العنوان انتخابات في فم الأسد
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005
مشاهدات 68
نشر في العدد 1676
نشر في الصفحة 47
السبت 12-نوفمبر-2005
يفترض أن تكون الانتخابات في أي أمة نزيهة ونظيفة لتعكس رأي الأمة وإرادتها في اختيار نوابها الذين يحملون الأمانة ويسهرون على مصالحها ويقودونها إلى التقدم والفلاح، ولهذا تحتاط الشعوب وتتخذ الخطوات اللازمة لذلك لتمنع الغش والتزوير والتسلط والقهر والتلاعب فتحارب الرشوة واستغلال النفوذ والضغوط على الضعفاء وذوي الحاجة... إلخ. ومن هذه الخطوات التي تتخذ لذلك اختيار حكومة محايدة لتجري الانتخابات، وتنظمها تحت رقابة قضاء عادل ولجان من ذوي النزاهة والحيدة، وقد تحتاط الأمم فتطلب مراقبين دوليين لذلك ضمانًا لسمعة البلد وشهادة على الشفافية والنزاهة المطلقة في اختيار وكلاء عن الشعب لحكمه وريادته، وبهذا تكون الشعوب قد شاركت في المسيرة وتحملت الأمانة وساندت القرارات التي ربما تكون صعبة ومصيرية.
أما أن تكون هناك انتخابات ولا ضمانات أو خطوات تمنع التلاعب، أو التعدي والتزوير أو استغلال السلطات، فإنها ستكون لعبًا في فم الأسد، ولا حيلة للشعوب إلا أن تسير في فم الأسد، نعم، قد ضعف الأسد ولكنه يملك من الأنياب والمخالب ما يستطيع به أن يطيح بمن يشاء، وقد تساهل الأسد قليلًا ليأمن من في السيرك على أنفسهم، ولكن ذلك يكون في مساحة معينة لا تمس حماه أو تتعدى على غروره، ودكتاتوريات العالم الثالث كلها على هذا المنوال، تتجمل بالمساحيق وتتظاهر بالمودة والصدق، وهي بشعة كذوبة. وهذه الأسود المفترسة تكون أسودًا على شعوبها فقط أما على أعدائها فهي قطط، وفئران.. وصدق القائل:
أسد علي وفي الحروب نعامة... فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة بالورى... بل كان قلبك في جناحي طائر
وأمتنا الإسلامية صادفت في عصورها النحسات هذا الصنف البغيض الذي نبذه الناس وقال فيها القائل أيام نكبة الأندلس
مما يزهدنا في أرض أندلس... القاب معتصم فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها... كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد
وتجرى الانتخابات في أرض الكنانة تحت وعود بالحيدة والنزاهة وعدم السماح بالتجاوزات، ولا نريد أن تكون وعود ، عرقوب بعد ما سمعناه من غرائب عن تجاوزات مدعومة ببركات الأمن ومشمولة بنفحات السلطة الرؤوم وقد سارت ركبان الجرائد والمواقع بفيوضات كثير من الفضائح الفجة فتسمع من يقول وينشر في وسائل الإعلام يتبارى مرشحو الدولة في الإنفاق المالي لشراء أصوات الناخبين عن طريق الرشاوى، كما يتبارون في الاستعانة بالبلطجية لتأديب منافسيهم. وقد رفعوا أجر البلطجي إلى ٢٠٠ جنيه يوميا، مقابل تنفيذه للأعمال المكلف بها من ضرب المرشحين الآخرين وتمزيق لافتاتهم، وقد استعان بعض المرشحين ببلطجية من المحافظات الأخرى ممن تنطبق عليهم صفات القوة وضخامة الجسد والتشرد والوقاحة.
كما نشرت وسائل الإعلام أن الحملة الانتخابية للحزب الحاكم تبلغ 6 مليارات جنيه حسب توقعات خبراء المال والاقتصاد.
وأرجع الخبراء زيادة الرقم في هذه الانتخابات إلى زيادة تكلفة الطباعة لبرامج المرشحين والمنشورات الانتخابية وإقامة المؤتمرات الشعبية واللافتات. وكان الخبراء قد ناقشوا هذه القضية في ندوة تجربة مصر في الانتخابات البرلمانية في ظل التعددية، التي نظمها معهد الأهرام الإقليمي. وتعد قيمة هذه الفاتورة: أضعاف فاتورة عام ٢٠٠٠م على الأقل على اعتبار أن التقارير قدرت حجم الإنفاق الدعائي بالمليار ونصف المليار جنيه، وتشير الإحصاءات المبدئية إلى أن متوسط إنفاق المرشح الواحد سيتعدى المليون جنيه، وأكبر رقم تم إنفاقه في الانتخابات الحالية هو ٢٠ مليون جنيه للمرشح الواحد.
كما تبين أن سبب ارتفاع الفاتورة هو أن ١٠ من المرشحين في ٤٤٤ دائرة انتخابية من رجال الأعمال بما يوازي ٥٠٠ مرشح. ورصدت جريدة الوفد مظاهر الإنفاق والبذخ على الدعاية وتركزت هذه المظاهر في القرى على بناء المدارس والملاعب والتبرع للمساجد والكنائس وتقوم حملات الدعاية الانتخابية في معظم تلك المناطق منذ سنوات.
ومن تقاليع انتخابات ٢٠٠٥م قيام أحد المرشحين في إحدى دوائر وسط القاهرة بشراء تذاكر المباريات الأمم الإفريقية المقرر إقامتها بالقاهرة في يناير القادم بمبلغ 6 ملايين جنيه وتوزيعها على الناخبين.
وقام مرشح آخر وهو تاجر كبير بتنظيم رحلة عمرة مجانية لحوالي ٣٠٠ شخص من أبناء دائرته تكلفت وحدها حوالي مليون جنيه، كما قام مرشح في إحدى دوائر جنوب القاهرة وهو صاحب شركة استثمارية بتوزيع سلع معمرة وغسالات وثلاجات وبوتاجازات وتلفزيونات على أهالي دائرته.
وظهرت صيحة جديدة وهي اتفاق بعض المرشحين مع مطربين شعبيين مشهورين على تقديم أغان خاصة لهم بمناسبة الترشيح ووصل سعر بعض المطربين الشعبيين في بورصة الانتخابات إلى حوالي ١٠٠ ألف جنيه.
ويحرص بعض المرشحين على ضرورة وضع اتفاق في العقد مع المطرب الشعبي يحرمه من الاتفاق مع أي منافس آخر في الدائرة، كما قام بعض المرشحين بإعداد أفلام تسجيلية تشرح أعمالهم وخططهم لأهالي دائرتهم. وقاموا بطبعها على أسطوانات كمبيوتر مدمجة CD وتوزيعها على الأهالي.
وعلى جانب آخر، صعد رجال الأعمال المرشحون على قوائم الحزب الوطني من إنفاقهم على شراء أصوات الفقراء حتى وصل ثمن الصوت الواحد إلى ۳۰۰ جنيه بالإضافة إلى هدايا عينية أخرى، وقالت مصادر بنكية، إن عددًا من مرشحي الوطني لجؤوا إلى البنوك بضمانات معينة لإغراق سوق الانتخابات بالأموال التي تنفق على جلب الأصوات.
وعلى هذا، فماذا يفعل الشرفاء الذين لا يملكون إلا قوتهم وشرفهم وعلمهم وعقولهم أمام هذا الطوفان الذي يفسد الذمم ويتاجر بمستقبل الأمة ومقدراتها؟ وماذا يفعل المحترمون أمام هذا السعار والتدخلات حتى بالبلطجية والمسجلين الخطرين الذين تصطفيهم الدولة وتسلطهم على شرفاء الأمة وخيرة أبنائها وصفوة مثقفيها؟ بل ماذا يفعل المسالمون والمحبون لبلدهم أمام إرهاب الدولة وأموالها ومقدراتها المستغلة الصالح من تريد؟ بل ماذا تفعل الطاقات الحيوية أمام هذا الأسد الذي فقر فاه ويستعد بأظافره وأنيابه؟ نعم، إنها معركة ولكن الحق فيها هو المنصور بعد الجهاد والجلاد إن شاء الله، والعاقبة للمتقين، وصدق الله: ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِۚ ﴾ صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل