العنوان انطلاق الماراثون الانتخابي في اليمن!
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996
مشاهدات 81
نشر في العدد 1195
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-أبريل-1996
مع حلول شهر إبريل الجاري، تبدأ السنة الانتخابية الجديدة في اليمن.. حيث من المقرر أن تجرى الانتخابات في إبريل ۱۹۹۷م لانتخاب ثاني مجلس نواب بعد تحقيق الوحدة اليمنية، وقد فرض هذا الأمر نفسه على نشاط عدد من الأحزاب والمنظمات غير الرسمية...
استعدادًا للدورة القادمة التي سوف تحسم قضايا كثيرة ما يزال الخلاف حولها قويًا على المستويات الإعلامية والسياسية والشعبية.
وتبدو الأحزاب اليمنية - سواء أكانت في السلطة أو المعارضة - أشد اهتمامًا بموضوع الانتخابات القادمة، وترتيب تحالفاتها والاستعداد لخوض الحملة الانتخابية التي يتوقع أن تبدأ مبكرًا في ظل ظروف تختلف كثيرًا عما جرى في إبريل ۱۹۹۳م.
على مستوى التحضيرات القانونية جرى تنشيط أعمال اللجنة العليا للانتخابات بإضافة أعضاء جدد إليها، كما زار الرئيس علي عبد الله صالح اللجنة، واجتمع بأعضائها لحثهم على تكثيف جهودهم.. وإن كانت تلك الزيارة قد جاءت في أعقاب نشر أخبار في الصحافة المحلية حول تعثر أعمال اللجنة وإعلان بعض أعضائها البارزين عن رغبتهم في الاستقالة لأسباب شتى، الأمر الذي بدا للرأي العام وكأن هناك رغبة في تعطيل اللجنة وتوفير أسباب لتأجيل الانتخابات عن موعدها.
على صعيد آخر نظم مركز دراسات المستقبل والمعهد اليمني لتنمية الديمقراطية ندوة حول ضمانات نزاهة حرية الانتخابات البرلمانية القادمة»، في ۲۷ - ۲۸ مارس الماضي، شاركت فيه الأحزاب اليمنية باستثناء المؤتمر الشعبي العام لأسباب غير معلنة.
معركة القانون
وعلى هامش التحضير للانتخابات القادمة تهتم الأوساط السياسية في اليمن بالإشكالات التي ظهرت بين لجنة الأحزاب وعدد من أحزاب المعارضة أثناء إجراءات تسجيل الأحزاب وإشهارها رسميًّا وفق قانون الأحزاب... حيث يعترض عدد من أحزاب المعارضة على تعامل اللجنة معها باعتبارها أحزابًا تحت التأسيس ينبغي عليها تقديم عدد من الوثائق الخاصة بالمؤسسين، إضافة إلى قائمة بأسماء «2500» مواطن من مختلف محافظات اليمن، بينما تدعو الأحزاب الرافضة إلى التعامل معها كأحزاب قائمة بالفعل.
في الإطار نفسه، نشأت بين لجنة الأحزاب والحزب الاشتراكي اليمني بشأن عدد من البنود في مشروع برنامجه السياسي والتي تقر فتح فروع للحزب في المؤسسات التعليمية والخدمية فيما يحرم قانون الأحزاب ذلك.
وعلى الرغم من أن لجنة الأحزاب قد منحت ترخيصها لعدد من الأحزاب، وأشهرت ذلك في الصحف، إلا أن المشكلة مع أحزاب مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة - الذي يقوده الحزب الاشتراكي - ما تزال قائمة.. إلا أنه من المتوقع التوصل إلى حلول وسط، خاصة أن المعارضين يعلنون أن موقفهم يهدف إلى إظهار مخالفة اللجنة للقانون الذي فرق بين الأحزاب القائمة والأحزاب تحت التأسيس.
وهناك - كذلك - مشكلة الانشقاق الذي حدث في حزب البعث العربي الاشتراكي الموالي للعراق؛ حيث منحت اللجنة ترخيصها للجناح المفصول من الحزب بعد أن تقدم بوثائق كاملة.. لكن الجناح الآخر المعترف به في بغداد ما يزال يصر على أن الشرعية الحزبية تعمل لصالحه، وأنه الأحق بالاسم... لكن ضعف هذا الجناح ووجود أمينه العام خارج اليمن، وبخاصة الجناح الآخر في كسب ولاء أبرز رجالات الحزب التاريخية والسياسية وجزء كبير من الأعضاء، كل ذلك يضعف احتمالات ترجيح كفة جناح الأمين العام.
لعبة الكراسي الحزبية
على صعيد التحالفات في السلطة والمعارضة لا تبدو الصورة النهائية واضحةً حتى الآن، لكن ثمة تفاعلات حقيقية تعتمل داخل الأحزاب تحضيرًا للانتخابات منذ الآن.
وبالنسبة للائتلاف الحاكم المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، فإن صورة التحالف اهتزت في الآونة الأخيرة بعد أن صوت غالبية نواب الإصلاح ضد موازنة العام ١٩٩٦م. وهو موقف أضاف مزيدًا من البرودة على العلاقة بين الإسلاميين وحزب الرئيس اليمني.
أما بالنسبة للانتخابات، فباستثناء ما يجري في كواليس الحزبين، فإن أحدًا لا يستطيع - حتى الآن- أن يزعم أن الحزبين سوف يتحالفان في الانتخابات أو ينسقان فيما بينها، بل إن الحديث الأخير للدكتور عبد الكريم الإرياني - أمين عام المؤتمر الشعبي – لمجلة «المجلة» مؤخرًا يعطي مؤشرًا مبكرًا عن قرار المؤتمر في دخول الانتخابات بمفرده من أجل الحصول على أغلبية تمكنه من الحكم منفردًا، فيما أبدى الإرياني أمله في أن تتقاسم بقية الأحزاب نصف مقاعد البرلمان فقط لتقوية نشاط المجلس النيابي القادم، ومع ذلك فإن ذلك لا يعني عدم توقع حدوث تحالف بين المؤتمر وحزب آخر، ولاسيما الإصلاح، الذي مازال يرتبط مع المؤتمر بائتلاف ثنائي لم يبق إلا أيام على انتهاء مهلة السماح بالانسحاب منه، أما إذا استمر الائتلاف حتى موعد الانتخابات القادمة كما هو مقرر له فحينئذ سوف تتغير الصورة أو تظل خيارات كثيرة غير محسومة حتى وقت متأخر.
وفي جانب المعارضة، تبدو المعارضة التي يقودها الجناح المنشق من حزب البعث أكثر ضعفًا، رغم أن معظم أحزابها قد حصلت على اعتراف رسمي من الدولة.. لكنها - بصورة عامة - تعد أقرب للائتلاف الحاكم، كما أنها تفتقد دواعي المعارضة القوية للسلطة، مما يجعلها أضعف صوتًا في المجتمع السياسي.
أما المعارضة الأخرى التي يقودها الحزب الاشتراكي اليمني، فهي تضم أحزابًا لكل منها ثارات أو خصومات فكرية قوية مع المؤتمر الشعبي والتيار الإسلامي الذي يمثله الإصلاح، كما أنها تضم حزبًا كالاشتراكي وما يزال لديه قواعد شعبية واسعة، وبصفة عامة فكل أحزاب المعارضة مقتنعة بأهمية التحالف فيما بينها في وجه التحالف الحاكم الذي يضم أقوى حزب يملك مقومات السلطة والنفوذ.
وأقوى حزب يمتلك نفوذًا شعبيًّا، وخطابًا إسلاميًّا قادرًا على استقطاب المواطنين، وهاتان الحقيقتان في حزبي المؤتمر والإصلاح هما أهم دافع يجمع أحزاب المعارضة التي تجمع الاشتراكيين والناصريين والبعثيين - الموالين لبغداد - والعلمانيين.
ومع ذلك، فإن نقطة ضعف هذه المعارضة هو عدم قدرتها على حسم موقفها من حزب المؤتمر الشعبي الذي تعمل قيادته على إقامة علاقات منفصلة مع كل حزب داخل المعارضة، وهو أمر أثر كثيرًا على مصداقيتها بين أنصارها، بل وبعض زعمائها الذين وجهوا انتقادات لاذعة لأداء المعارضة المتسم بالجمود والخاضع لإغراءات السلطة.
وفي الآونة الأخيرة، فشلت هذه المعارضة في اتخاذ موقف موحد في حدثين مهمين في اليمن هما قمة شرم الشيخ، والتصويت على الموازنة العامة للدولة.
وقد كشف موقف أحزاب المعارضة من المشاركة في قمة شرم الشيخ عن حقيقة التحالف بينها، حيث كان مقررًا أن يتم قراءة بيان باسم المعارضة في الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس علي عبد الله صالح لتحديد الموقف من القمة، لكن ممثلي الحزب الاشتراكي سارعوا إلى إعلان موقف مؤيد يتناقض مع بيان الرفض المعد مما جعل الناصريين يعلنون موقفًا خاصًّا بهم يعارض المشاركة.
والحدث الآخر يتعلق بالتصويت على الموازنة الجديدة للدولة؛ حيث فشلت المعارضة في اتخاذ موقف موحد برغم الانتقادات القوية التي وجهتها لمشروع الميزانية، لكن عند التصويت صوَّت كثير من الاشتراكيين مع الميزانية فيما عارضها الآخرون.
ويمكن تفسير موقف الحزب الاشتراكي من هذا الأمر بالنظر إلى سياسته التي تتجنب استثارة غضب الرئيس ومحاولة تقديم تنازلات لاستعادة ما يزعمه الحزب الاشتراكي بمقاره وأمواله التي ضاعت أو نهبت أثناء حرب ١٩٩٤م.
ومؤخرًا أعلنت هذه الأحزاب تشكيل قيادة لها برئاسة أمين عام الحزب الناصري.. فيما ابتعد الاشتراكيون عن المشاركة في القيادة، لكن انسحاب نائب الرئيس، اضطر الحزب للموافقة على تعيين أمينه العام نائبًا للرئيس، وهو منصب لا يتفق مع أهمية الحزب، لكن يجنبه أن يكون على قمة المعارضة، وبالتالي يجنبه حساسية المواجهة مع قيادة الدولة.
وإلى أن يحل موعد الانتخابات في إبريل ۱۹۹۷م، سيفرض الاستحقاق الانتخابي ظله على كل المواقف والمواجهات بين الأحزاب اليمنية وداخل المجتمع اليمني بكل فئاته السياسية والاجتماعية... فقد بدأت الانتخابات تقرع جرس الإنذار للجميع.
الإعلان عن قرب محاكمة الانفصاليين في اليمن
في تطور مفاجئ في اليمن، أعلن النائب العام اليمني أن مجموعة الـ «١٦» المتهمة بقيادة عملية الانفصال الفاشلة في صيف ١٩٩٤م، قد تم الانتهاء من إعداد الملفات الخاصة بالتهم الموجهة إليهم تمهيدًا لتقديم المتهمين إلى المحاكمة. وكانت الحكومة قد أصدرت أمرًا بالقبض على مجموعة من ١٦ شخصًا - في مقدمتهم نائب الرئيس السابق وزعيم الحزب الاشتراكي علي سالم البيض - في ذروة اشتعال معارك الحرب الأهلية اليمنية التي استمرت ستين يومًا وانتهت باستمرار بقاء اليمن موحدًا في دولة واحدة.
ويقول مراقبون: إن الإعلان المفاجئ لم يكن مرتبطًا - حقيقةً - بالانتهاء من إعداد الملفات الخاصة بالتهم، ولكن الأمر يرتبط بتصريحات أحد زعماء الحزب الاشتراكي «جار الله عمر» الذي عاد مؤخرًا من المنفى الاختياري، وهي التصريحات التي نشرتها صحيفة الحياة اللندنية، وامتنع المسؤول الاشتراكي عن إدانة الانفصال وزعمائه بإصرار قوي.
ومما زاد في غرابة الأمر، أن التصريحات جاءت في أعقاب فترة من الانفراج في العلاقات بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي، تمثلت في عقد لقاءات على مستوى عال جدًّا وبموافقة عدد كبير من الاشتراكيين في مجلس النواب على مشروع ميزانية العام ١٩٩٦م، لكن مراقبين محليين يتوقعون أن تكون تلك التصريحات جاءت كنوع من الضغط على الرئيس علي عبد الله صالح لدفعه لتحقيق أهم مطالب الحزب الاشتراكي في استعادة مقاره وممتلكاته.
الملف الأمني واحتلال حنيش: هموم العلاقات اليمنية المصرية
لم تكن زيارة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح للقاهرة مفاجئة بصورة حادة، رغم التوتر الذي حدث بين البلدين في أعقاب مؤتمر شرم الشيخ، فهناك عدد من المواضيع التي كان البلدان يدرسانها مع بعضهما، وخاصة فيما يتعلق بالاتفاقية الأمنية المشتركة وأزمة احتلال جزيرة حنيش» اليمنية، كما سبق زيارة الرئيس اليمني للقاهرة وصول وفد برلماني مصري برئاسة أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب المصري بناء على دعوة قديمة موجهة من رئيس مجلس النواب اليمني الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.
وفي ملف العلاقات اليمنية - المصرية، تتصدر أزمة حنيش أهم القضايا، حيث تحتفظ مصر بعلاقات مميزة مع النظام الحاكم في «أسمرا».
وبالنسبة للملف الأمني، فقد تم توقيع اتفاقية أمنية ثنائية، وهو الأمر الذي تأجل شهورًا عديدة نتيجة اختلاف الطرفين حول بند تسليم المطلوبين؛ حيث يرفض المصريون تعميم الأمر على أفراد المعارضة اليمنية التي قادت الانفصال، والذين يعيشون في القاهرة وينشطون فيها إعلاميًّا، بينما يصر اليمنيون على أن «مصر» ملزمة بتسليم المطلوبين من قبل اليمن مقابل إلزام اليمن بتسليم المطلوبين من قبل مصر.
ولدى المصريين قناعة قوية بأن في اليمن مجموعات من المعارضين المصريين الذين استفادوا من التسهيلات التي يلقاها العرب هناك، وأنهم استغلوا كل ذلك لتوجيه نشاطاتهم داخل مصر، بينما ينفي اليمنيون وجود نشاطات منظمة من هذا القبيل، ويعلنون عن قبولهم لتسليم المتهمين المطلوبين أمام القضاء المصري بشرط حدوث التزام مقابل تجاه المطلوبين من القضاء اليمني.
الجدير بالذكر أن السياسة اليمنية تعد العلاقات مع مصر مسألة مهمة، لاسيما في هذه الآونة؛ حيث يظل سيف الإرهاب مصلتًا فوق رأس كل دولة لا تتفق توجهاتها العامة مع الخطوط العامة للأوضاع التي يراد فرضها في المنطقة، وتلعب مصر دورًا أساسيًّا في كل ذلك.
المراقبون - كذلك - لا يستبعدون أن يبدي المصريون تحفظاتهم حول العلاقة القائمة بين الرئيس علي عبد الله صالح والتيار الإسلامي شريكه في الحكم، خاصة أن المصريين يعتبرون أن نفوذ الإسلاميين هو المسؤول عن بقاء اليمن بعيدًا نوعًا ما عن عملية «السلام»، وعن التمثيل المنخفض الذي شارك به اليمن في مؤتمر شرم الشيخ.
وبالإضافة إلى ذلك فإن العلاقات الودية التي تربط مصر بالمعارضة اليمنية الخارجية تدفع المصريين للإلحاح الدائم بالعفو عنهم، والسماح لهم بالعودة من جديد إلى صنعاء..