العنوان انقسام في فرنسا حول معالجة ملف الهجرة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997
مشاهدات 74
نشر في العدد 1242
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-مارس-1997
أبرزت ردود الفعل على القوانين المتعلقة بالهجرة التي ناقشها البرلمان الفرنسي خلال الأسابيع الأخيرة استقطابًا حادًا بين اتجاهين داخل الرأي العام المدني والسياسي الفرنسي ويركز الأول على البعد الاجتماعي - الإنساني في معالجة ملف الهجرة في حين يمضي أصحاب الاتجاه الثاني في التركيز على البعد القانوني، وفي الطابع الزجري والردعي اعتبارًا لحسابات سياسية مرتبطة بالموعد الانتخابي المهم القادم «الانتخابات التشريعية» عام ١٩٩٨م المجتمع تحاول تحليل تصورات كل فريق والأبعاد السياسية لهذه التطورات.
وقد انطلقت الحملة الاحتجاجية الأخيرة على مشروع قانون وزير الداخلية جون لوي دوبري بسبب تضمنه أساسًا لنص يقضي بإلزام المضيف الأجنبي بإخبار السلطات بتاريخ رحيل ضيفه الأجنبي، إلى جانب نص مشروع القانون على تسهيل عملية اقتياد الأجانب في وضع غير قانوني إلى الحدود، وترحيلهم وعدم تجديد بطاقة الإقامة العشر سنوات بصفة ألية واقتراح إقامة مؤقتة لمن هم في وضعية غير قابلة للطرد أو للتسوية.
ملف الهجرة في ظل تعدد القوانين:
ولا يمكن فهم ردود الفعل المؤيدة أو المعارضة المشروع القانون الحالي بمعزل عن تطور التعامل القانوني الرسمي مع ملف الهجرة، ويعتبر وصول اليسار إلى السلطة عام ۱۹۸۱م بمثابة نقطة البداية البلورة تصورين مختلفين بل متناقضين أحيانا حول كيفية معالجة هذا الملف الحساس، ومنذ ۱۹۸۲م صدر ۱۳ قانونًا لها علاقة بهذا الموضوع، أسهمت في تغيير المعطى القانوني الذي كان سائدًا منذ ١٩٤٥م حول دخول الأجانب إلى فرنسا وإقامتهم بها.
فقد عمدت الحكومة اليسارية برئاسة «موروا» إلى تسوية وضعية ١٥٠ ألف مهاجر في وضع غير قانوني في نفس الوقت الذي أقرت فيه هذه الحكومة شهادة الإقامة التي يخول لأي شخص في فرنسا «فرنسي وأجنبي»، أن يدعو من يشاء بعد موافقة بلدية المنطقة التي يسكنها، وقد أثارت عملية التسوية استياء كبيرًا في صفوف اليمين الفرنسي، واعتبر هذا الأخير أن مثل هذه السياسة تشجع على الهجرة إلى فرنسا وعلى البحث بكل الوسائل عن الإقامة بها بالإضافة إلى تمكين مهاجرين لم يمكن لهم إقامة قانونية من العمل والتمتع بامتيازات «منح عائلية» تكون على حساب الفرنسيين أنفسهم مما يعني ارتفاع البطالة... لكن الحكومة اليسارية التزمت بالوعود الانتخابية فيما يتعلق بملف الهجرة، وفي ذلك اعتراف ضمني بدور المهاجرين في تعزيز صفوف اليسار، وتمكينه من الفوز على اليمين في الانتخابات الرئاسية لعام ١٩٨١م.
بيد أن الحكومة الاشتراكية ما فتئت تتراجع عن سياساتها الأولى تحت ضغط اليمين والرأي العام الفرنسي الذي لم يكن متحمسًا لتعاطف اليسار مع المهاجرين، وفي عام ١٩٨٤م تم إقرار مدة ستة أشهر بعد الزواج من فرنسي أو فرنسية كشرط للحصول على الجنسية الفرنسية لمن اختاروا عقد الزواج كوسيلة للإقامة في فرنسا، كما أقرت بعض الضوابط والحدود في الحصول على ما يسمى بالتجمع العائلي «التحاق عائلة المقيم وأطفاله بالمهاجر في فرنسا».
تصاعد التيار الزجري الردعي:
ومع الدخول في تجربة التعايش بين اليسار واليمين إثر فوز الأحزاب اليمينية في الانتخابات التشريعية عام ١٩٨٦م. أخذ ملف الهجرة منعرجًا جديدًا خاصة بعد القوانين الصادرة في عهد حكومة شيراك وبالتحديد وزير الداخلية في ذلك الوقت «شارل باسكوا»، فقد عمد هذا الأخير إلى مضاعفة مدة الحصول على الجنسية الفرنسية عن طريق الزواج، وعقد إجراءات الدخول إلى فرنسا لكن تبقى الإضافة الجديدة في قوانين «باسكوا» هي قيام السلطات بالطرد الفوري لمن يمثل حسب الإدارة الفرنسية «تهديدًا للنظام العام».
وكان الطابع العام الزجري والردعي لهذا القانون محل انتقاد كبير من طرف المنظمات الحقوقية والأطراف اليسارية والجمعيات المهجرية، لكن صعود الجبهة الوطنية بزعامة جون ماري لويان وتركيزها على خطورة الهجرة على «الهوية» الفرنسية أدخلا التعامل الرسمي مع ملف الهجرة في منطق التنافس الحزبي والمصلحة السياسية على حساب المبادئ، وشعارات حقوق الإنسان بالإضافة إلى استغلال اليمين لمواقعه السياسية لتمرير مشاريعه وبرامجه.
وبالرغم من محاولات الحكومات المتعاقبة الاشتراكية بإشراف «روكار» للحد من الطابع الزجري لقوانين الهجرة «إلغاء قوانين باسكوا عام ١٩٨٩م بقانون جديد يعرف بقانون جوكس وزير الداخلية في ذلك الوقت، وإقرار إمكانية اللجوء إلى القضاء قبل الفصل في أي عملية طرد وتسوية وضعية أولياء الأبناء الفرنسيين وإلغاء طرد الأجانب المولودين بفرنسا»، إلا أن الآلية الجديدة في معالجة ملف الهجرة رسميًا باتت محكومة بموازين القوى السياسية، ومع تراجع الاشتراكيين وتصاعد نجم اليمين الديغولي منذ ۱۹۹۳م وعودة تجربة التعايش بين اليسار واليمين في عهد حكومة «بالادير»، عاد باسكوا مرة أخرى كوزير داخلية ليصدر قوانين أكثر زجرية من قوانينه لعام ١٩٨٦م، فقام بالحد من التجمع العائلي. وشدد إجراءات الدخول إلى فرنسا ومدد إلى سنتين الفترة الضرورية للحصول على الجنسية الفرنسية بالنسبة للمتزوجين من فرنسيين، لكن القانون الذي أثار جدلا واحتجاجات كبرى هو الذي يتعلق بحصول المولودين في فرنسا على الجنسية الفرنسية.
فبعد أن كان هذا الأمر بالنسبة لهؤلاء إجراء إداريًا شكليًا لا يشترط فيه سن معين ولا التزام يذكر، تحول إلى عملية إثبات ولاء لفرنسا، وعليه فإن الشباب المولودين في فرنسا لا يمكنهم الحصول على الجنسية الفرنسية إلا إذا عبروا عن رغبتهم الصريحة في ذلك بداية من سن السادسة عشرة، أما من كانوا دون هذه السن فهم أجانب حتى وإن ترعرعوا على التراب الفرنسي، وبذلك تم إيقاف العمل بفلسفة الاشتراكيين في موضوع الهجرة والجنسية القائمة على «حق الأرض»، أي أن حق الحصول على الجنسية الفرنسية مضمون لمن ولد وعاش في فرنسا، وفى المقابل تم الاقتراب من فلسفة اليمين العنصري بزعامة لوبان الذي يرى الاقتصار على «حق الدم»، أي الجنسية الفرنسية مقصورة على من هم من أصل فرنسي أبًا عن جد.
الصراع بين دعاة «حق الدم» و«حق الأرض»:
وقد أثبتت العديد من الدراسات وأكد العديد من الخبراء أن «نظرية حق الدم» ليس لها أناس من الواقعية ذلك أن فرنسا تعاقبت عليها أجيال وأجيال من الأجانب، ولم يعد من السهل التمييز بين من هو فرنسى وغير فرنسي بالنظر إلى اختلاط الأعراق والأجناس على مدى قرون، ثم إن هذه النزعة لإبراز تفوق جنس أو عرق معين على أجناس وأعراق أخرى تعود بنا إلى العقلية النازية وتفوق العرق الأري والتي نتج عنها حروب مازال العالم يعاني من آثارها إلى اليوم، بالإضافة إلى انفتاح العالم على بعضه وتقارب القارات والشعوب في عصر ثورة الاتصالات والمواصلات ولا يمكن داخل هذه القرية كما يسميها البعض فصل الألوان والأجناس عن بعضها.
بيد أن تعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عصرنا الحاضر جعل الشعوب التي تنتمي إلى «الشمال» شديدة الحساسية في تعاملها مع الآخر الذي ترى فيه السبب الرئيس في مشاكلها، والمجتمع الفرنسي يأتي ضمن هذه الدائرة، الشيء الذي يفسر تزايد أنصار اليمين العنصري متمثلًا في الجبهة الوطنية بزعامة «لوبان» هذا الأخير أصبح الهاجس الرئيسي لكل بـ الحكومات الاشتراكية واليمينية لأنه استطاع.. بخطابه «الشعبوي» توسيع شعبيته والعديد من المؤشرات تدل على أن هذا الحزب سيكون هو بـ الحكم في الانتخابات التشريعية القادمة عام و ۱۹۹۸م، وهي انتخابات حاسمة بالنسبة للحكومة الحالية ومنافسها الرئيسي «الاشتراكيين»، فكل طرف عازم على كسب المعركة الانتخابية لصالحه وكل فريق مستعد لاستخدام كل «أسلحته» للانتصار على خصمه.
الدعوة إلى عصيان مدني:
في هذه الأجواء يتنزل مشروع قانون وزیر الداخلية الحالي الذي يحمل نفس الطابع الردعي الزجري لقوانين باسكوا الجديد في الأمر أن رد الفعل والاحتجاج القوي على هذا المشروع لم يأت في أول الوقت من الاشتراكية ومن الطبقة اليسارية السياسية عمومًا، بل جاء من شريحة اجتماعية- مهنية لها مركزها، وثقلها داخل المجتمع المدني وبالتحديد من العاملين في الحقل السينمائي والفني. فقد بادر هؤلاء بالتوقيع على عريضة تنتقد بشدة مشروع قانون دوبري وتدعو إلى إلغائه وكان قد سبقهم إلى ذلك بعض المنظمات الحقوقية مثل الحركة ضد العنصرية، ومن أجل الصداقة بين الشعوب، واللجنة الكاثوليكية ضد الجوع، ومن أجل التنمية، وأصدرت هذه المنظمات بيانًا يدعو إلى العصيان المدني في ١6/١2 عندما كان المشروع يعرض في قراءة أولى بالبرلمان، لكن يلاحظ أن صدى تحركات هذه المنظمات بقي ضعيفًا إلى أن حدث بعض التطورات تمثلت خصوصًا في فوز الجبهة الوطنية في انتخابات بلدية محلية بلدية فيترول»، وقد أصبحت زوجة الرجل الثاني في هذا الحزب العنصري رئيس بلدية رابعة يسيطر عليها «أنصار لوبان»، وكان هذا الحدث بمثابة ناقوس الخطر لكل العارفين بالتداعيات السلبية باكتساح «الجبهة الوطنية» للرأي العام الفرنسي.
من هذا المنطلق، كان رد الفعل قويًا من داخل المجتمع المدني الذي ربط بين هذا المعطى السياسي وبين تعامل السلطات مع ملف الهجرة، وسرعان ما تحولت عرائض الاحتجاج من طرف النخبة الفكرية والفنية المستقلة والمحبة لحقوق الإنسان إلى حركة احتجاجية واسعة كانت ذروتها المظاهرة الكبيرة في العاصمة باريس يوم السبت 22/۲ وشارك في هذه المظاهرة تجمعات الذين لا يملكون بطاقات إقامة والمهددون بالطرد في كل آن، وتضامنت الأحزاب اليسارية «الاشتراكية والشيوعية» مع هذه الحركة التابعة من رحم المجتمع.
وتتمحور هذه الحركة حول إثارة تناقضات الحكومة بين ما تصرح به من رغبة في إدماج المهاجرين الذين يقيمون بصفة قانونية، وبين سن قوانين من شأنها إلقاء الشبهة وتعميق الصورة والسلبية لدى الرأي العام الفرنسي عن المهاجرين بحجة التصدي للهجرة غير القانونية، وذهب بعض الأصوات داخل الحركة الاحتجاج هذه إلى التذكير بمرحلة سوداء في تاريخ فرنسا حين تعاونت حكومة «فيشي» مع المحتل الألماني النازي في عهد هتلر، وقد استاءت الأوساط الرسمية الفرنسية من عملية الربط بين مشروع القانون الحالي وهذه الأحداث التاريخية وإعطاء المشروع بعدًا تاريخيًا في غير أوانه.
واعتمدت الجهات المعارضة للمشروع على الواقع المر الذي تشهده عمليات الترحيل الجماعية المقيمين بصفة غير قانونية في فرنسا، وكانت الأحداث الأخيرة التي عاشها مطار باماكو عاصمة مالي دلالة على الظروف التي تتم فيها عملية الترحيل، فعند وصول الطائرة المقلة لـ ٧٧ من أصل مالي حصلت صدامات عنيفة بين هؤلاء وعناصر الأمن الذين صحبوهم في الطائرة انتهت بجرح بعض الفرنسيين من عناصر الأمن منهم اثنان بجروح بالغة، وعبر المطرودون حسب شهود عيان عن حنقهم الشديد على الأسلوب غير الإنساني الذي عوملوا به أثناء القبض عليهم وطردهم. من هنا فإن المحتجين على مشروع قانون دوبري يعتبرون أن صورة فرنسا في الخارج قد اهتزت بسبب التعامل الأمني مع المقيمين بصفة غير قانونية والتضييق على المقيمين بصفة قانونية عبر إجراءات إدارية مشددة في حصولهم على الجنسية أو فيما يتعلق بقضايا تخصهم، وذلك بهدف سحب أصوات الناخبين المؤيدين للجبهة الوطنية، وهذا الهدف السياسي هو الذي يحكم القرارات ومشاريع القوانين الصادرة عن الإدارة الفرنسية.
بين الخطاب والواقع:
ومما يؤكد هذا التوجه أن «لوبان» رئيس الجبهة أصبح أكثر اعتدادًا بآرائه بعد أن تأكد بأن حزبه بات رقمًا صعبًا في الساحة السياسية وتتناقل وسائل الإعلام تصريحات «لوبان» الصحفيين ستصدر قريبًا في كتاب جاء فيه أن الرئيس شيراك يعتمد على المنظمات اليهودية وبالأخص على منظمة «بني صهيون» أبناء التحالف، وهي منظمة يهودية ماسونية منتشرة في الولايات المتحدة، وصرح «لوبان» أيضًا بأن «شيراك» وافق على خسارة الانتخابات الرئاسية عام ۱۹۸٨م بدل التحالف معه، وذلك بالاتفاق مع المنظمات اليهودية مقابل أموال طائلة ومساندة خاصة من قبل أطراف دولية.
لم يكن رد فعل الجهات الرسمية سوى مزيد من اتهام لوبان بالسامية والعنصرية، بل عمد الرئيس شيراك إلى إبراز تضامنه مع اليهود بإحياء الذكرى ١٩٠ لقيام مؤسسة اليهود في عهد نابليون وتعتبر خير دليل على حسن اندماجهم في الشعب الفرنسي، وبهذه المناسبة القي الرئيس الفرنسي كلمة رد فيها ضمنيًا على «لوبان»، ومدح فيها دور اليهود في خدمة فرنسا والديمقراطية ونموذجهم في الاندماج وتحدث في كلمته عن التمسك بالنموذج الفرنسي وفي الاندماج الذي يفرض أن تكون فرنسا خليطًا من المجموعات العرقية- الثقافية المتلاصقة وحفاظهم على القيم التي يؤمن بها كرامة كل إنسان - التسامح - الكرم، نص على احترام الأجانب المقيمين بصفة قانونية.
بقي أن هذا الخطاب يحتاج إلى تنزيل أكثر وضوحًا بصفة أكثر عملية على أرض الواقع خاصة عندما يتعلق الأمر بالحضور الإسلامي في فرنسا، فالجالية المسلمة في هذا البلد قطعت أشواطًا بعيدة في الاندماج الإيجابي داخل المجتمع الفرنسي ويحمل عدد كبير من أبنائها الجنسية الفرنسية، لكن فرص العمل والتطور الاجتماعي والعلمي والثقافي وحتى السياسي ما زالت محدودة جدًا بالنسبة للشباب المسلم مقارنة بالجاليات الدينية الأخرى، كما أن مسلمي فرنسا محرومون إلى اليوم من هيئة أو مؤسسة تمثلهم تمثيلًا حقيقيًا الأسباب ذاتية، ولكن أيضًا لأسباب موضوعية منها بعض العراقيل الإدارية، كما أن الأجانب والمسلمين منهم بالخصوص يشعرون بأنهم ضحية الصراعات السياسية في كل مناسبة انتخابية في حين أنه ليس لهم الحق في المشاركة حتى على مستوى الانتخابات البلدية، وعمومًا فإن ملف الهجرة يحتاج إلى إعادة نظر بتصور جديد يتم فيه الأخذ بالاعتبار وجهات نظر الأطراف المعنية عبر تشريك من يمثلها في حوار جاد وهادئ من أجل الخروج بنتائج عملية ومتفق عليها.