; انفجار الشارع المصري، في مواجهة «المسكنات» الرسمية | مجلة المجتمع

العنوان انفجار الشارع المصري، في مواجهة «المسكنات» الرسمية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2002

مشاهدات 49

نشر في العدد 1496

نشر في الصفحة 24

السبت 13-أبريل-2002

بعد تسارع الأحداث، وازدياد حدة الشارع غضبًا وصدامًا مع قوات الأمن، وتحطيم محلات ماكدونالدز كرمز لأمريكا، والهتاف ضد الحكومة، والرئيس المصري احتجاجًا على قمع المظاهرات بدلًا من طرد السفير الصهيوني، وقطع العلاقات اضطرت السلطات للتجاوب مع الشارع المنفجر، فقد أشاد الرئيس مبارك بهذه المظاهرات ضمن إشادته بنبض الشباب فيما درست الحكومة على الفور عددًا من الخيارات لتنفيذها ضد إسرائيل، لتسكين الشارع المنفجر، فكان قرار تجميد الاتصالات.

فقد ذكرت مجلة «المصور» الحكومية في عددها بتاريخ 5 أبريل ۲۰۰۲م أن الرئيس مبارك كلف رئيس الوزراء عاطف عبيد، بعقد اجتماع وزاري خاص لبحث عدد من الخيارات والإجراءات التي يمكن أن تتخذها مصر في مواجهة العدوان الإسرائيلي الوحشي، «نظرًا لأن الرئيس مبارك يعرف التأثير المتنامي لهذا العدوان على الرأي العام المصري».

وأن عبيد عقد اجتماعًا بالفعل، حضره وزراء الدفاع والداخلية والزراعة، والخارجية، والإعلام والسياحة والمالية والبترول والتجارة الخارجية ومحافظ البنك المركزي المصري، وعقد اجتماعين لهذه المجموعة السياسية، وحضرهما أيضًا مستشار الرئيس مبارك د. أسامة الباز، ورئيسا مجلسي الشعب والشورى، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية.

وتناولت هذه اللقاءات دراسة تأثير الخيارات والبدائل التي تنوي مصر اتخاذها ضد إسرائيل على الاقتصاد المصري، وعلى العلاقات المصرية- الأمريكية على اعتبار أن واشنطن تنظر للمس بإسرائيل على أنه مس بها، وكذلك موقف مصر من قضيتي الحرب والسلام وتردد أن الخيارات التي تردد أن مصر تدرسها كانت تدور حول:

  1. إبعاد السفير الإسرائيلي واستدعاء القائم بالأعمال المصري «مصر» سبق أن سحبت سفيرها».

  2. تخفيض حجم البعثة الدبلوماسية في تل أبيب.

  3.  استدعاء السفير المصري من واشنطن للتشاور «وهو نوع من الاحتجاج الدبلوماسي على مواقف واشنطن المنحازة».

ولكن لوحظ أن الأمر انتهى إلى اتخاذ القرار الأضعف والغامض، وهو تجميد الاتصالات وحرص مبارك أن يأتي عبر المؤسسات الرسمية وليس بقرار جمهوري لإثبات أنه ليس قرار الرئيس وأن الحكومة والمؤسسات الرسمية هي التي أصدرته.

وجاء إعلان هذه الاستعدادات المصرية بدراسة بدائل الرد على العدوان الصهيوني كاستجابة مباشرة على اتساع حجم المظاهرات في الشارع المصري، وامتدادها إلى عدد كبير من المدارس والجامعات المصرية، مما عطل الدراسة بالفعل في الكثير منها التي أخليت من الطلبة، فضلًا عن التخوف من تحول المظاهرات التي اندلعت إلى مظاهرات ضد الحكومة المصرية، بعدما قام بعض طلاب الجامعات بالفعل بترديد هتافات ضد النظام في ذروة ضرب قوات الأمن لهم بالهراوات وقنابل الغاز، وخراطيم المياه، مما أدى إلى إصابة قرابة ٧٠ واعتقال ۳۱ منهم.

وربما لهذا، أشاد الرئيس مبارك به الشعور الوطني الجارف لدى الشباب تجاه «القضية الفلسطينية»، ودعا لعقد لقاءات معهم في مقار الحزب الحاكم، فضلًا عن عقد مبارك لقاء مع قادة الأحزاب السياسية المصرية لاستعراض الجهود التي تقوم بها مصر لوقف العدوان.

ومن الواضح أن دراسة البدائل التي يمكن اتخاذها ضد الكيان الصهيوني من جانب القاهرة قد راعت بقوة علاقة القاهرة بواشنطن فليس سرًا أن الأزمة الحالية أكثر توترًا بين القاهرة وواشنطن عنها بين القاهرة وتل أبيب، حيث فوجئت ومتبنيًا نفس أطروحتهم من حيث وصف عرفات القاهرة برد الفعل الأمريكي، الذي كان ليس فقط سلبيًا وواهنًا، ولكن متواطئًا تمامًا مع الصهاينة، وسلطته بأنهم يمارسون «أنشطة إرهابية» على غرار ما قيل بصدد جماعة بن لادن. 

بل إن رسالتين عاجلتين من مبارك لبوش الطلب التدخل والتحذير من العواقب، جاء رد الفعل عليهما ساخرًا بمزيد من الضغط على عرفات واتهامه بأنه سبب المشكلة، وتحديد فترة أسبوعين ليوقف الصهاينة عملياتهم على لسان وزير الخارجية الأمريكي لإعطائهم الفرصة تمامًا لتقتيل الشعب الفلسطيني!

قرار غامض!

وربما لهذا قررت القاهرة أن تراعي رد الفعل الشعبي ورد الفعل الأمريكي معًا، فجاءت الخطوة الأولى ضد الصهاينة بقطع جميع الاتصالات عدا الدبلوماسية، جاءت حلًا وسطًا «غامضًا».

فعلى الرغم من أن القرار اعتبره المطالبون بطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة فورًا ضعيفًا، إلا أن سياسيين أخرين قالوا: إن القرار الذي يفترض أنه يشمل كل الاتصالات في المجالات الأخرى، مثل العلاقات الاقتصادية، والزراعية النشطة بين البلدين وغيرها، يعتبر جيدًا بالنظر الأوراق اللعب في مصر، وأنه البداية، وينتظر أن تتبعه خطوات أخرى، وأن القاهرة ربما أرادت عدم التفريط في كل أوراق اللعب التي بين يديها، توقعًا للأسوأ، في ظل عدوان شارون، كما أن القرار يعني عمليًا قطع العلاقات، باستثناء الاتصالات بين الدبلوماسيين، وسيترتب عليه بالتالي، وقف أي لقاءات أو زيارات بين البلدين، ومنها وفود الطلاب الذين كانت ترسلهم وزارة الزراعة المصرية في إطار برنامج للتبادل. 

وقد لوحظ أن وسائل إعلام مصرية حرصت على استطلاع آراء خبراء قانون مصريين حول أحقية مصر في طرد السفير الصهيوني من القاهرة، خاصة أن رئيس الكيان الصهيوني موشي قصاب، زعم عقب تسرب أنباء بأن الأردن يدرس طرد السفير- بأن الاتفاقات الموقعة تمنع هذا، واعتبرت هذه إشارة إلى أن القاهرة تدرس هذا الخيار بقوة.

وقد أجمع عدد كبير من خبراء القانون الدولي على أنه ليس هناك ما يمنع مصر من اتخاذ قرار إبعاد السفير الصهيوني، وشددوا على أن معاهدة ۱۹۷۹ م لا تلزم مصر بالإبقاء على السفير ولا السفارة نفسها، وكل ما حددته الاتفاقية هو «وجود تمثيل دبلوماسي، لكنها لم تشترط أن يكون مؤبدًا

وقال أساتذة القانون المصريون إن إغلاق السفارة الصهيونية لا يعد إعلانًا للحرب، لأن إعلان الحرب له شروط مختلفة.

وقد فسر البعض نشر هذه الآراء، بأنه يستهدف التمهيد والقصف الإعلامي، ونقل رسائل لكل من الكيان الغاصب، وواشنطن معًا.

المعارضون قرار غير حاسم ولكن القرار الغامض نفسه يمكن قراءته بشكل آخر، باعتباره نهاية المطاف في الموقف المصري وأنه راعى رد الفعل الأمريكي لأقصي حد، إذ إن وزير الإعلام المصري -الذي أعلن القرار- قال إن: الرئيس مبارك أكد في ضوء التقارير والمناقشات مع المجموعة السياسية، أن مصر تضع المصالح العليا لشعبها فوق كل اعتبار وأن الموقف المصري تفرضه مصلحة الشعب بعيدًا عن الانفعال، هذا الكلام اعتبره منتقدو القرار إعلانًا من الحكومة المصرية، بأنها لن تتحرك لنصرة الأشقاء في فلسطين، وممارسة ضغوط على الكيان الصهيوني، عسكرية أو سياسية، لوقف عدوانه.

إسرائيل: ماذا تقصد مصر؟

وقد ألمح الصهاينة أيضًا إلى غموض القرار رغم أنهم اعتبروه «ضربة خفيفة» لهم من مصر فقد قال معلق الشؤون العربية في التلفزيون الإسرائيلي أيهود يعري: إن الرئيس المصري حسني مبارك، أصدر قرارًا يتسم قصدًا بالغموض، إذ لا يحدد القرار مثلًا إن كانت مصر ستمنع الطائرات الإسرائيلية بالهبوط في المطارات المصرية أم لا، أو إن كانت مصر ستغلق المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة، أو أنها سوف تمتنع عن بيع النفط لإسرائيل، أو حتى وقف النشاط السياحي الإسرائيلي في مصر. 

وخلص المعلق الصهيوني إلى أن الرئيس المصري قرر على ما يبدو ألا يترك الشارع المصري يحدد السياسة، أو يحرض على انتهاج سياسة تجبر مصر على اتخاذ خطوات تلحق الضرر بالأمن القومي المصري.

ورغم ذلك، فقد اعتبروه ضربة مصرية للعلاقات المصرية- الإسرائيلية، فقد قالت ناطقة باسم وزارة الخارجية الصهيونية إنه في مثل هذه الأوقات الحساسة والعصيبة يكون من الأفضل تعزيز الروابط لا خفضها.

غير أن مصادر إسرائيلية أخرى، أوضحت أن الموقف المصري، يشكل ضربة للعلاقات، ولكنها «ضربة خفيفة».

ومعروف أن المبادلات التجارية بين مصر وإسرائيل تعتبر محدودة، باستثناء صادرات النفط والغاز المصرية، في حين يعمل خبراء ورجال أعمال صهاينة، في قطاعي الزراعة والنسيج في مصر.

وربما لهذا، وصف محللون مصريون قرار الحكومة المصرية، بوقف كافة الاتصالات مع الصهاينة «عدا القنوات الدبلوماسية التي تخدم القضية الفلسطينية»، ينطوي على دلالات رمزية أكثر منها عملية نظرًا لحدودية مجالات التطبيع بين البلدين. 

فنائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية -وحيد عبد المجيد- قال: إن القرار «يعني وقف كل التطبيع بكل أشكاله، رغم أنه محدود جدًا» وأنه قرار «مهم من الناحية الرمزية وليس من الناحية العملية، نظرًا لضيق مجالات التطبيع أو التبادل التجاري بين البلدين»، وقال إن: تصدير النفط يخضع لاتفاق تجاري بين البلدين لا تتجاوز قيمته بضعة ملايين من الدولارات سنويًا أما مفاوضات تصدير الغاز فقد فشلت.

موقف أمريكا سلبي

اللافت أن الموقف الأمريكي ردًا على الخطوة المصرية ظل سلبيًا حتى حلت وزارة الخارجية الأمريكية كلًا من مصر والصهاينة على إبقاء الاتصالات بينهما وثيقة الى أقصى حد ممكن وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأمريكية سوزان بيتمان: إن «موقفنا المبدئي في هذه المرحلة الصعبة، هو أن الحوار مهم، ونشجع مصر وإسرائيل على إبقاء الاتصالات بينهما وثيقة إلى أقصى حد ممكن».

وألمح المتحدث باسم البيت الأبيض أري فلايشر ضمنًا إلى أن قرارات مصر تخالف المعاهدات التي وقعت عليها مع إسرائيل بقوله إن الولايات المتحدة «تتوقع سلفًا أن تبقي مصر على التزامها بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي لا تزال أساس الاستقرار الإقليمي»، وقال: إن هذه المعاهدة تظهر كيف نجحت أمم كانت في حالة عداء مستحكم في التقارب بفضل بعد نظر وريادة الرئيسين السادات ومبارك، إنها الروح التي يتمنى الرئيس بوش رؤيتها تنتشر في هذه المنطقة.

لكن القرار المصري لم يؤت أثره، فالحملة الصهيونية لاحتلال مزيد من المدن تواصلت، فضلًا عن رد الفعل السلبي الأمريكي.

غموض بشأن «حدود» تجميد مصر علاقاتها مع الصهاينة وتل أبيب تعتبر القرار «ضربة خفيفة»

الرابط المختصر :