العنوان إلى أين تسير باكستان اليوم؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1980
مشاهدات 80
نشر في العدد 480
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 13-مايو-1980
- استبداد بوتو أدى إلى قيام الحكم العسكري لضياء الحق.
- هل استبق ضياء الحق الحركة الشعبية فأجهض تطلعاتها.
من نافلة القول أن نقرر بأن أخبار باكستان تثير الاهتمام لدى العالم الإسلامي بعامة، والعربي بخاصة، وذلك لوضعها المتميز الناشئ من كونها دولة قامت أساسًا على الإسلام، ففي الوقت الذي استطاعت فيه الصهيونية إنشاء دولتها اليهودية في قلب العالم الإسلامي، قامت في شرقه دولة إسلامية، كانت نافذة النور للمسلمين، وهو يأتي عادة من الشرق، كما في المثل المعروف.. ولكن علة العلل في العالم الثالث، هذا الذي ينتمي إليه عالمنا الإسلامي، هي أنه أريد له ألا ينهض من كبوته، وأن يبقى غارقًا في مشكلاته حتى لا يعود كما كان سيدًا..
- هذا مدخل عام لمسألة الحرية في باكستان، ولا أقول الديمقراطية- ذلك التعبير الغربي الشائع الذي فقد مضمونه، وأثبت إخفاقه الذريع في العالمين الشرقي والغربي على السواء، كما لاحظ القراء في مقالة العدد الماضي عن سقوط الديمقراطية!!
عندما كان بوتو..
والآن ما هي قضية الحرية في باكستان؟ إننا لن نضرب بعيدًا في الماضي، بل سنتكلم عن الوضع ابتداءً من تسلم الجنرال محمد ضياء الحق للحكم في باكستان في انقلابه ٥ تموز ۱۹۷۷، الذي كان المسوغ له دعواه بأنه جاء لإنقاذ البلاد من الفوضى والانهيار والحرب الأهلية التي كان من أسبابها سياسة «بوتو» الرئيس السابق الذي وجهت إليه التهم التالية:
- تزوير الانتخابات العامة في آذار ۱۹۷۷.
- تسخير الأجهزة الحكومية لخدمة مرشحيه من حزب «الشعب».
- الضغط على الناخبين وتعطيل عمل لجان الفرز.
- اعتقال رجال المعارضة لمنعهم من الترشيح، ونجاح ما لا يقل عن «١٥» مرشحًا حكوميًا بالتزكية نتيجة لذلك.
- محاولات اغتيال زعماء المعارضة، وعلى سبيل المثال مقتل والد أحمد رضا قاصوري.
- الفساد السياسي والانهيار الاقتصادي..
جاء ضياء الحق بعد حركة قوية قامت بها الجماعات الإسلامية والوطنية، في إطار التحالف الوطني الذي قاده المفتي محمود، تحت راية المطالب التالية:
۱- استقالة علي بوتو.
٢- إجراء انتخاب جديد بوساطة الجهاز الإداري النزيه.
٣- تطبيق الشريعة الإسلامية.
وجاء ضياء الحق
ونتيجة لهذه الحركة جاء ضياء الحق رئيس أركان الجيش ليستجيب لرغبة الشعب وأعلن ثلاثة أمور:
۱- تطبيق الشريعة الإسلامية.
٢- إنه لا يبقى في الحكم، بل يجري انتخابًا بعد ٩٠ يومًا، ويسلم الحكم لممثلي الشعب.
٣- إنه يحسن اقتصاديات البلاد المدمرة خلال حكم بوتو الاشتراكي.
ومذ أعلن هذه الاستجابة للمطالب الشعبية هدأت الحركة والشعب الباكستاني..
إذن كان مجيء ضياء الحق أولًا وأخيرًا بسبب هذه الثورة الشعبية المؤيدة من الجماعات الإسلامية والأحزاب السياسية الممثلة في «التحالف الوطني».
حسب ما أفادنا به الأستاذ الفاضل خليل الحامدي أحد ممثلي الجماعة الإسلامية في باكستان، في مقابلة أجريت معه في «المجتمع» لنفهم حقيقة الدور الذي يلعبه الجنرال ضياء الحق في الساحة السياسية الباكستانية.
ضياء الحق بين الجدية والـ..
ولكن ما مدى التزام ضياء الحق بموعوداته المرتقبة؟
- بالنسبة للأمر الأول: طبق الحدود الشرعية، وجعلها قانون الدولة، وفوض المحاكم بصلاحية النظر في قضايا الحدود، كما أنه وضع قوانين الزكاة، ويحاول هذه الأيام تطبيقها، وأكد على الموظفين في الدولة بالالتزام بالصلاة..
وتبقى كل هذه الإجراءات غير كافية، فالإسلام ليس حدودًا شرعية فقط، إنه نظام كامل للحياة!.. وعليه فهناك خطوات كثيرة على الطريق الطويل لتطبيق الشريعة، فما الذي أعاق هذه المسيرة؟
متى الانتخابات؟!
- أما بالنسبة للأمر الثاني:
فقد جرى الإعلان عن انتخابات عامة بعد ٩٠ يومًا من الحركة، ولعل ضياء الحق كان يعرف أن هذا الأمر سهل ويسير في مجراه الطبيعي، ولكن الأوضاع كشفت له فيما بعد بأن هناك أمورًا أخرى أهم من إجراء الانتخابات، وهي محاكمة العناصر التي زورت الانتخابات الماضية، ومعاقبتها بعقوبات حاسمة، وكذلك التحقيق مع الذين نهبوا الثروات، ودمروا الاقتصاد، وقاموا بالفضائح المالية، حتى إن بعض الأحزاب رفعت شعار «الاحتساب قبل الانتخاب»، وبالفعل فقد صدر بعض الكتب السوداء التي أدانت تلك العناصر، ودعت إلى محاكمتها.
وفي خطابه الذي ألقاه بمناسبة العيد الوطني لباكستان، في آذار ۱۹۷۹، اعترف بأنه لم يتمكن من تنفيذ خطته خلال الثلاثة أشهر، «ومع ذلك فإننا لم نحد أبدًا عن الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا في ٥ تموز ۱۹۷۷، وهو إقرار الديمقراطية الإسلامية، وتحويل السلطة إلى ممثلي الشعب المنتخبين..».
وهكذا جرى الإعلان عن انتخابات جديدة في نوفمبر ۱۹۷۹، ثم أجلت هذه مرة ثانية بحجة وضع نظام انتخابات جديد وخلاصته:
١- أن يقدم كل حزب برنامجه إلى الحكومة مع بيانه الأساسي، وأنظمته والمسؤولين فيه.
٢- أن يقدم كل حزب بيانًا بمصادر تمويله!!
٣- أن تكون الانتخابات على مبدأ «التمثيل النسبي»، أي التصويت للأحزاب لا للأشخاص.
٤- كل حزب يسجل نفسه لدى الحكومة ليسمح له بالدخول في الانتخاب.
الجماعة الإسلامية والتحالف الوطني
هذه القوانين الأربعة الناظمة للانتخابات لقيت موافقة من الجماعة الإسلامية، وعارضها التحالف الوطني برئاسة المفتي محمود، وهكذا وقع الخلاف بينه وبين الحكومة، مما أعطى مبررًا لضياء الحق حتى يؤجل الانتخابات مرة ثانية، ولأجل غير مسمى؟!
وهذا الموقف أدى إلى خلاف آخر بين الجماعة والتحالف، يتسم بالمرارة من موقف الجماعة الإسلامية، هذا لأن ضياء الحق- كما صرح المفتي محمود- قد خدعهم في شروطهم.. ووصل الأمر بالمفتي إلى الدعوة للقيام بثورة ضد النظام، وأفتى بالخروج على الحاكم، وكانت مأخذ التحالف على ضياء الحق ثلاثة رئيسية هي:
التحالف قال: لا
١- إنه لم يجر الانتخابات كما وعد.
٢- لم يطبق الشرع بفاعلية وباستمرار.
3- أن التحالف يبدي شكه في ولاءات الجنرال!
الجماعة الإسلامية وسياسة المقارنة والمفاضلة
ولكن موقف الجماعة الإسلامية الآن هو كما يلي، وعلى لسان ممثلها الأستاذ خليل الحامدي في مقابلته المشار إليها سابقا:
تقوم سياسة الجماعة الإسلامية على مبدأ «المقارنة والمفاضلة»، وهي عندما تعاونت مع ضياء الحق في تطبيق الشريعة الإسلامية، وتحسين الظروف في باكستان، انطلقت من نفس السياسة، ونتائج هذا التعاون ترجح كفة المصالح على الأضرار.
نعم، إن إجراءات الحكومة في التطبيق الإسلامي غير كافية، ولذلك لا نرتاح إلى وعود الرئيس التي يبذلها كل يوم، ونطلب إجراءات تطبيقية، ولا نزال في المعركة! إذا طبقت الشريعة بوساطة الرئيس ضياء- أو بغيره- نكون أول المؤيدين له، ونحب أن نكون أصغر الخادمين له، وإذا لم يحصل ذلك، فنحن سوف نقوم بواجبنا في تحقيق غايتنا الرئيسة، وهي إقامة الحكم الإسلامي في الأرض بمعنى الكلمة!!
تطلعات مستقبلية:
إن المستقبل بيد الله، ولكن مجمل الوقائع ربما أعطى شيئًا من القبس، يبين فيه بعض ملامح المستقبل، إن الخيوط الآن بيد الجنرال، ولقد حاول بعض الضباط الموالين لأمريكا اللعب بها، ولكن أطيح بهم قبل أن تخرج أفكارهم إلى حيز الواقع، وحتى الآن تبدو مواقف ضياء الحق من بعض القضايا المطروحة جيدة، خذ مثلًا على ذلك موقفه من قضية أفغانستان واللاجئين، لقد صرح قائلًا: «على الاتحاد السوفييتي إن ينسحب من أفغانستان بدون قيد أو شرط»، وكذلك رفضه المساعدة الأميركية المشروطة البالغة ٤٠٠ مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى صفاته الشخصية التي تميزه حسب رأي المصادر الغربية- وحتى اليسارية- بأنه «شديد التعلق بأهداب الدين حتى التشنج!! وأنه عندما عين رئيسًا لأركان الجيش في ١٩٧٦ فرض على جنوده شعارًا جديدًا مثلثًا: الإيمان والتقوى والجهاد.. هذا إلى أنه قريب لطفيل محمد رئيس الجماعة الإسلامية..» .
كلمة أخيرة:
وأخيرًا هل نطمح بأن نرى الحرية على يد العسكر في إحدى بلدان العالم الثالث؟! إن جاء الأمر كذلك، فستكون مفارقة كبرى، وسابقة أولية: إن يكون العسكر هم المحامون عن الديمقراطية!!