العنوان انتصارات الحركة الإسلامية في السودان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1980
مشاهدات 56
نشر في العدد 485
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 17-يونيو-1980
- الإسلاميون يحرزون انتصارات باهرة في انتخابات السودان.
- الجماهير المسلمة في السودان تقف وراء الحركة الإسلامية.
- ٨٠ % من دوائر المثقفين والخريجين ينالها دعاة الإسلام.
السودان: هذا القطر الشقيق، ذو العراقة الإسلامية، والتاريخ المشرف في العصر الحديث، سواء في حركة الدعوة أو الجهاد أو التبشير بالدعوة الإسلامية في صفوف الوثنيين جنوبًا. هذا القطر الشقيق يمر كغيره من أقطار عالمنا الإسلامي الرحيب بالصحوة المباركة التي بدأت رياحها تهب على الجماهير فتثير فيها الشوق والاندفاع إلى إعادة الروح لمسيرة الركب الإسلامي، متطلعة لاستئناف الحياة الإسلامية بإحلال شرع الله الخالد محل التشريعات الوضعية التي جلبت البؤس والدمار والهزيمة لأمتنا في عصرها الحديث.
فماذا في السودان من مظاهر هذه الحركة المباركة؟!
ديمقراطية فريدة!
يتمتع السودان من بين بقية الأقطار العربية بوضع فريد ويتميز عنها بأخلاق سياسة معينة، فبسبب من طبيعته التركيبية النفسية في السودان كانت الديمقراطية هي السائدة في أي حوار بين أية مجموعات مختلفة في الرأي مهما تباعدت الآراء واختلفت.
ولكن انقلاب النميري في مايو ١٩٦٩م جلب معه إلى السلطة عناصر شيوعية حاقدة خرجت على هذه القاعدة الذهبية في التعامل السياسي ودفعت النظام إلى حوار النار والدم، على مثال ما كان في جزيرة «أبا» من مجازر رهيبة، دفعت النظام في طريق مسدودة كاد يختنق فيها، ولكن حركة «هاشم العطا» الشيوعية البائسة جعلت الحكم ينقلب على الشيوعيين ويعود إلى طبيعة السودان السمحاء، ولذلك- وبعد تجارب عديدة مريرة- عاد النظام إلى الأصول الصحيحة للحكم وهي الاستفتاء الشعبي، فأجرى انتخابات عامة لمجلس الشعب في أواخر أبريل الماضي..
الإسلاميون يكتسحون الانتخابات!
خاض الإسلاميون معركتهم في هذه الانتخابات دعوة لله وإثباتًا للوجود وكانت النتائج مذهلة، فمن بين مائة مرشح إسلامي فيهم الشباب والرعاة والعلماء فاز بتفوق ثلاثة وخمسون مرشحًا في انتخابات نزيهة حرة- كما شهد الجميع- جرت فيها حملات انتخابية واسعة غطت كل السودان. والملاحظ أن الذين لم ينجحوا كان كل واحد منهم يأتي في ترتيبه مباشرة بعد المرشح الناجح، فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى الاستجابة الواسعة للجماهير المسلمة وتجاوبها والتفافها حول المرشحين الإسلاميين، لقد فاز الإسلاميون بأهم المقاعد في سبع مدن رئيسية منها: بور سودان، والغبير، وكسلا وحلفا الجديدة وشندي وفي الخرطوم فاز بثلاثة مقاعد مهمة إضافة إلى غربي السودان ووسطه وشماله، ومناطق الرعاة والمزارعين والعمل في عطبرة. وترك النجاح في دوائر الخريجين والمثقفين فحصلوا على ۱۰ مقاعد من أصل ١٣ دائرة انتخابية.
معنى النجاح سياسيًا:
لقد أكدت هذه النتيجة المشرفة أن الجماهير بعد تجارب كثيرة خلال عشرين عامًا صارت تعرف الممثلين الحقيقيين لمصالحها وأهدافها، فتحت شعار «الإسلام منهج حياة وحكم وسياسة وعبادة» خاض الإخوان معركتهم مؤيدين بهذه الجماهير التي عرفت الصادقين من غيرهم. ولقد كون الفائزون كتلة برلمانية تعتبر الأكبر في «الاتحاد الاشتراكي السوداني» الذي هو مجلس الشعب، كما تعتبر عاملًا أساسيًا في السياسة السودانية بالإضافة إلى ثلاثة مرشحين معينين وهم من الدعاة، ومن أصل ستة وثلاثين مرشحًا من مختلف الهيئات والشخصيات.
جذور الدعوة الإسلامية:
لم يأت هذا النجاح من الفراغ، بل كان له جذور ضاربة في التربة السودانية. إن الإسلام قديم في السودان فقد دخله في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخي الخليفة عثمان لأمه، ومن يومها تدفقت القبائل العربية لتستوطن السودان وتنشر الإسلام، متفرغة لدراسة القرآن وتدارسه بعد الانتهاء من أعمالها الزراعية.
فغطى الإسلام أكثر مناطق السودان، وتوقفت حركة الدعوة على حدود الجنوب الوثني فقد منعت البحيرات الاستوائية ومرض النوم وذبابة التسي تسي السامة تقدمها..
الحكم الإسلامي في السودان:
كما أن المسلمين أقاموا أول حكومة إسلامية عام ١٥٠٥م هي مملكة الفونج «سنار» وفيهم تختلط الدماء العربية الزنجية مدعين اتصالهم نسبًا بالأمويين الذين سقطت دولتهم في الأندلس، وقد قامت هذه الحكومة بعد ١٣ سنة من سقوط الدولة الأموية في الأندلس. وبعد تراجعات مستمرة شهد السودان في القرن التاسع عشر ثورة إسلامية قوية بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي. عام ١٨٨٥م و۱۳۰۰هـ وقد طرد الاستعمار وبقي ١٣ سنة حاكمًا وجاء بعده خليفته عبد الله التعايشي الذي أرسل إلى فيكتوريا ملكة بريطانية قائلًا: «اسلمي تسلمي!!» هذه الحركة كانت شديدة الخطر على الحكم الإنجليزي حتى أن واحدًا من قوادهم قال في القاهرة: إذا تركنا السودان للمهدي فإنه لا يتركنا!!
الانبعاث الإسلامي الحديث:
لقد كانت المهدية شاهدًا على فترة انبعاث إسلامي وجهاد وانطلاق ودعوة. ولكن الاستعمار الإنجليزي قضى على هذه الحركة واستمر في استعمار السودان خمسين عامًا حاول فيها طمس الإسلام من الحياة العامة متذرعًا بأحط الأساليب كادعائه بأن الإسلام سبب التخلف!! وخلال هذه الفترة كانت مصر تشهد بداية حركة الانبعاث الإسلامي الجديد على يد الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وهناك كان شباب سوداني متحمس يجمع إلى دراسته في مص، التزامًا واعيًا بالحركة الجديدة، وقد عاد إلى السودان مبشرًا بها وانطلقت البداية من جامعة الخرطوم أولًا بداية بسيطة ثم انتقلت إلى المدارس والمعاهد في خفاء وصمت، حتى بداية الخمسينات حيث ظهرت إلى السطح قوية وخاصة في صراعها مع الشيوعيين واليساريين والمنحرفين، وعلى الرغم من هذه البداية الصعبة- حتى أن بعض الشباب كان يصلي متخفيًا- فإن الأمل كان يراود المؤمنين حتى قال قائلهم مستبشرًا- وهو الطبيب المعروف علي عبد الرحمن في قصيدته «في أحياء الهجرة»:
سنسير للمجد المؤثل فوق أصنام العبيد
سنسير في وجه الرياح الهوج للنصر الأكيد
ولئن أحاط بنا الحديد فسوف نزحف بالحديد
للنور للإيمان للإسلام في غده الجديد!!
امتداد الحركة:
اتهمت الحركة الإسلامية من قبل المتنفذين بأنها دعوة طلاب وأفندية!! ولكنها برهنت من خلال أعمال كثير أنها حركة شعبية واسعة، فلقد شاركت الحركة في ثورة أكتوبر ١٩٦٤م التي بدأت من جامعة الخرطوم وأطاحت بحكم العسكر الذي يرأسه الفريق إبراهيم عبود.
ولقد ظلت الحركة لأكثر من عشر سنوات مسيطرة انتخابيًا في الجامعة والمعاهد على ٤٠ مقعدًا بصورة تامة في اتحاد طلاب جامعة الخرطوم من ۷۱ إلى ۱۹۷۹م. ولقد برهنت هذه الانتخابات الأخيرة على جماهيرية الحركة، وأنها متغلغلة في صفوف الشعب، لقد خرجت إل ى التاريخ في المدينة وإلى التجار والرعاة والمزارعين في الحقول والأرياف. لقد دخلت الحياة العامة جميعًا.
الموقف من الحكومة القائمة:
مرت العلاقة مع النظام القائم بعدة أدوار:
- المعارضة التامة: انطلاقًا من المبادئ الإسلامية التي تمنع التقارب مع حكم يساري يضم الشيوعيين ولذلك ضربت الحركة بناء على توجيههم. وقابل الإسلاميون ذلك بالصبر على المحنة.
- التقرب الحكومي: طمع الشيوعيون كما هي عادتهم بالاستئثار بالحكم كله، وقاموا بانقلاب تزعمه هاشم العطا استمر ثلاثة أيام وارتفعت خلاله ألف راية حمراء تطالب بالحكم الماركسي ولكن الله خذلهم وأعدم الشيوعيون. وصار الحكم يتقرب إلى الجماهير الشعبية.
- الجبهة الوطنية المتحدة: لكن المعارضين شكلوا الجبهة الوطنية المتحدة التي تضم «حزب الأمة، والاتحاد الوطني والإخوان المسلمين» وظلت تعمل في الداخل والخارج مدة سبع سنوات، جرى خلالها أحداث كثيرة منها: معركة جزيرة أبا ومقتل الإمام الهادي، ومعركة واد نو باي في الخرطوم ومحاولات انقلاب مخفقة، كان آخرها محاولة السيطرة على العاصمة بالزحف الشعبي حيث سيطرت الجبهة تمامًا على الخرطوم لولا بعض الخلافات والأخطاء الفنية!! وعاد النميري ثانية!
- المصالحة الوطنية: تغير الموقف بعد إعلان النميري عن لقائه مع الصادق المهدي قرب بروسودان و اتفاقه على المصالحة الوطنية وفتح المجال للصلح وتناسي الأحقاد والماضي، والعمل على بناء السودان من جديد، وهكذا تم الاتفاق على المصالحة وخرج الإخوان من السجون والمعتقلات ۱۹۷۸م، ولكن الصادق المهدي- وهو حفيد المهدي الأكبر- خفت حماسته للمصالحة، إذ ربما شعر أنه لم يحصل على ما كان يأمله من رئاسة الوزارة أو نيابة الرئيس مثلا!! وهكذا عاد المهدي يطير خارج سرب السلطة، واقفًا تقريبًا في الجهة التي يقف فيها الشريف الهندي المعارض الشديد المتعنت.
الإخوان والحكومة:
ويرى بعض المراقبين السودانيين أن الإخوان قد ارتضوا التعاون مع النظام بعد الاتفاق على برنامج يشمل الإصلاح من الداخل، وحجتهم في ذلك إبعاد النظام عن المزالق رغم اعتراض كثير من الناس لتعاونهم معه، باعتبارهم دعاة لشرع الله وتطبيقه. إلا أن الإخوان رأوا أن اغتنام الفرصة ضروري «لقطع الطريق على الشيوعيين، ولأن مجال الدعوة مفتوح وحريتها مكفولة، ولتقديم كفاءات لخدمة الوطن» فحصلوا على مقعد وزير العدل «النائب العام» الذي يشغله الدكتور حسن الترابي، وزير الداخلية الذي شغله الدكتور أحمد عبد الرحمن، وهم يعتبرون أن هذه الخطوة تمهيد للخطوات المقبلة في تعريف الناس بالإسلام، وتعديل القوانين وفق الشريعة.
موقف الجماعات الإسلامية من الإخوان
- أنصار السنة المحمدية:
لا شك أن لهذه الجماعة فضلًا كبيرًا في بعث العقيدة الصحيحة والتبشير بها قبل الإخوان، وهي قد تعاونت معهم طيلة ثلاثين سنة، ومنذ الاستقلال كانت ضمن جبهة الدستور الإسلامي، وفي جبهة الميثاق الإسلامي. وتعاونها طيب ورجالها تعرضوا للسجن والمحاكم. أما الأخبار الواردة عن معارضتهم لموقف الإخوان فيه أخبار كاذبة.
- بعض الإخوان المعارضين:
في الواقع هناك بعض الإخوان تخوفوا من التعاون مع الحكم مذكرين بتجارب سابقة مع الحكام في البلدان العربية كسوريا ومصر، وليس موقفهم انقسامًا، بل هو مجرد حركة آراء لأن الموقف برمته كان قد طرح للنقاش وأقر به التعاون بالأغلبية، ونقول هنا: إن مبدأ عدم التعاون مع السلطة قائم عند معظم الإسلاميين، ولكن المرونة ليست تفريطًا بشرع الله!! والتعاون يقطع الطريق أمام أحزاب المعارضة التي تصب جميعًا في تيار المعاداة للإسلام، كما أن السودان صار مطمعًا للشيوعية العالمية التي تطمع أن تجعل منه ومن ليبيا وأثيوبيا واليمن الجنوبي حزامًا أحمرًا يحاصر السعودية ومصر، كما فعلت في أفغانستان التي تهدد الخليج. ولكن!!
المستقبل للإسلام:
نحن على يقين من أن المستقبل للإسلام إن شاء الله، وهذا الوضع القائم الآن أفضل من سابقه بكثير، لقد دفعت حركة الشباب المسلم إلى خارج الساحة بعيدًا كل الرواسب الطائفية والقبلية والأحزاب التقليدية. وصارت الجماهير السودانية كلها تتطلع إلى الإسلامي من جديد، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: ٨٨) وصدق الله العظيم