; انتخابات طاجيكستان الأخيرة.. محاولة للبحث عن الهوية المفقودة | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات طاجيكستان الأخيرة.. محاولة للبحث عن الهوية المفقودة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-2000

مشاهدات 86

نشر في العدد 1393

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 28-مارس-2000

  • روسيا مازالت تصر على الاحتفاظ بطاجيكستان نظرًا لأهميتها الاقتصادية والسياسية

بغض النظر عن حصيلة الانتخابات الأخيرة التي شهدتها طاجيكستان وشفافيتها، والمناخ السائد الذي يتصف بالديموقراطية تعسفًا، فإن إجراء هذه الانتخابات يعد في حد ذاته فوزًا كبيرًا للمسلمين، فهي تؤكد الاستقلال وتقرير المصير، وتعد شوكة في عيني روسيا، وهي حدث مهم وكبير في بلد خاض حروبًا أهلية دامية استمرت خمس سنوات بعد أن مر بسبعين عامًا من الشيوعية وسياسة تخليط الشعوب، والتهجير القسري الشهير؛ فضلًا عن احتكار السلطة طيلة سبعين عامًا بيد أبناء المناطق الشمالية التي تحتفظ بـ ٦٠% من الموارد الاقتصادية. 

مع هذه الخلفية كان الاستقلال والاعتماد على الذات أمرًا مستبعدًا، فضلًا عن ممارسة الديموقراطية التي ليس لها جذور عميقة في هذا البلد؛ إذ ترجع جذورها إلى منتصف التسعينيات التي شكلت خلالها الأحزاب بما فيها حركة النهضة الإسلامية. ومنذ مطلع التسعينيات بدأت الحريات السياسة والدينية المحدودة وتأسس الحزب الديموقراطي الطاجيكي وحزب «رستا خيز» القومي، وأعلن تشكيل حزب النهضة الإسلامية. وخلال سنة واحدة استعدت الأحزاب لمزاولة السلطة، فأعلن البرلمان الطاجيكي بتاريخ 9/9/91 استقلال طاجيكستان عن روسيا وبتاريخ 5/92 تم تشكيل حكومة ائتلافية باشتراك حركة النهضة الإسلامية والأحزاب الديموقراطية. 

لم يمض على تشكيل الحكومة أشهر عدة؛ حتى سيطر الشيوعيون في أواخر عام ۹۲ على دوشنبه في انقلاب على الحكومة الائتلافية، وأصبح إمام علي رحمانوف رئيس مجلس السوفيات الأعلى الطاجيكي «البرلمان» وذلك بتدخل روسي سافر، وانطلقت المقاومة الإسلامية، واستمرت في الضغط حتى بدأت المفاوضات في موسكو في مارس ١٩٩٤ م بين حكومة رحمانوف والمعارضة.

بيد أن ثمن المقاومة كان باهظًا، فقد دفع الشعب الطاجيكي ثمنًا غاليًا لطموحاته الاستقلالية والإسلامية، فقد قتل الشيوعيون قرابة 100 ألف شخص، واعتقلوا المئات، وشردوا أكثر من ٨٠٠ ألف آخرين، وأحرقوا العديد من القرى والمساجد، كل ذلك في فترة لا تزيد عن سنة (مايو ۱۹۹۲م إلى بداية ۱۹۹٣م) لم يثبط هذا عزم المعارضة - حزب النهضة الإسلامي على استمرار المقاومة، وكانت يقظته كي لا يتكرر خطأ أجدادهم عند ما تركوا بلادهم أمام الزحف الشيوعي في العشرينيات، فاستمرت في كفاحها لاستعادة استقلالها مهما كان الثمن.

وكان الكثير يتوقع استمرار الحروب الأهلية في طاجيكستان لمدة طويلة، لكنها مرت بسلام بالرغم من كثرة المؤامرات ضدها، ونجت من ظاهرة «بلقنة» أو «الأفغنة» بسلام، بيد أن هذا لا يعني أن طاجيكستان في أمان تام،  ولم يكن من السهل أن تتخلى روسيا بهذه السهولة عن طاجيكستان، ولاسيما أن من المحتمل أن يحكمها الإسلاميون، فواصلت روسيا تكتيكاتها لمواجهة ذلك، وتنبع أهمية طاجيكستان بالنسبة لروسيا من كونها استثناء عرقيًّا في آسيا الوسطى التركية التي تزحف ولو ببطء نحو إحياء مجدها الطوراني القديم، الأمر الذي يقلق روسيا؛ بل يهدد مصالحها الاستراتيجية والأمنية حتى في الداخل.

وهذه الأهمية تدفع بروسيا إلى أن تعلن دون خجل أن حدود طاجيكستان في حدود روسيا، وأمنها هو أمن روسيا، ولا بد من التواجد الروسي العسكري فيها، وإلا فسوف تندفع المنطقة كلها نحو الفوضى وعدم الاستقرار، وهو ما أكده وزير الخارجية الروسي بريماكوف بعد زيارته الأولى الرسمية لطاجيكستان في أواخر يناير عام ١٩٩٦م.

العراقيل

أولًا: إثارة المخاوف مما تزعمه الإسلام الأصولي، فاستقلال طاجيكستان يعني في نظرها أنها ستحكمها أصولية إسلامية، وأن روسيا تفعل ذلك تناغمًا مع الموجة العالمية لمكافحة الأصولية، ولإجهاض مفعول الدعايات الروسية، فقد أعلنت المعارضة مرات عدة أنها لا تريد إقامة حكومة إسلامية في دوشنبه، وكل الذي تريده هو إعادة الديموقراطية وحرية الرأي وترك الشعب الطاجيكي حرًا في اختيار مصيره.

ونالت روسيا غايتها، فأصبحت الأصولية الإسلامية هي الهاجس الذي دفع قادة دول آسيا الوسطى – خصوصًا أوزبكستان – للتعاون فيما بينها لمساندة الحكومة الطاجيكية ضد المعارضة، ثم تذرعت روسيا بحماية الأقلية الروسية في طاجيكستان، غير أن السبب الرئيسي هو أهمية طاجيكستان الجيو - بوليتيكية بالنسبة لآسيا الوسطى، وأن روسيا إذا افتقدت طاجيكستان؛ فمن الصعب الحفاظ على مصالحها الحيوية في باقي المنطقة.

ثانيًا: تشكيل الكومنولث: توصلت روسيا إلى تكتيك لمنع تفلت الدول المستقلة، هو منظمة  الكومنولث – على غرار الكومنولث البريطاني - في آسيا الوسطى للدول التي كانت تحت سيادته، فالتحرك الروسي الواسع كان لتدعيم سيادة روسيا الإقليمية داخل حدود الكومنولث، تلك السيادة التي اعترتها هزات عنيفة بعد الانهيار السوفياتي بفعل تسابق الدول المستقلة للابتعاد عن الحظيرة الروسية، وكانت حركة الابتعاد عن دائرة نفوذ موسكو قوية في ثلاث من دول آسيا الوسطى والقوقاز هي: طاجيكستان، وأذربيجان، وجورجيا ، الأمر الذي دفع روسيا إلى صناعة الأزمات داخل هذه الدول وإدارة هذه الأزمات، مستفيدة في ذلك من جميع الوسائل الاقتصادية والعسكرية والعوامل العرقية والسياسية والاجتماعية. 

ثالثًا: إثارة حروب أهلية: مما توصلت روسيا إليه لجذب الدول إليها كان إثارة نار الفتن والحروب الأهلية، ولاسيما في الدول المستقلة التي لم ترض بالانضمام إلى منظمة الكومنولث، فجورجيا وأذربيجان أنهكتا بالحروب الأهلية والإقليمية، وأسقطت فيهما القيادات الوطنية المنتخبة، ولم تستقر الأوضاع نسبيًّا حتى قبلتا بالسيادة الروسية تمامًا حين أعلنتا انضمامهما لكومنولث الدول المستقلة، كما أذعننا لتواجد القوات الروسية في أراضيهما بحجة الضرورات الأمنية، والحرب الأهلية في طاجيكستان كانت طاحنة، واستمرت خمس سنوات، وتمضي روسيا أبعد من ذلك للتأكد من استبقاء طاجيكستان في المحور الروسي لدرجة أنها تحاول إبقاء الصراع الأفغاني محموما بحيث يشكل ذريعة للبقاء في طاجيكستان للحفاظ على الحدود الطويلة بين البلدين والحيلولة دون تهريب السلاح والمخدرات. 

وبالرغم من كل ذلك نرى ازدواجية في موقف الكرملين تجاه الدول المفلتة من تحت إدارتها، فتتوسل بأشد أنواع الإرهاب في الشيشان، بينما ترضى باستقلال دولة ضعيفة كطاجيكستان ولاسيما أن فيها تيارًا وصحوة إسلامية قوية. إن هناك عوامل مؤثرة في تحرير طاجيكستان، أهمها ما يلي: 

أولًا: مقاومة شعب طاجيكستان: إن مقاومة المعارضة العسكرية، وضعف نظام دوشنبه الإداري الذي ازداد إثر الاختلافات السياسية العرقية الحادة بين قادته، وكذلك النفقات الضخمة على نظام الحكم في دوشنبه وخاصة النفقات العسكرية الباهظة، هذه الأمور كلها دفعت روسيا إلى التفكير في الحل السلمي للقضية، خصوصًا أن موسكو تخاف من تدويل القضية إذا استمرت أكثر من هذا في ظل مخاوف غربية متزايدة من عودة الإمبراطورية الروسية القومية مرة أخرى، وذلك بعد نتائج الانتخابات الروسية في ديسمبر عام ١٩٩٦م، ولكن روسيا لم ترض بحال بسحب قواتها من طاجيكستان

ثانيًا: مقاومة النهضة الإسلامية: هناك عوامل داخلية أثرت إيجابًا على إنهاء الحرب الأهلية أدت بدورها إلى إنهاء الحرب وإجراء الانتخابات وهي خضوع المعارضة لاتفاقية السلام في عام ١٩٩٦م، فخلال الأزمة - الحرب الأهلية – كانت هناك دومًا دعايات مفتراه ضد النهضة الإسلامية منذ استقلال طاجيكستان؛ ذلك أن الصحوة الإسلامية ظلت هاجسًا ليس لروسيا فقط؛ بل كانت تشاركها في ذلك بقية أنظمة آسيا الوسطى العلمانية، وكان التعاون الروسي الأوزبكي المشترك لضرب الإسلاميين الطاجيك دليلًا واضحًا على هذا الهاجس المشترك؛ لكن النهضة كانت ناجحةً على الصعيد العسكري، فخلال أربع سنوات من عمر الأزمة استطاعت حركة النهضة ترتيب صفوفها العسكرية، وتطوير قدراتها تسليحًا وتدريبًا وتكتيكًا، فبعد أن كانت تتمركز غالبية عملياتها على الحدود القريبة من أفغانستان استطاعت خلال عام ١٩٩٦م أن تقاتل قوات رحمانوف داخل طاجيكستان وفي أكثر من جبهة؛ بل لقد سيطرت على مناطق بأكملها في ضواحي دوشنبه العاصمة؛ إضافة إلى شنها عمليات داخل العاصمة، ووقعت المعارضة اتفاقية السلام.

وأدت سياسة النهضة الواسعة الأفق، وضمها لقوى علمانية وقومية وعدم الإصرار على فرض حكومة إسلامية في خطابها، والمتمسك بإعطاء الشعب حقه في الاختيار والقبول باختياره أيًّا كان؛ أدت هذه السياسة إلى إحباط كثير من محاولات الحكومة لتشويه صورة المعارضة باتهامها بالإرهاب والأصولية.

ثالثًا: دور إقليمي في إنهاء الحرب الأهلية: جاء الاجتماع المغلق لرؤساء أوزبكستان وقرغيزستان وكازخستان بمدينة تشمكنت الكازخية في إبريل عام ۱۹۹٥م، وأصدروا بيانًا طالبوا فيه رحمانوف بأن يتخلى عن التفكير في الحل العسكري، وأن يأخذ خطوات عملية للتسوية السياسية مع المعارضة، وذلك بعد أن قتلت ١٠ من الجنود القزاقيين في المعارك بين حكومة ومعارضة طاجيكستان، وكذلك ساعدت أوزبكستان في وضع حد للعنف في طاجيكستان؛ إذ كان إسلام كريموف الرئيس الأوزبكي يعتبر التواجد العسكري الضخم في طاجيكستان تهديدًا سافرًا لأمن آسيا الوسطى التركية التي كان يحلم بها،؛بل هدد بسحب قواته من دول الكومنولث المتواجدة في طاجكستان.

لماذا فشلت المعارضة في كسب الأصوات؟

مع هذه الخلفية لم تستطع النهضة الإسلامية كسب أصوات الشعب في الانتخابات الأخيرة، ولعل هذا يرجع إلى:

أولًا: عدم شفافية الانتخابات، شأنها شأن الانتخابات في نوفمبر عام ۱۹۹۹م، التي طعنت في نزاهتها الأمم المتحدة والتعاون الأوروبي، ناهيك عن استغلال رحمانوف نفوذه والوسائل الحكومية المتاحة لصالحه، ومع ذلك فحصول المعارضة على 7 % من الأصوات يعتبر فوزًا بالمقارنة مع انتخابات عام ۱۹٩٩م التي حصل رحمانوف فيها على نسبة ٩٦.٩٩ من الأصوات. 

ثانيًا: حدوث انشقاق بين صفوف النهضة؛ وذلك بعد طرد أكبر توره جان زاده الذي كان يتمتع بشعبية واسعة، ولاسيما في العاصمة الطاجيكية دوشنبه.

ثالثًا: يبدو أن حركة النهضة تتبنى سياسة اللاعنف تجاه الدولة؛ نظرًا لاقتضاء الظروف السائدة ذلك، وأنها مستعدة للتضحية لصالح الآخرين، فبعد انتخابات عام ٩٩م كان يخشى العديد من المراقبين من أن تؤدي الانتخابات التي وصفوها بأنها مهزلة إلى عودة العنف، إلا أن المعارضة الطاجيكية الموحدة وقعت اتفاقًا مع الرئاسة، نص على استئناف محادثات السلام وضمن انتخابات فبراير هذا العام.

طاجيكستان والتحديات

أولًا: تحد روسي: لا يزال هناك 3٪ من السكان من المهاجرين الروس يسيطرون على الاقتصاد، كما أن هناك ٣٠ ألف جندي روسي مدجج بالسلاح داخل الأراضي الطاجيكية، ويمكن أن يتحولوا إلى جنود حرب في أي لحظة، فضلًا عن المنافسة الشديدة بين روسيا وأوزبكستان، وكذلك بين إيران وباكستان، ومن وراء ذلك أمريكا لغزو آسيا الوسطى اقتصاديًّا وسياسيًّا، وتتكئ بلاد آسيا الوسطى على العموم على روسيا ولاسيما في مجال التقنية وأفراد الأقليات المتواجدة في طاجيكستان، ولاسيما من الروس يخربون البلد أكثر مما يبنون - فالمهندس الروسي – على سبيل المثال – يخطط الشارع بحيث يدمر المسجد، والاقتصادي يخطط لتدمير اقتصاد البلد، وما زال المسلم الطاجيكي يشبه الإندونيسي المسلم الساذج الذي كان يحج بعد أن باع أرضه أو بيته للنصراني بحجة أن الحج فريضة؛ ناسيًا أن الحج لمن استطاع إليه سبيلًا.

ثانيًا: تحد اقتصادي: فطاجيكستان أفقر دولة في آسيا الوسطى، وهي تعاني من الفقر والبطالة وتعاطي المخدرات، بيد أن بوسعها إحياء مجدها الماضي، ففي عام ٩٩ كانت طاجيكستان تحتفل بمناسبة بمرور ألف عام على حكومة السامانيين التي حكمت قرنًا وربع قرن بلاد ما وراء النهر، لقد كانت دولة ذات حضارة إسلامية قوية، فيها ازدهرت الزراعة والصناعة، وأتقن استخراج الذهب والفضة والمعادن وصناعة وتجارة السلاح والمفروشات والملبوسات والأدوية والورق التي اشتهرت سمرقند بصناعتها، وهناك ظهر تفسير الطبري وتاريخ الطبري، وكتب شهيرة مثل كليلة ودمنة، وكتاب حدود العالم للجوزجاني، وظهر علماء كبار في الفلسفة كأبي النصر الفارابي وابن سينا وأبي زيد البلخي، وأبي سليمان سنجزي، وأبي جعفر خازم، وأبي الوفا الجوزجاني، وكانت هناك مكتبات كبيرة فيها التقت مؤلفات ابن سينا مع فلسفة أرسطو وأفلاطونـ واقتصاديًّا كانت الدولة عملاقة، وكان الجيش من أقوى الجيوش في العالم؛ لكن السلطة ضعفت حتى انقرضت، عندما تفرق الأمراء وتدخل الأجانب، فهل تعطي أمجاد الماضي والجو الديمقراطي درسًا للطاجيك؛ فلا يكرروا أخطاءهم؟

الرابط المختصر :