; انفتاح الدول الشيوعية على الحوار مع الأديان | مجلة المجتمع

العنوان انفتاح الدول الشيوعية على الحوار مع الأديان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987

مشاهدات 56

نشر في العدد 799

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-يناير-1987

  • القيادة الروسية الجديدة تحاول أن تعطي لعملية الصراع الفكري مع الإسلام هدنة طويلة.
  • مفكرو الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي يرون أن قضية الصراع مع المسيحية قد انتهت لصالحهم كليًا في الدول الشيوعية.

عندما تتكرر ظاهرة معينة في زمن واحد، فإن هذا يعني أنها ليست وليدة الصدفة، خاصة إذا كانت هذه الظاهرة ذات حساسية بالغة كما هي حال الحوار مع الأديان في البلاد الشيوعية... وظاهرة كهذه لا بد أن تكون قد مرت من دوائر الدراسات الاستراتيجية ودوائر التخطيط والإعلام على حد سواء.

إن ساحة الصراع الفكري الأيديولوجي قد انتابها شيء من الفتور في العقدين الأخيرين، وقد يكون مبعث هذا الفتور اقتناع الأطراف المتخاصمة بتعادل القوى أو صعوبة الحصول على مزيد من المكاسب لصالح قوة أو لصالح أخرى هذه القناعة استدعت إلى قراءة ثانية للمشاكل القائمة بين الأطراف المتنازعة من زوايا جديدة وإعادة طرح للعلاقات بينها مع ثبات كل منها على مبادئه.

والأطراف المعنية بهذا الصراع هي:

- الإسلام.

- المسيحية والفكر الغربي.

- الشيوعية وما يتبعها من فكر اشتراكي. 

فما الذي حدث في صفوف هذه المعسكرات الثلاثة حتى توجهت لعملية الحوار بين الشيوعية ممثلة بدول وحكومات المعسكر الشرقي من ناحية، وبين القيادات «الروحية» للمسلمين والمسيحيين من ناحية أخرى.

۱ - الإسلام:

لا شك أن الفكر الإسلامي - معتمدًا على قوته الذاتية وأنصاره القلائل قد استطاع أن يثبت للشيوعية وأنصارها في الداخل والخارج أنه قادر على صدها وهزمها..  فقد اعترفت الدوائر الشيوعية بأنها أخفقت في إيجاد موطئ قدم ثابتة لها في أي من الدول الإسلامية اللهم إلا بقوة الحديد والنار..  كما فعلت في أفغانستان وإرتيريا، بل إنها بحماقتها هذه قضت على كل إمكانية للأحزاب الشيوعية في البلاد الإسلامية في أن تحقق تقدمًا أو حتى ثباتًا في مواقعها، فانهارت هذه الأحزاب وتلاشى فكرها وفرط عقدها في أكثر من مكان كما هو الحال عليه في مصر وسوريا والمغرب العربي وجنوب شرق آسيا. بل إن منظري الأحزاب الشيوعية يرون أن شراسة الهجمة الإلحادية هي التي حركت الصحوة الإسلامية وأفقدت الشيوعيين مواقعهم كما هو الحال في السودان ومصر والجزائر وحتى العراق. 

مقابل ازدياد القوة الشعبية للشعوب الإسلامية كان هناك انحدار في قوة الحكومات الإسلامية من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية إلا أن القضية الأفغانية دفعت الحكومات الإسلامية لتشديد موقفها تجاه الاتحاد السوفياتي مما عزز موقف الشعوب الإسلامية في مواجهة التيار الشيوعي وإيقافه أو طرده إلى ما وراء الحدود.

ويبدو أن القيادة السوفياتية قد شعرت بانهزامها هذا، كما أيقنت أن رجالها داخل البلاد الإسلامية لم يعد لديهم ما يعطونه للفكر الشيوعي، فأرادت استبدال علاقاتها مع الشعوب الإسلامية وتوجيهها إلى مؤسسات ورجال التأثير في الشارع المسلم من وراء ظهر الشيوعيين العرب.

وعلى هذا فإن القيادة السوفياتية الجديدة أرادت أن تعطي لعملية الصراع الفكري مع الإسلام هدنة طويلة يتم من خلالها تبادل الوفود وقراءة الأفكار وإن أمكن حشد القوة المسلمة في مواجهة المعسكر الغربي حتى وإن أدى هذا لعملية استرضاء للعاطفة المسلمة، على صورة ما حدث من انسحاب الفيالق الروسية من أفغانستان واستعداد القيادة الأفغانية الجديدة للحوار مع المجاهدين. ومن هنا جاءت دعوة الاتحاد السوفياتي للمؤتمر الإسلامي في موسكو، فالإخفاق في التعامل مع الحكومات الإسلامية قد يعوضه بعض التفاهم مع المؤسسات والجماعات الإسلامية.

ومن هنا نفهم أبعاد انفتاح الدول الشيوعية على الحوار مع الإسلام.

٢ - المسيحية والفكر الغربي:

مفكرو الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي يرون أن قضية الصراع مع المسيحية قد انتهت لصالحهم كليًا في الدول الشيوعية.. وما يجري أحيانًا من مسرحيات دعائية ما هي إلا تحريك أمريكي بثياب نصرانية.

غير أن ساحة الصراع بين الشيوعية والفكر الغربي في أوروبا وأمريكا الجنوبية وحتى أفريقيا وآسيا أشرس في الوقت الحاضر من الصراع مع الإسلام ولكل معسكر أذرعه في المعسكر الثاني.

 والحقيقة أن الأمر غير هذا أو ذاك فالنصرانية كفكر لم تعد تشكل خطرًا على الشيوعية، بل هي الآن تمثل تركة الرجل العجوز التي تتنازع عليها القوتان الكبريان «روسيا وأمريكا وحلفيهما»، وكل منهما يحاول استخدامها سلاحًا في وجه الثاني.

 الدول الغربية.. أنهكت قوة الفاتيكان من داخله إذ حطمت قوته الاقتصادية والمالية في سلسلة من الفضائح المالية وتقويض دعائمه السياسية والاجتماعية في الدول الغربية، مما عادت تسمع له كلمة. ثم إنها دعمت الجناح الليبرالي للكنيسة الكاثوليكية في مواجهة الفاتيكان واستطاعت أن تسمي أول «بابا» إن حرضته على المعسكر الشيوعي ودبرت له مؤامرة اغتياله على يد التركي «علي آغا» متهمة بلغاريا بهذه المحاولة.

- الدول الشيوعية ... أنهكت قوة الفاتيكان أيضًا من داخله إذ شجعت ودعمت تیار «الجناح التحرري الشعبي» في البرازيل وأمريكا الجنوبية، فماد عادت تسمع له كلمة أمام «ثورة الجائعين» بل أصبحت مرمى لاتهامات رجال الكنيسة هناك أنفسهم كما يعبر عنهم الأب فرناندو كردينال وزير التربية في حكومة نيكاراغوا إذ يقول: لقد كانت الفاتيكان تخطئ على الدوام، ولكنها كانت تخطئ لصالح الأغنياء على حساب الفقراء.

فالدول الشيوعية إذا سلبت الفاتيكان رصيدها الشعبي والوحيد في أمريكا الجنوبية والفاتيكان يرى أنها خسارة لا تعوض بالنسبة له، ولهذا فالضغط على الفاتيكان من جنوب القارة الأمريكية يجبرها على إعطاء مزيد من التنازلات لصالح الفكر الماركسي يضعها مرة ثانية في مواجهة المعسكر الغربي فاستخدام الفاتيكان إذا في مواجهة القوة الغربية قد دخل في مخططات القيادة السوفياتية الجديدة. 

وخلاصة الأمر أن الدول الشيوعية رأت في عملية الحوار مع الأديان بديلًا مجديًا للمواجهة مع المسلمين أو المسيحيين، أما اليهود فهؤلاء لهم طريقتهم الخاصة من خلال التعامل بين روسيا وأمريكا وإسرائيل. 

وعلى هذا فقد تبلور الغزل الشيوعي - الكاثوليكي في المؤتمرات الأخيرة التي عقدت خلال عام ١٩٨٦، آخرها في بلغاريا، ثم بولونيا، ثم هنغاريا في 10/10/ ١٩٨٦حيث اجتمع رئيس الدولة وسكرتير الحزب الشيوعي الهنغاري يونس كادار مع الكاردينال فرانس كونغ - الرئيس السابق لدائرة غير المؤمنين - في الفاتيكان وكان الإجماع سريًا بين الاثنين صرح الكاردينال كونغ على أثره بأنه لا يستطيع إعطاء أي إيضاحات عن فحوى لقائه مع كادار، بينما صرح ناطق باسم الحزب الشيوعي الهنغاري بقوله:

«لقد جرى بحث العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والدولة الهنغارية وخاصة موضوع اللادينية إذ يمنع القانون الهنغاري على المسيحي الملتزم استلام المناصب السياسية في الدولة». 

أما اللقاء العام بين الكاثوليك والشيوعيين الهنغاريين، فقد عقد بدعوة من أكاديمية العلوم الهنغارية وسكرتارية الفاتيكان لغير المؤمنين وذلك تحت عنوان «المجتمع والقيم الأخلاقية».

وعلى هذا فإننا ننظر إلى عملية انفتاح دول المعسكر الشيوعي على الحوار مع المسلمين والمسيحيين إلى أن استراتيجية جديدة في التعامل مع مراكز التأثير الديني العالمي وهي إحدى طروحات غور باتشوف في التعامل مع العالم وانفتاحه عليه.

واعتقادي أن حوار المسلمين مع الدول الشيوعية سيكون مفيدًا في تخفيف آلام المسلمين هناك إذا ما كانت قنوات الاتصال موحدة وفاعلة كما أنه من السابق لأوانه استكشاف النوايا أو الخطوات التالية لأن المؤتمرات الأولى ستكون لجس النبض، وهذا قد يحتاج إلى مزيد من الوقت ومزيد من المعلومات.

الرابط المختصر :