العنوان امتحان الأئمة
الكاتب أحمد عبد الرحمن العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
مشاهدات 89
نشر في العدد 1031
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
مداد القلم: مواقف شامخة في حفظ
العقيدة
الإسلام القيمة العليا
الإسلام هو القيمة العليا الجامعة لكل القيم، وفي سبيله تهون كل
القيم، وتُبذل الأنفس والأموال عن طيب خاطر، وقد عرف التاريخ الإسلامي مواقف شامخة
مجيدة لأئمة المسلمين، امْتُحنوا امتحنوا فيها امتحانًا أليمًا، وقدموا فيها
القدوة الحسنة لأجيال المسلمين، وأجيالنا اليوم في أمس الحاجة إلى الوقوف عليها
والاقتداء بها في الاستمساك بكل مقومات تلك القيمة العليا، وفي مقدمتها العقيدة
الصحيحة.
محنة سعيد بن المسيب (85هـ)
والمحنة الأولى ألمت بإمام المحدثين، وعالم المدينة المنورة، سعيد بنالمسيب سنة 85 للهجرة، وفي هذا يقول الطبري: «في هذه السنة بايع
عبد الملك «ابن مروان» لابنيه: الوليد، ثم من بعده لسليمان.. وكتب ببيعته لهما إلى
البلدان.. فبايع الناس. وامتنع من ذلك سعيد بن المسيب، فضربَه هشام بن إسماعيل-
عامل عبد الملك على المدينة- وطاف به، وحبسه.. وكان ضربه ستين سوطًا، وطاف به في تُبَّان شعر «يعني سراويل
صغيرة لستر العورة» حتى بلغ به رأس الثنية، «جـ 6 ص 416»
وكانت
جريمة الإمام الكبير أنه قال: لا، حتى أنظر! أو كما جاء في رواية أخرى، أنه قال: لا،
حتى يجتمع الناس! يعني للبيعة.
والمحزن في هذه المحنة أنه لم يكن هناك ما يبررها، فالإمام لم يخرج
بالسيف على «عبد الملك» مثلًا، ولم يحرض الناس على الامتناع عن البيعة لولديه،
ولكنه أراد أن يفكر في الأمر، أو أن يبايع عند اجتماع الناس، وكان التنكيل بالإمام
رهيبًا، فقد جردوه من ثيابه، باستثناء سروال صغير يستر عورته، وطافوا به في
المدينة، كأي شاهد زور أو لص! ولم تشفع له مكانته الرفيعة في العلم والتحديث
والإمامة!
وقد ظن الإمام أنهم قاتلوه، ولذلك سألهم حين عادوا به من «رأس الثنية»
«أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن قال: والله لولا أني ظننت أنه الصلب لما لبست هذا
التبان أبدًا!».
- ويُذكر
أن «عبد الملك» قد كتب إلى عامله على المدينة يلومه على التنكيل بالإمام
الجليل. لكن ذلك لا يسقط تبعته الدينية أو الأخلاقية، فالجريمة الأصلية هي
الإكراه على البيعة، والثانية هي التنكيل بالإمام البريء، ولوم العامل لا
قيمة له، لأنه لم يُنصف الإمام، ولم يعد بالكف عن الإكراه على البيعة وانتهاك
شريعة الله.
محنة الإمام أحمد بن حنبل (خلق
القرآن)
وأشنع من هذا امتحان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله على أيدي زَبَانية
المأمون العباسي وبتحريض من المعتزلة، لقسره على القول: «أن القرآن مخلوق» ولقد
أمر المأمون عماله بقتل كل من يرفض تلك المقولة، وحز رأسه وإرساله إليه! وإزاء تلك
التهديدات الرهيبة، سلَّم له العلماء والفقهاء، وقالوا بها، ولم يصمد في الامتحان
سوى الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح المضروب- رضي الله عنهما.
وقد عُهِد إلى إسحاق بن إبراهيم بالتحقيق مع العلماء. وقد سأل الإمام
أحمد: ما تقول في القرآن؟ قال: «هو كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله،
لا أزيد عليها. فأخذ يمتحنه فيما جاء في كتاب المأمون، فلما أتى على قول الله
تعالى- ضمن ذلك الكتاب- ﴿لَيْسَ كِمِثْلِهِ شَيْء﴾
(الشورى: 11) قال الإمام مُكَمِّلًا الآية: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكان المعتزلة– وقد
ضموا المأمون إلى مذهبهم- ينفون صفات الله تعالى، ويُشنِّعون على أهل السنة الذين
يُثبتونها فسأل إسحاق بن إبراهيم الإمام أحمد: ما معنى قوله ﴿سميع بصير﴾؟ فرد الإمام قائلًا: «هو كما وصف نفسه».
قال: فما معناه؟ قال الإمام: «لا أدري هو كما وصف نفسه».
- وعلى
ذلك أُرسل الإمام أحمد، ومعه بعض العلماء إلى المأمون الذي كان في «طرسوس»
مُكَبَّلين بالأصفاد، لكن المأمون مات سنة 218 للهجرة،
فأعادوهم إلى دُورهم محبوسين فيها. وتولى المعتصم امتحان الإمام مرة أخرى،
وعذبه عذابًا أليمًا، فلم يُسلِّم للمعتزلة بمقولتهم المبتدعة. وبذلك ضرب
للمسلمين جميعًا المثل في الصبر على الامتحان صيانة للعقيدة الصحيحة، ورفضًا
للابتداع في دين الله، والتقوّل عليه تعالى، ووصفه جل شأنه بما لم يَصف به
نفسه، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.