; انفصال بولندا.. نهاية حلف وارسو | مجلة المجتمع

العنوان انفصال بولندا.. نهاية حلف وارسو

الكاتب عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 544

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 22-سبتمبر-1981

● الصحف العالمية تؤكد أن ما يجري في بولندا نتاج لتخطيط أمريكي مسبق.
● البابا والكنيسة النصرانية يعتبرون بولندا مسيحية لا شيوعية.
                                                                        
إن الأحداث البولندية التي أصبحت تحتل العناوين البارزة في الصحف العالمية وتتناقلها وكالات الأنباء معلنة أن هذه الأزمة الانفصالية لم تكن وليدة الساعة، بل كانت نتاج تخطيط أميركي مدروس لعبت فيه المخابرات المركزية الأمريكية دورًا كبيرًا، فقد حركت الجالية البولندية المتواجدة في الولايات المتحدة لنقل الحرية وصورة الرأسمالية والصناعية الأمريكية، التي أصبحت تحتل القمة في نظر البولنديين إلى الشعب البولندي، من خلال زيارات الصيف وقضاء الإجازة بين الأهل، كانت سلاحًا ذا حدين فلقد حرکت الشجون في نفوس البولنديين الذين يعبرون دائمًا عن كرههم الشديد لروسيا، من خلال الاستهزاء بالصناعة الروسية ومقارنتها بالأمريكية إلى أوروبا الغربية واعتبار بولندا جزءًا لا يتجزأ من أوروبا الرأسمالية، وأنهم يقعون تحت السيطرة الروسية رغمًا عنهم.
وعلى الجانب الآخر لم ينسَ البولنديون ثورة تشيكوسلوفاكيا سنة ١٩٦٨، وثورة المجر سنة ١٩٥٦، وألمانيا الشرقية قبل ذلك من خلال ثورة العمال.. هذه التحركات المطالبة بالانفصال عن حلف وارسو أثبتت للبولنديين أن ثورتهم على حلف وارسو ممكنة.
بجانب ذلك نجاح الثورة الشعبية في إيران وهي التي تابعها البولنديون بشغف، وكان نجاحها إثباتًا لقوة الشعب في الإطاحة بنظام الحكم البوليسي بسهولة، وكان في ذلك مقارنة بين واقعهم وواقع إيران.
أما الحدث الأكبر الذي طرح عدة تساؤلات قد تستطيع المخابرات الأمريكية الإجابة عنها هو: لماذا كان البابا من أصل بولندي؟ وأول عمل قام به كان زيارة بولندا مسقط رأسه، وكان استقبال البابا حارًّا عند الملايين من أهل بولندا، التي تعلنها صراحة أنها بولندا المسيحية لا بولندا الشيوعية.
وقد كان البابا بارعًا في تحريك العواطف والشجون وانهمار دموع التماسيح؛ الأمر الذي ترتب عليه انتظار البولنديين للوقت المناسب، حين وقعت الحكومة البولندية في أكبر خطأ في تاريخها الحديث، بمحاولة رفع الأسعار وهي تعلم فشل هذه الخطة من قبل، وخاصة سنة ١٩٧٠ التي راح ضحيتها ٤٧ بولنديًّا تحت رصاص البوليس.
هذه المرة كانت شرارة الثورة التي بدأت في غدانسك وامتدت إلى جميع مناطق بولندا لتدخل إلى العاصمة وارسو، وسط ذهول الحكومة وذهول الروس، الذين استدعوا سكرتير الحزب الشيوعي البولندي للتشاور، وأبلغوه بضرورة التحرك للحل السلمي دون داعٍ للتدخل الروسي، ملمحين له بما حدث في تشيكوسلوفاكيا والمجر وعاد إلى بولندا في محاولة لتحسين الأوضاع وحل الحكومة.
وتم تشكيل حكومة جديدة برئيس جديد، حيث سعت إلى الاجتماع بـ«ليش فاليسا» قائد الانتفاضة، ولم يفلح الاجتماع بالخروج بنتيجة تحت إصرار فاليسا على إثبات وجود التضامن كقوة تستطيع إذلال الحزب الشيوعي، وسعى الاتحاد السوفييتي إلى إجراء مناورتين لحلف وارسو في ألمانيا الشرقية، وتحركت قواته في تشيكوسلوفاكيا على حدود بولندا، وتحركت قوات إضافية في روسيا قرب الحدود البولندية لتخويف البولنديين ولكنها لم تفلح.
الأمر الذي يبين لنا خوف روسيا من التدخل في بولندا لإرغامها على العودة تحت لواء حلف وارسو بالقوة أن القيادة الروسية لم تنسَ قصة الـ4 ملايين بولندي، الذين هاجموا القوات الألمانية المعتدية في الحرب العالمية الثانية بانتحارية، وبسلاح تقليدي كان فيه نهايتهم جميعًا.
ومن الناحية الأخرى فإن قوات بولندا تشكل ثلث قوات حلف وارسو المدربة على أحدث الأسلحة السوفييتية المتطورة، وكان هذا هو الهاجس الذي أصبح كالبعبع في نظر السوفييت.
وعلى الجانب الآخر كان فشل السوفييت في أفغانستان، والذي كانت روسيا قد وضعت في حسابها أن دخول الـ١٠ آلاف جندي روسي سيحسم الأمر لصالحها في أسبوع، ولكن التقديرات والموازين انقلبت حين تدخلت العناية الإلهية مع ثوار أفغانستان المسلمين.
بجانب التسابق بين أمريكا وروسيا على الدول الإفريقية، وأحداث القرن الأفريقي التي كانت تقلق الروس بدرجة كبيرة؛ الأمر الذي جعل الثورة البولندية أزمة جديدة تزيد من أزمات روسيا الشيوعية.
بقي الاحتمال بتدخل القوات الروسية الورقة الأخيرة ولكن الصعوبة بالكيفية، فهل يكون ذلك بافتعال أزمة بين بولندا وألمانيا الشرقية تمهد للتدخل؟ أو تدخل من ثلاث دول بصورة سريعة وهي روسيا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا؟ أم تتحرك المخابرات الروسية لاغتيال مثيري فكرة الانفصال عن حلف وارسو؟
كل هذه الاحتمالات تقودنا إلى معرفة نقطة هامة وهي أن انفصال بولندا ونجاح ثورتها لا شك سيؤدي إلى نهاية حلف وارسو إلى الأبد.

الرابط المختصر :