده إليه أحد، وإنما تمليه عليه فطرته السليمة لذا يعمد الظالمون إلى تخريب فطر الشعوب، وإلى إرهاق تلك الروح الطيبة في نفوسهم فيعمدون إلى روح الكرامة والمروءة في نفوس الناس فيقتلوها ويزهقوها ويقيمون الحواجز والعوائق دون ذلك، ويشغلونهم بلقمة العيش، فلا يلتفت كل منهم إلا إلى خاصة نفسه وبيته، ويترك الحياة تمر أحداثها ومشاغلها، ولكن هذا المنطق لا يعرفه أصحاب الحق، فما أن ينبلج النور في قلوبهم ويؤمنوا بدعوة الإسلام إلا وتحركوا كل بقدر ما يحمل من علم ويطيق من تكليف وما يتحمل من جهد بلغوا عني ولو آية.
إنهم لا يرضون بالقهر بحال من الأحوال، ولنا في أبي ذر الغفاري الأسوة هذا الرجل المؤمن الذي توجه بقلبه وفطرته إلى الله قبل أن يؤمن بدعوة الإسلام وأرسل أخاه إلى مكة ليستعلم له عن شأن نبي الإسلام، وحين لم يأت بما يشفي غليله إذا به يرحل بنفسه ويذهب إلى مكة يتلمس الخبر حتى ساقه قدره إلى النبي، فشهد شهادة الحق، وما أن نطقت شفتاه بتلك الكلمات النيرات، إلا قال: يا رسول الله، والذي بعثك عما بالحق، لأصرخن بها بين ظهرانيهم...
إنه رجل أتى من غفار وليست مكة موطنه، ولا عشيرة له فيها، يقول: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم، لا يحملها فحسب، وإنما يصرخ بها، إنه يريد أن يدعو إلى الله بكل قواه، وهو الغريب النائي عن الديار البعيد عن الأهل، ولكنه لا يضع كل ذلك في تصوره فهو يرى استضعاف المؤمنين ونبيهم ا معهم، ويرى ما يحمل عليهم من عذاب، ويحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يثنيه هو مقدم عليه رحمة به وشفقة ولكنه يأبى ويخرج حيث يجلس الناس حول الكعبة وينادي فيهم بشهادة الحق، فإذا بالجالسين يستنكرون فعل هذا الغريب الذي جاء ليعلن تلك الدعوة التي يريدون خنق أصحابها. فيأتيهم هذا الغريب معلنا الدعوة التي لا يريدونها بينهم فيجتمعون عليه ضربا ولا يبعدهم عنه إلا العباس رضي الله عنهما بعد أن استحال إلى نصب أحمر بسبب ما سال من دمه، ويأتي في اليوم التالي ويفعل مثل ما فعل في اليوم الأول، ولا يخلصه من أيديهم إلا العباس قائلا لهم: يا قوم أتدرون من أين الرجل؟ إنه من قبيلة غفار التي تمر عليها قوافلكم، وهم قطاع طريق، فحينئذ كفوا أيديهم عنه، فحمل أبو ذر كلمة الحق وصرخ بها بين الناس، وما بين إسلامه وبين تلك الكلمات إلا دقائق معدودات لم يمكث سنوات في رحاب المسجد ليتعلم وجوب الدعوة إلى الله وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ليتلقى في ذلك الدروس والمحاضرات والخطب، وإنما حين شرح الله صدره الرسالة الإسلام وعلم أن عليه البلاغ أبي على نفسه أن يكون من الساكتين.
وكما فعل الطفيل بن عمرو الدوسي شاعر العرب اللبيب حين جاء الرجل إلى مكة و خافت قريش من إسلام هذا الرجل، فما أن شرح الله صدره للإسلام واستمع إلى القرآن ونطق بشهادة الحق إلا أن قال: يا رسول الله إني راجع وإني داع قومي إلى الإسلام، وما أن رجع إلى قومه فاستقبله أبوه بعد طول شوق فقال: يا أبي إليك عني فلست مني، ولست منك، قال: لم يا بني؟ قال: يا أبت إني آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: ديني هو دينك فدخل أبوه في الإسلام، وجاءت زوجه فقال: إليك عني فرق بيني وبينك الإسلام، قالت…
الجهادة إنه قطع رقبة، أو فقدان حياة بين الناس، إنه يتكل أمه ويرمل زوجه وييتم ولده، وهو يسرع الخطى إلى الله... ﴿وعَجَلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لتَرْضَى﴾ (طه)، ومع ذلك كان الرجل يبكي لأنه حيل بينه وبين الجهاد في سبيل الله: ﴿ ولا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوك لتحملهم قلت لا أَجِدُ مَا أَحْملَكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفقون﴾ (التوبة)، بل كان أحدهم الشدة فقره يذهب ويتحرك فيعمل في بساتين المدينة ليأخذ أجره آخر النهار ليساهم به في تجهيز جيش العسرة حتى أن المرأة المسلمة نراها أقامت خيمتها في المسجد (رفيدة) رضوان الله عليها لتمرض جرحى المسلمين وتضع كل طاقاتها في هذا المجال وفي هذا العمل دونما توجيه أو تكليف من نبيهم، ويستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه يوما فيجد أبا أيوب الأنصاري واقفًا على الباب ومعه سلاحه، فيقول: «ما نابك؟». فيقول: يا رسول الله قد سمعت صوتا فخفت عليك.. يتحرك بمجرد سماع الصوت الذي ينذر بخطر.
فالمسلم ولو كان بمفرده مطالب بأن يذود عن عقيدته ومبادئه وقيمه وثوابته يقول ابن مسعود: الجماعة أن تكون على الحق ولو كنت وحدك، وإن خذلك الناس، وإن تخلى عنك الناس فأنت الجماعة، أنت – إذا – مطالب - بأداء دورك، مطالب بالجهاد حين الهيعة دون تباطؤ ولا تتراجع.
ورضوان الله على الإمام البنا القائل مبينا أن الأمة تحتاج إلى نهضة رجل فيقول: إن رجلا باستطاعته أن يبني أمة لو صحت رجولته، وإن كل الدعوات الإصلاحية والتجديدية إنما قام بها أناس، وقام بها أفراد في لحظة غفا فيها المسلمون، فوقف هذا الرجل الذي أراد الله أن يجدد على يديه الدين فاستنهض عزائم الناس واستحث هممهم ورفع للخير راية فتجمع المسلمون من حوله فكانت نهضة بعد غفلة، وكانت صحوة بعد منام. إنه العمل الدؤوب الذي لا يعرف الكلل ولا الملل ﴿ أَوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وهُمْ لَها سابقون﴾ (المؤمنون)، ولا تتحقق الخيرات على الأرض إلا بتضحيات الرجال أصحاب الهمم العالية.
الرابط المختصر :