العنوان اندماج الحركة الإسلامية في المسلسل السياسي المغربي
الكاتب محمد براو
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 84
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 09-مارس-1999
المحصلة النهائية لمشاركة حركة التوحيد والإصلاح المغربية
- دخول الإسلاميين إلى الحقل السياسي الرسمي خطوة تقدمية في سياق انفتاح تدريجي محسوب تقوده السلطة
في الانتخابات التشريعية المغربية عبر بوابة الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية لا يمكن إلا أن تكون إيجابية وتقدمية خاصة إذا استحضرنا المعطيات التالية:
- فهذه أول مشاركة جماعية منظمة للتيار الإسلامي المغربي في نشاط سياسي نوعي بتنظيم داخل المنظومة المؤسساتية والمعيارية للحقل السياسي المغربي، وهذا في حد ذاته يمثل واقعة تقدمية بالنسبة لمراقبي تحولات الحقل السياسي المغربي وسط محيط جهوي «تطحنه ضروب القمع والدكتاتوريات»، حسب تعبير راشد الغنوشي في رسالة تهنئة بعث بها لعبد الرحمن اليوسفي.
- الصدمة السيكولوجية والسياسية للمشاركة الإيجابية ونتائجها العددية والسياسية لم تترك أي متدخل أو معني قريب أو بعيد في موضع التجاهل أو الإهمال بحيث توالت ردود الأفعال بين مؤيد متحمس، ومرحب بتحفظ، ورافض متخوف، وكان من أبرز ردود الأفعال التصريح النوعي العبد الرحمن اليوسفي قبل تكليفه برئاسة الحكومة والمرحب بما حدث.
ج - استدعت المشاركة اهتمام الباحثين ومراقبي الحقل السياسي المغربي فقد نوهت ندوة «التفكير في الإصلاح» التي انعقدت بالمحمدية «21 - 22 من نوفمبر 1997م» بالأداء المتفرد للمرشحين الإسلاميين فيما يتعلق بموضوع التعبئة السياسية، كما صرح أحد الباحثين المرموقين بأن دخول الفاعل الإسلامي سينتج عنه شحن الحقل السياسي بنوع من الجدية والنظافة، ومعلوم أن هناك اعترافًا على نطاق واسع بقصور الأداة الحزبية التقليدية في توفير أغنية تعبير و«تقنيل» Canalisation المطالب الاجتماعية السياسية والنفسية لشرائح اجتماعية لا تزال على هامش اللعبة السياسية، بما يؤمل معه إعادة الاعتبار لــــ السياسة، بوصفها أداة ومجًالا للتنافس السلمي والاستدماج الاجتماعي.
د -كان هناك اتجاه استشرافي عام وسط مراقبي الحقل السياسي المغربي إلى أن حركة الإسلام السياسي المغربي تشكل قطب المعارضة الأساسي المحتمل في حال تسلم المعارضة الكتلوية «نسبة إلى أحزاب الكتلة الديمقراطية» زمام السلطة الحكومية، وقد عزز أداء الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ونتائجها العددية والسياسية هذا الاتجاه وحوله إلى اقتناع مشفوع بالواقع الملموس.
ه- المشاركة «المضبوطة» وفرت للدولة المغربية حجة إضافية على صدق استراتيجيتها الانفتاحية، كما خلفت صدى إيجابيًا واسعًا عند عموم الإسلاميين خارج المغرب، وهذا من شأنه دعم الصورة الجديدة للمغرب، وربما تثمير هذه الإضافة نوعيًا، وسياسيًا ومعنويًا على سبيل تعزيز الدبلوماسية البرلمانية والموازية بفاعل وازن جديد، وهكذا فلائحة المستفيدين تضم الدولة المغربية والإسلاميين المعتدلين والحقل السياسي المغربي والمصلحة العليا للبلاد، وهو ما دفعنا إلى اعتبار الحدث حدثًا إيجابيًا بمختلف المقاييس.
و - من المصادفات الدالة أن خندق الرافضين المتخوفين تمترس فيه كم من الحركات والفئات الموسومة بالتشدد الأيديولوجي: العلماني واليساري والإسلامي، فمنذ الإعلان عن توحيد الجناح السياسي لحركة التوحيد والإصلاح مع الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ترددت على صفحات وألسنة بعض الجهات المعروفة بتحذيرها وحذرها من «التطرف الإرهابي» القادم! الكليشيهات المعروفة التي أبدعت في حبكها الكاتبة الأمريكية اليهودية الأصل صاحبة نظرية «الخطر الأخضر»، جوديث ميلر على صفحات جريدة «نيويورك تايمز» ومجلة «فورين افيرز» الشهيرة، فقد تجرأ أحد الصحفيين وقت الإعلان عن النتائج الجزئية في برنامج مباشر على قناة «دوزيم» على التهويل ودق طبول الخوف من المقاعد الستة التي أحرزها الحزب الذي لم يقدم سوى 142 مرشحًا، وبعد الإعلان النهائي عن النتائج الرسمية لم تخل المنابر الجرائدية من مقال أو تحليل أو إشارة ولو عابرة إلى «التهديد الأصولي»، وخاصة في صحف «لا في إيكونوميك» و«الإيكونوميست» و«لاكاريت دي ماروك» مع ميزة لهذه الأخيرة، أما الرافضون المتخوفون من الصف الإسلامي فتمثلهم أساسًا العدل والإحسان وإلى حد ما جماعة البديل الحضاري النامية.
ز- من المستجدات اللافتة على الصعيد «داخل تنظيمي» في الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الانخراط القوي والبروز الصاعد لشخصيتين كانت نواياهما غير معروفة أو مدققة سابقًا، وهما محمد بنيم، القيادي والمنظر الأيديولوجي لحركة الإصلاح والتجديد الذي أحجم عن الانضمام إلى التحالف مع الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية لحظة ولادته، وعزا البعض ذلك إلى زهده السياسي، وانقطاعه للعمل الثقافي التأملي، بيد أنه ترشح في الانتخابات وحل ثانيًا متأخرًا بحفنة قليلة من الأصوات عن الفائز الأول «19 صوتًا» في إحدى مقاطعات بني ملال، لا بل إنه انخرط في المكتب الوطني للتنظيم النقابي المقرب من الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية «الاتحاد الوطني للشغل» أواخر شهر مارس 1998م، أما الشخصية الثانية فهو المثير للجدل بخصوص تموقفه وبالتالي تموقعه السياسي الديني، مصطفى الرميد مدير جريدة «الصحوة»، الجريدة التي كانت تتبع خطًا سياسيًا مواليًا لخط العدل والإحسان، غير أن انضمامه إلى قيادة حركة التوحيد والإصلاح محل صديقه الراحل عبد الرزاق المروري ثم فوزه بأحد مقاعد مدينة الدار البيضاء، منحاه مكانة لا يقل بريقها عن مكانة السيد بنكيران نفسه قائد استراتيجية الانفتاح على النظام، ولا يستبعد أن يشتد التنافس وإن على نار هادئة بين الشخصيتين على خلفية الزعامة السياسية للحركة تحسبًا لخلافة عبد الكريم الخطيب.
الاعتذار عن المشاركة في «حكومة التناوب»
الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية رفضت المشاركة في الحكومة بأدب جم يستنتج معه أن الرفض كان على مضض، وقد أطلقت إحدى افتتاحيات جريدة «العصر» الناطقة بلسان الحزب تعبير المساندة النقدية على الموقف الذي ستعتمده الحركة مع الحكومة وهو موقف متقدم نحو «اليمين» بالمقارنة مع الموقف التقليدي «المعارضة البناءة»، على أن انتقاء المصطلحات يحملنا على الاعتقاد بأن المعارضة ستكون في إطار المساندة، وذلك اعتبارًا للمعطيات التالية:
- المعارضة الحالية يتزعمها اليمين الإداري ولذلك فاستبدال تعبير المعارضة بالمساندة النقدية يراد منه أخذ مسافة عن المعارضة الحالية، ولعب دور ضمير أخلاقي للكتلة الحاكمة.
- ربما كانت الحركة الشعبية ترغب في أكثر من المقعد الواحد المعروض عليها ليكون لدورها وزن في الحكومة.
- التخوف من المحاسبة في كفة واحدة مع حكومة ليست لها فيها يد «معتبرة»، وخصوصًا أن المدى القصير ينبئ بمواجهة شرسة محفوفة بالمخاطر الإرث ثقيل وظروف اقتصادية وخصوصًا مالية صعبة.
- الإمكانات الذاتية أصلًا للحركة غير ناضجة بمعنى أن أصول الحركة فيما يتعلق بالعناصر التأهيلية الإدارية والسياسية والتكنوقراطية لا تزال أقل بكثير من «خصومها» من رأسمال المصداقية والعذرية السياسية و«ديون» الوعود والشعارات.
رؤية استشرافية
بين القراءتين الحديثتين القاتلتين بحدوث واحد من احتمالين: إما أن الأمر يتعلق بزلزال سياسي داهم أو أنه مجرد «مكيجة» إسلامية لنسق سياسي متعفن، فإن قراءتنا تميل إلى أن التقدير الراجح هو التقدير الوسط أي أن دخول الإسلاميين المعتدلين إلى الحقل السياسي الرسمي ليس بداية النهاية للديمقراطية الناهضة ببطء والسلم الاجتماعي الهش والأمان الاقتصادي المطلوب تطويره والحفاظ عليه، ولا هو مجرد لمسة ديكورية تجميلية لمعمار مؤسساتي فاسد، إنه في الواقع خطوة تقدمية في سياق انفتاح تدريجي محسوب وحذر تقوده السلطة السياسية العليا التي تقول إن التناوب كان بإرادتها هي قبل أي شيء آخر، وهي الماسكة بخيوط اللعبة، وهو في الوقت نفسه ليس منحة مجانية بدون مقابل وأهداف مباشرة أو غير مباشرة حقيقية أو وهمية حالية أو محتملة.
- ففي التحليل الاجتماعي - السياسي الذي لا يقف عند حدود الشكليات القانونية المؤسسية والحسابات السياسية الضيقة فإنه وراء عنوان الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ووراء النتائج العددية ومدى صحتها «9 مقاعد»، فإن الأمر يكرس خطوة حكيمة لمزيد من الاستدماج الاجتماعي السياسي، وبالمثل يبعث برسالة إيجابية مباشرة تجاه جمهور الإسلاميين المغاربة، وغير المغاربة إلى أن هناك إرادة سياسية عليا في التعاطي «الخاص» مع الحالة الإسلامية المغربية تعاطيًا يقطع مع محض الرؤية الكلاسيكية الأمنية، ولكن في الوقت نفسه خطوة حذرة اتخذت بعناية فائقة وتضمنت استجابة محدودة، ولكن حكيمة «جزاء وفاقًا» لجملة معطيات وإشارات وخبرة طويلة نسبيًا طمأنت السلطة السياسية العليا «ملف الحركة الإسلامية ملف محجوز لها»، إلى حسن نوايا التيار الإسلامي المعتدل، فاستراتيجية إبداء حسن النوايا «يسميها معارضوها: الاستجدائية» لا بد من أن نقطف الثمار في نهاية المطاف.
وبقدر تقدم هذه الاستراتيجية وترسخها ستتقدم وتترسخ الاستراتيجية الانفتاحية للدولة، وفي آخر التحليل فإن ما حدث مكسب متعدد الأوجه أفادت منه الدولة والإسلاميون المعتدلون وانتعش من خلاله الحقل السياسي الرسمي بحقنات من الديناميكية، ولا يستبعد في المستقبل أن يعمل الجميع - وفي ذلك مصلحة لهم - على توطيد هذا المكسب في العقل السياسي المغربي.
- من الأهداف الجانبية المهمة التي تستحق الذكر أن الحدث يندرج موضوعيًا في سياق استراتيجية هجومية شاملة على فصائل الرفض الإسلامي بزعامة العدل والإحسان لإرباك خطتها وحملها، كما قال بنكيران على «إعادة التفكير في منهجها من خلال حسم التردد في التعامل مع المؤسسات»، ومن المصادفات أن الهجوم السياسي هذا ترافق مع الصدامات الأمنية في بعض الجامعات، كما تصادف مع حملة إعلامية منسقة وعنيفة قادها الزعيم العدلي «المستقال» «أؤكد: المستقال» البشيري على خط عبد السلام ياسين الديني - السياسي - هذه المصادفات يؤمل منها أن تنتج ردة فعل، ولو بهدوء تدريجي داخل تنظيم العدل والإحسان تقطع مع عقلية الحصار مخافة المراوحة على الهامش.
- حسابيًا (9 مقاعد) وتقنيًا «غياب فريق برلماني»، فإن المجموعة البرلمانية للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ستكون معاقة من التفاعل النشط والمنتج مع تطورات الساحة البرلمانية تشريعًا ورقابة، ولكن الوزن السياسي في هذه الحالة كما في حالة حزب الاستقلال يتجاوز الوزن العددي الحسابي، إن مجرد وجود تمثيلية إصلاحية في حد ذاته قد يدفع الحاكمين الجدد إلى التفكير مرتين مخافة إغضاب التيار الإسلامي، ذلك أن النقد من جانبهم سيكون أكثر صدقية وصدى لدى الرأي العام من نقد اليمين الإداري، فمن شأنه حتى وإن اصطبغ بصيغة ديماجوجية - جدلًا - أن يؤثر على المديين المتوسط والبعيد على صورة الحكومة، وإن كان عاجزًا على المستوى التقني وفي المدى المنظور عن إزعاجها بل تهديدها بالسقوط.
لكن لا ننسى أن الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية تعمل من الآن على إيجاد «الصيغة الملائمة التي تمكنها من التعامل الفعال وستعلن عنها في حينها» «مصطفى الرميد: منسق المجموعة في البرلمان»، ويتوقع أن الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ستظل تحت الأضواء اللصيقة في حركاتها وأفعالها وتصريحات زعمائها بحسباتها المعارضة الجادة المقبلة جنبًا إلى جنب مع منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.
- تطرح التجربة الجديدة على الحركة الإسلامية المعتدلة عماد الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية وعلى الأرجح وريثتها، ما سبق أن شددنا عليه، بخصوص الحركة الإسلامية، ألا وهو اقتحام ميدان «الجهاد الأكبر»، أي العمل الجاد المثابر من أجل اكتساب الخبرة والتأهيل الاقتصادي والإداري والسياسي وتوسيع القاعدة والعمق الاجتماعيين، وتطمين واختراق الأوساط الحذرة كالنساء ورجال الأعمال والفاعلين السياسيين دوليًا، وفي الوقت نفسه، يتوقع من المجموعة لعب دور بتنسيق أو بدون تنسيق مع البرلمانيين الآخرين في سبيل تفعيل الدبلوماسية الموازية لجهة خدمة المصلحة الحيوية العليا للبلاد.
كما تطرح التجربة بالخصوص الاستعداد الإعلامي «تطوير جريدة الراية والعصر»، من أجل تفعيل وترويج الصورة الجديدة والتحضير الهادئ للبرنامج الاقتصادي الاجتماعي الإسلامي.
- يتوقع في المدى القريب على الأقل أن تستفحل حالة الاستقطاب الثنائي بين قطبي الحركة الإسلامية المغربية «العدل والإحسان»، و«التوحيد والإصلاح» بمزيد من التمايز والتباعد، ففي القراءة السياسية التكتيكية من مصلحة العدل والإحسان ألا تعطي التجربة البرلمانية للنواب الإسلاميين التوحيديين، أي إضافة نوعية ذات بعد جماهيري من شأنه أن يبعث رسالة سلبية إلى جمهور العدل والإحسان الحقيقي، وخصوصًا المفترض صوابية الخط الفكري السياسي للتوحيد والإصلاح، ولذلك لاحظنا أن الناطقين بلسان العدل والإحسان توسلوا مواقف فصائل الرفض الإسلامي «خاصة موقف البديل الحضاري»، قرينة على وجود إجماع أغلبي على خطى توجهات التوحيد والإصلاح المنضوي جناحها السياسي تحت لواء الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية.