العنوان درس في القيم ..العالم الذي لم تخدعه السلطة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1973
مشاهدات 112
نشر في العدد 143
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 27-مارس-1973
درس في القيم
العالم الذي لم تخدعه السلطة
سعيد بن المسيّب أبى أن يزوج ابنته لابن الخليفة وزوجها لطالب علم فقير!!
رجل به بعض الغرور كان ... بخلع نعليه أما مسجد المصطفى عليه الصلاة والسلام، ... الناس حين ينظرون إليه ... الدهشة لا يثيرهم منه ... التأنق الظاهر أو هذا الملبس الفاخر، وإنما الذي ... ويدفعهم إلى التساؤل ... هذا الرجل بخدمه وحشمه، وغروره وكبريائه. قد جاء المجلس كواحد من الفقراء في مجلس الشيخ الزاهد، التقي، الورع: (سعيد بن المسيب) وقد تكررت هذه الصورة حتى ألف الناس هذا المنظر واعتادوه في حلقات العلم التي كان يعقدها الشيخ سعيد.. حتى إن الناظر المتفحص لمجلسه يرى فيه صورة حقيقية ... صور الديموقراطية في الإسلام، ويرى فيه سماحة الإسلام كما يجب أن تكون وكيف أن الناس صغيرهم وكبيرهم، وعظيمهم وحقيرهم، ... طلب العلم سواسية..
وللشيخ في مجلسه ذاك تلامذة وأبناء بعضهم يكبره في السن وبعضهم دون سنه بقليل، والآخرون في عمر الزهور لو كانوا في زماننا هذا ما شاهدناهم إلا بين الحانات ودور اللهو والمجون، ذاك يا ... مجلس فيه بعض ما كان ... الرسول يوم ولد الإسلام، فلو كنت من طلاب العلم المهرجين المتبجحين لما كان ... في المجلس نصيب ولا في الرجل وتقواه أدنى أمل.
وما كان ذلك لعصا يمسكها الرجل في يده يضرب بها المشاغبين. وإنما لكلام الرجل روعة تحس معها أنك في عالم آخر ليست فيه إلا عصا السماء تضرب المشاغبين.. ولشيخوخة الرجل هيبة في النفوس لا هي من هيبة الملوك وظلمهم، أو الحروب وويلاتها ، وإنما هي مزيج تكامل له من كل هيبة هيبة، فكأنك وأنت تنصت إلى الرجل تنصت إلى ملك في مملكته وهو يلقي أوامره المشددة إلى خدامه المطيعين له من زاوية عدله، لا من زاوية ظلمه، وتحس من الرجل إلى جانب ذلك هيبة الحرب الضروس، وكأن كلمات الرجل وهي تخرج من فيه قذائف مدمرة... والشيخ سعيد إذا انخرط في سلك حديثه لا تحس منه إنسانا يتكلم من جعبته وإنما تحس كأن نبيا يقف أمامك يستلهم وحيه ويتحدث بما يوحى إليه به، فحديث الرجل وشرحه هو شرح فيه إلهام رباني فإذا حدث الشيخ يوما بشرح حديث أو آية استنبط منها معاني ملهمة.
وناهيك برجل وهب للخالق نفسه فلا يقول إلا لله ولا يستلهم إلا من الله، ولا يتكلم إلا باسم الله.
***
وقف سعيد مرة وقفة من وقفاته تلك.. وأخذ يتحدث إلى الناس ويقول لهم:
أتعرفون أن غضب الله لاحق بكم، وما ذاك إلا لأن سنة نبيه قد ضاعت بينكم، والرحمة قد نزعت من قلوبكم، وتكالبتم على حب التفاخر بالأنساب والأموال، وإن أحدكم لو خير بين أن يتزوج من سلالة النبي أو يزوج لهم.. أو أن يتزوج من أولياء الأمر وأصحاب الحكم أو يزوج لهم، لغلبه شيطان الدنيا واختار الثانية، وإني لأراكم تؤثرون لبناتكم كل ذي مال ونسب وليس كل ذي علم وأدب، وأراكم تغالون في المهور وتطلبون منها الباهظ وتؤثرون الكثير منها على القليل، وفي ذلك كما يعلم الله انتقاص لإنسانية بناتكم المؤمنات حيث تضعونهن موضع السلعة التي يشتط في طلب ثمنها وفي ذلك دليل على ضعف إيمانكم ومخالفتكم لأوامر نبينا صلى الله عليه وسلم، واسترسل الشيخ سعيد في حديثه وانخرط في كل أسلاكه وذهل الحاضرون من وقع هذا الكلام في نفوسهم.. وانتقلوا بدورهم إلى عالم الروحانية وطأطأوا رؤوسهم وبدوا وكأنهم ما أصابوا من الدنيا وما أصابت الدنيا منهم.. وفي هذه اللحظات الربانية كان يجلس في ذيل المجلس رجلان.. لا تبدو عليهما مظاهر احترام قدسية المسجد وتعظيمه وكأنهما ليسا في مجلس علم هذه خلاله يتهامسان آونة ويتغامزان أخرى، ويبتسمان ساعة ويتسامران ثانية، وفهم الشيخ سعيد ما وظيفة هذين وما حقيقتهما، وبحاسته الروحية أدرك ماذا يقولان وعن أي شيء يتغامزان، وأيقن أنهما من عيون عبد الملك بن مروان جاءا ليشوها صورة مجلسه المكرم.. وبلغ تطاول واحد منهما مبلغه حين صاح مقاطعا حديث الشيخ قائلا:
إنك هنا في المسجد تمثل دور الشيخ الزاهد، بينما أنت في السوق تجمع المال جما وإن ابنتك يتسابق إليها الأمراء وما أظنك إلا مزوجها أحدهم، ولم لا تزوجها واحدًا من الفقراء؟
وسكت الناس وانتظروا..
وتكلم الشيخ وأرهف الناس أسماعهم له حيث قال:
- الله الله. إن الدنيا حقيرة وهي إلى كل حقير أميل وأحب، وأحقر منها من أخذها بغير حقها وطلبها من غير وجهها ووصفها في غير سبيلها.
أيها الناس لا تملأوا أعينكم من أعوان الظلم إلا بالإنكار عليهم في قلوبكم حتى لا تحبط أعمالكم، يد الله فوق الجميع فمن رفع نفسه ووضع غيره خفضه الله، الناس تحت كنف الله يجازون بأعمالهم فإذا أراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته الله الله، إياكم وذكر الناس بما ليس فيهم ورميهم بما لم يفعلوا.
وانفض المجلس، وخرج الناس يتحدثون بكلام الشيخ سعيد، وبمنزلته في نفوسهم وخرج الرجلان يحملان كل خيبة وفشل.
وأقبل يوم بوح فيه الوليد بن عبد الملك ولي عهد للخلافة، وطلب من الشيخ سعيد أن يبايع ولكنه رفض وصمم على الرفض وأبى كل الإباء إلا أن يعلن: إن هذا الوليد غير جدير بالخلافة وأن من هو أجدر بها منه.
وكان جزاء الشيخ أن ضرب وعذب وطيف به في الأسواق مهانًا وهو باق على تصميمه هناك وعزمه.
وأقبل يوم آخر طلب الخليفة فيه من الشيخ سعيد أن يزوج ابنته من ابنه وولي عهده «الوليد» وأبى الشيخ ورفض وضرب وعذب وهو يقول بملء فيه لا... لا... وبقي أيضًا على تصميمه وعزمه.
وتكررت بطوليات الشيخ سعيد بن المسيب وذاع في الآفاق صيته، واجتمع الرجلان –إياهما- ذات يوم في مجلس الشيخ للمرة الثانية وأسر أحدهما لثانيهما:
ألا ترى معي أننا ظلمنا الشيخ وبعنا ديننا مقابل دراهم يعطيها لنا الخليفة.
أما آن لنا أن نتوب وأن نرجع إلى حظيرة الحق؟ ورد عليه الثاني قائلًا: لقد ساورتني هذه الأوهام وفكرت فيما فكرت فيه ولكن انتظر حتى تكون حادثة للرجل خالدة فنعلن التوبة يومها ونستسمحه ونرجع إلى الله وأقبلت حادثة الحادثات، وآية تقوى الرجل وعمله بما يقول، وجلس الرجلان فقال الأول للثاني:
- أما سمعت عن الحادثة؟
- أية حادثة؟
- إن الشيخ سعيد قد زوج ابنته!!
- أمن الوليد بن عبد الملك؟
- لا. من أبي وداعة ومن يكون أبو وداعة أهو أمير من الأمراء؟
- لا. إن أبا وداعة طالب فقير كان يواظب على مجالس الشيخ وقد تزوج مرة وماتت زوجته.
- يا الله تزوج مرة وماتت زوجته وطالب فقير لا مال له. إذن وكيف دفع المهر؟
- لقد زوجها الشيخ إياه بدرهم وخاتم من حديد بل وأخذها من يدها إلى منزل أبي وداعة وسلمها إياه.
- أتصدق في حديثك؟
نعم والله أصدق
«وينتحب الرجل الثاني ويبكي بكاء مرًا فيقول له الرجل الأول»:
- ما يبكيك في هذا يا صاحبي؟ فيرد عليه الرجل الثاني:
- والله لبكاء اليوم خير من عذاب الغد، ارتضى أن نبيع نحن ديننا إلى هذا الحد ويشتريه آخرون إلى هذا الحد، لقد تجنينا على الحقيقة وظلمنا الرجل، وها هي الحقائق تبين لنا مدى جرمنا.
- إيه يا أخي: لقد هولت تجسيم خطبنا حتى لكأني أشعر به جرم الدنيا والآخرة قل لي بربك ماذا نفعل؟
لقد بدأ ضميري يستيقظ.
هل عندك من حل؟
- هيا بنا فلنذهب إلى مجلس الشيخ سعيد، ذلك الرجل الطيب القلب فإن عفا عنا فتلك رحمة من الله، وإلا فإن مصيرنا ولا شك غضب الله وعقابه، هيا بنا هيا، وفي مجلس الشيخ كان الرجلان يجلسان وعلى خديهما أثر البكاء وفي قلبيهما سكون وخشوع، ورأى الشيخ سعيد من الرجلين أثر الذلة وإطراقة طالب العفو، وأدرك لماذا حضرا هذه المرة! فانفرجت أساريره فرحًا إذا هدى الله على يديه رجلين بعد غيهما.
وبدأ الشيخ في حديثه وانتحى به وجهة يخاطب بها الرجلين بطريق غير مباشر كي يهون عليهما الأمر فقال: -
ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن نذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب الله نقصه لفضله، والتوبة والرجوع إلى الحق أفضل الفضائل.
وهنا نهض الرجلان إلى الشيخ واستسمحاه، فقبل ودعا لهما بالمغفرة والقبول، واستمر الرجل في تسجيل كلماته المخلصة، واستمر التاريخ في تسجيل أزهى آيات الشجاعة في الإسلام: للشيخ الجليل الزاهد «سعيد بن المسيب».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل