العنوان الإيمان ... ذلك المعامل الحضاري
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1673
نشر في الصفحة 66
السبت 15-أكتوبر-2005
هنالك بداهة من أشد بداهات الإيمان أهمية تلك هي أن الله سبحانه ما دام قد (عبر) عن إبداعه وقدرته الكلية على مستوى الروح والمادة، الإنسان والطبيعة، فليس ثمة معنى أبدًا لأي موقف بشري من المادة أو الطبيعة يتميز بالهروب أو الاحتقار أو السلبية أو الاستعلاء.. إن هذا الموقف مهما كانت درجته، غير مبرر في بداهات الإيمان، ولا في مقتضيات استخلاف الإنسان في الأرض، ليس هذا فحسب، بل إنه يقف نقيضًا لهذه البداهات والمقتضيات، ومن ثم فهو مرفوض في القرآن ابتداء.
إن القرآن يوجه أنظارنا في آياته البينات إلى أشد الأمور مادية وثقلًا: الطعام، النطفة الأولى، الأرض، والسماء، والجبال، وإلى دنيا النبات والحيوان.. ويدعونا لأن نسير بحثًا عن سنن هذه العوالم، وإدراكًا لأبعاد خلقها، المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة كلية نافذة لا يعجزها شيء.. إن القرآن يدعو إلى (حضارة) تنمو على كل المستويات الروحية والأخلاقية والطبيعية.. وهو يخصص المقاطع والآيات الطوال للمسألة الحضارية في مستواها الطبيعي، المادي، ولكن شرط أن تضبطها القيم والمقاييس الدينية الآتية من عند الله..
إن كل آية تتناول مسألة طبيعية أو حيوية أو مادية تنتهي بأفعال التقوى والإيمان وبالدعوة إلى ربط أية فاعلية بالله.. وهذا التأكيد المتكرر له مغزاه الواضح.. إنه منطق التوازن الحركي، الذي يرفض الانحراف أو السكون، وهو القاعدة التي تتلمسها في القرآن الكريم بوضوح من خلال عدد كبير من آياته، والتي تكفل نموًّا سليمًا لأية حضارة تستطيع أن تحافظ على نقطة التوازن بين تجربتي الروح والمادة ولا تنحرف باتجاه إحداهما، مهملة الأخرى أو ضاغطة عليها، مستخدمة إزاءها أساليب القمع والكبت والتحديد.. التوازن الذي يمكن الحضارة من الحركة الدائمة، لأن الأهداف التي يضعها أمامها تأخذ مستويات صاعدة لا يحدها أفق ولا يقف في طريقها تحديد صارم.. إنها تبدأ بتأمين متطلبات الحياة اليومية المباشرة، وتتقدم- بعد هذا- صوب إعمال الفكر في صميم العالم للكشف عن نواميسه أو في أمداء الكون لإدراك سره المعجز، هذه الفاعلية الفكرية التي ما لها من حدود تقف عندها.
ومن ثم توالي خطواتها لتنفيذ أكبر قدر من ضمانات التجربة الروحية الشاملة وإيصالها إلى مطامحها التي تتجاوز الأرض إلى أعماق السماء، وتغادر اللحظة الموقوتة العابرة إلى عالم الخلود.. إن حضارة تسعى إلى تغطية متطلبات الغريزة والفكر والوجدان والروح بهذا القدر من التوازن لا يمكن أن تبلغ حالة السكون أبدًا، إلا إذا وجهت إليها ضربة خارجية شديدة القسوة تفوق قدراتها العسكرية على الرد.. وتظل من ثم على حركتها الدائمة تلك متجاوزة خطوط الأهداف القريبة والبعيدة التي يستثيرها فيها الإيمان المبدع، من أجل أن تتجاوزها إلى أهداف أخرى.
إن (الإيمان) الذي يقوم عليه بنيان الدين، يجيء دائمًا بمثابة معامل حضاري يمتد أفقيًّا لكي يصب إرادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب ويوجهها في مسالكها الصحيحة، ويجعلها تنسجم في علاقاتها وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسها، فيزيدها عطاءً وقوةً وإيجابيةً وتناسقًا.. كما يمتد عموديًّا في أعماق الإنسان لكي يبعث فيه الإحساس الدائم بالمسؤولية، ويقظة الضمير، ويدفعه إلى سياق زمني لا مثيل له، لاستغلال الفرصة التي أتيحت له كي يفجر طاقاته ويعبر عن قدراته التي منحه الله إياها على طريق (القيم) التي يؤمن بها، و(الأهداف) التي يسعى لبلوغها فيما يعتبر جميعًا في نظر الإسلام عبادة شاملة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وتجيء مصداقًا للآية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
وهكذا تجيء (التجربة الإيمانية) لا لكي تمنح الحضارة وحدتها وتفردها وشخصيتها وتماسكها، وتحميها من التفكك والتبعثر والانهيار فحسب، وإنما لكي ترفدها بهذين البعدين الأساسيين اللذين يؤول أولهما إلى تحقيق انسجامها مع نواميس الكون والطبيعة: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 84)، ويعطيها ثانيهما قدرات إبداعية أكثر وأعمق، تتفجر على أناس يشعرون بمسؤوليتهم، ويعانون يقظة ضمائر سائرهم، ويسابقون الزمن في عطائهم؛ لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل