العنوان انتخابات تونس ..برلمان "ثورة الياسمين" ... يُدخل تونس قصر الديمقراطية
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 50
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 28
السبت 03-ديسمبر-2011
- "هيلاري كلينتون": الفكرة بأن المسلمين الملتزمين لا يمكنهم التعاطي مع الديمقراطية تصور نمطي وخاطئ
- رئيس الوزراء التونسي: سأستلهم قيم الخلافة الراشدة في العدل والإنصاف
- حركة "النهضة" ستقود الحكومة القادمة بتولي عدد من وزارات السيادة كالداخلية والخارجية والدفاع والعدل إضافة لوزارة التعليم العالي والتربية
مثل انطلاق أعمال المجلس التأسيسي في تونس، يوم ٢٦ ذي الحجة عام ١٤٣٢هـ، الموافق ٢٢ نوفمبر ۲۰۱۱م، مرحلة جديدة في العمل السياسي المؤسس على قواعد الشرعية الشعبية، والتي ستكون أساس الحياة الديمقراطية في البلاد مستقبلا.. فقد كان الحدث تتويجاً لمراحل نضالية طويلة وشاقة، بل مأساوية بكل المقاييس، أزهقت فيها أرواح وضيّعت فيها حقوق، وغيب فيها الآلاف وراء السجون، وهجر الآلاف خارج حدود الوطن، وعلى مدى يزيد على نصف قرن، بل تمتد تلك المراحل إلى فترة الاحتلال الفرنسي للبلاد عام ۱۸۸۱م، تعرضت الهوية العربية الإسلامية للمسخ وتجفيف الينابيع.
لقد انتصرت الهوية في تونس، وفرضت اعتراف الأطراف المحلية والدولية، حتى عتاة الشيوعيين أعلنوا أنهم لا يمكنهم معارضة الإشارة في الدستور القادم، إلا أن تونس دولة مدنية لغتها العربية ودينها الإسلام في حين أعربت واشنطن وباريس وعواصم أوروبية أخرى في مقدمتها لندن وبرلين عن استعدادها للتعاون مع حكومة تونسية تقودها "النهضة"، حسبما جاء في تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون".
تصور خاطئ
"الفكرة بأن المسلمين الملتزمين لا يمكنهم التعاطي مع الديمقراطية، تصور نمطي وخاطئ".. هكذا عبرت وزيرة الخارجية الأمريكية، أما وزير خارجية فرنسا، فقد عدل موقف بلاده الذي عبر عنه "ساركوزي" عن وصاية مقيتة: "عندما أستمع إلى خطاب المسؤولين في "النهضة" بأنهم يريدون أن يكون هناك اعتبار لمبادئ الإسلام في ظل الديمقراطية وتحسين وضع المرأة فلماذا لا أصدقهم؟!".
وكان زعيم حركة "النهضة" الإسلامية التونسية الشيخ راشد الغنوشي، قد أكد أن تونس تريد أن تصنع نموذجا يدرأ عن الإسلام صفة الإرهاب وصفة التعصب والتطرف ومعاداة الديمقراطية، وأن الحكومة الجديدة تجسّد قيم الثورة وتحقق أهدافها في العدل والحرية وستعمل على تكريس الوحدة المغاربية.. وأشار رئيس الوزراء التونسي الجديد حمادي الجبالي إلى أنه سيستلهم قيم الخلافة الراشدة في العدل والإنصاف.
المجلس التأسيسي
يعتبر المجلس الوطني التأسيسي التونسي من أبرز ثمار الثورة، وأحد أفضل إفرازاتها السياسية والثقافية حتى الآن، وبمفهوم الدولة الحديثة يعدّ المجلس أول هيئة شرعية في البلاد تعبر بصدق عن إرادة الجماهير التي كانت تُساق بـ"شرعيات مزيفة"، وهو تعبير عن تعددية حقيقية أفرزتها صناديق الاقتراع وفق قانون ظرفي، حتى يمثل في المجلس أكبر عدد ممكن من الفعاليات السياسية في البلاد.
وكانت تونس قد شهدت سنة ١٩٥٩م (عهد بورقيبة) مجلساً تأسيسياً مزيفاً، لم يكن منتخبا من الشعب، وطغى عليه لون سياسي واحد، هو الاتجاه "الفرانكفوني"، وتم إشراك رمزي للحزب "الشيوعي"، واضطهاد للحركة "اليوسفية"، وقبل ذلك التخلص من الرمز العمالي فرحات حشاد يرحمه الله.
وقد كرَّس مجلس "بورقيبة" لمفهوم الحزب الواحد، وجرم العمل السياسي خارج الأطر التي وضعها كما جرم المفاهيم المتباينة مع ما حاول فرضه على الشعب التونسي؛ وكان نتيجة كل ذلك إعلان "بورقيبة" الرئاسة مدى الحياة وظلت الحياة السياسية رهن مزاج شخص واحد.
وكانت جميع المؤسسات في الدولة حتى تولي الحكومة الجديدة مقاليد السلطة بتفويض شعبي حقيقي عبر صناديق الاقتراع في ظل الشفافية والنزاهة، مجرد هياكل عديمة الفاعلية فضلا عن الشرعية، وشاهد زور على اغتصاب مقدرات الشعب وتدمير دفاعاته الرئيسة بشرعنة الاستبداد.. وبالتالي، فإن المجلس التأسيسي الحالي هو المجلس الحقيقي والشرعي والأول في تاريخ تونس والذي يؤسس لمرحلة الاستقلال الفعلي، أي حجر الأساس لبناء تونس الجديدة وهو الذي يضع أسس الدولة العادلة والأممية بعون الله دولة تخدم الشعب والأمة، وتتبنى قضاياها العادلة على المستوى الفردي والأسري والشعبي والأممي والعالمي دولة يفتخر بها جميع التونسيين والعرب والمسلمين وأحرار العالم.
بداية مبهرة
كما كانت بداية الثورة في ١٧ ديسمبر مبهرة، وتكللت بفرار المخلوع، كانت بداية افتتاح أعمال المجلس الوطني التأسيسي مبهرة بتولي الوطنيين مقاليد الأمور، وتسمية رؤساء الرئاسات الثلاث، مصطفى بن جعفرٍ (التكتل من أجل العمل والحريات) رئيسا للمجلس، ومنصف المرزوقي (المؤتمر من أجل الجمهورية) رئيساً للدولة بصلاحيات رمزية، وحمادي الجبالي (حزب حركة النهضة) رئيساً للحكومة التي ستتولى قيادة البلاد في المرحلة القادمة، والتي ستفضي الانتخابات برلمانية جديدة بعد عام أو ۱۸ شهرا .
لقد كان افتتاح جلسات المجلس الوطني التأسيسي، وانتخاب لجنتي النظام الداخلي والتنظيم المؤقت للسلطة العمومية، واللتين تضمان ۲۲ عضواً لكل منهما، مثل يوم الانتخابات بتاريخ ۲۳ أكتوبر الماضي، مثل يوم تحرر تونس بعد فرار المخلوع يوم ١٤ يناير؛ لحظة فارقة في تاريخ تونس، بإجماع جميع الفعاليات السياسية في الحكم كانت أو المعارضة.
في الوقت الذي غاب فيه حمالو الحطب، ورموز الفساد والاستبداد، حضر المناضلون وأسر شهداء الثورة، والصحفيون الذين حرموا من حريتهم طوال عقود من الكبت والقمع، وحضر المربون الذين منعوا من تأدية رسالتهم على أحسن وجه.
إلا أن المشهد لم يخلُ ممن أسقطهم الشعب في الانتخابات حيث تظاهروا باسمه ويا للمفارقة مطالبين بإخراج ممثلي الشعب الحقيقيين واصمينهم بالتطرف، في إعادة لأسطوانة النظام البائد المشروخة «تونس تونس حرة.. والتطرف على برا"، بل هناك من دعا إلى الثورة من جديد على خيارات الشعب وإرادته وباسم الشعب، كما هي عادة من يحكمون الشعب باسم الشعب دون تفويض من الشعب "الشعب يريد الثورة من جديد"، وأشنع من ذلك ظلوا مهوسين بأن الشعب معهم رغم العهد القريب للانتخابات "لا إرهاب لا رجعية.. الشعب يريد دولة مدنية"، وكانوا إرهابيين عندما اعتدوا بالعنف على النائبة في المجلس التأسيسي سعاد عبد الرحيم، أي كانوا يدينون أنفسهم دون أن يشعروا بذلك، وكانت تلك قيمة مأساة فلول اليسار في تونس.
لقد أصبح لتونس بعد نصف قرن من الاستبداد والدكتاتورية قدر غير محدود من الحرية، يمكن فيه للتونسيين أن يتحاوروا وأن يختلفوا في إطار ديمقراطي طبقا لقواعد واضحة، رغم أن البعض تجاوز تلك القواعد باستخدام لغة خشبية كالشعارات التي رفعت أمام مقر المجلس التأسيسي، أو التصريحات التي تحاول أن تفرض على مجلس سيد نفسه تصوراتها من خارجه، مثل أن تكون الحكومة حكومة "تيقنوقراط"، وأن تشرك المعارضة في تقلد مناصب بالمجلس التأسيسي، وهم الذين رفضوا الدعوة للمشاركة في الحكم.
طبيعة المرحلة القادمة
لم يعد سراً أن حركة "النهضة" ستقود الحكومة القادمة، ليس في شخص رئيس الوزراء وأحد أبرز وجوهها، المهندس حمادي الجبالي فحسب، بل بعدد من وزارات السيادة والوزارات المهمة كالداخلية والخارجية والدفاع ،والعدل، إضافة لوزارة التعليم العالي والتربية والشؤون الاجتماعية، وعلى الرغم من أن هذه الأنباء يتم تداولها في تونس اليوم في كل مكان، ولم تعد تسريبات كما هي الحال في السابق فإن ذلك يظل في مجال الاحتمال ولا يأخذ صبغة المؤكد إلا بعد الإعلان عنه.
وهناك احتمالات لإبقاء بعض الوزراء في مناصبهم، أو إدخال ٧ من المستقلين إلى الحكومة الجديدة التي ستتشكل من ٢٥ وزيرا وكانت أحزاب الائتلاف الذي سيتولى الحكم في الفترة القادمة، وهي "حزب حركة النهضة"، و"المؤتمر من أجل الجمهورية"، و"التكتل من أجل العمل والحريات"، قد وقعت بمقر حركة النهضة على الوثيقة الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بتوجهات السياسة التنموية للأشهر القادمة، وذلك تزامنا مع تقديم حكومة "الباجي قائد السبسي" لاستقالتها، وتكليفها بمواصلة تصريف الأعمال إلى حين الانتهاء من تشكيل الحكومة الجديدة لاستلام مهامها هذه الأيام، وتتولى لجنة النظام الداخلي وضع نظام عمل المجلس التأسيسي، فيما تقوم لجنة التنظيم المؤقت للسلطة العمومية بتحديد مهام السلطة الرئيسة في البلاد وخاصة المجلس التأسيسي، ورئاسة الجمهورية المؤقتة، والحكومة والجهاز القضائي، وقد فازت حركة "النهضة" (۸۹) مقعداً برئاسة اللجنتين، في حين أوكل منصبا نائبي الرئيس في اللجنتين لـ"التكتل من أجل العمل والحريات"، وأوكلت مهمة المقررين بالمجلس لـ"المؤتمر من أجل الجمهورية".