العنوان انقلاب آخر في كابول
الكاتب مصطفى محمد طحان
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990
مشاهدات 56
نشر في العدد 960
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 27-مارس-1990
أعلنت وكالات
الأنباء المختلفة أن الجنرال شاه نواز تاناي وزير الدفاع في حكومة كابول وزعيم
جناح خلق في الحزب الشيوعي الحاكم قام مع أنصاره بانقلاب عسكري ضد الرئيس نجيب
الله، وأن الأخير اضطر للجوء إلى قاعدة عسكرية... بينما دمر الطيران الأفغاني
المنطلق من قاعدة «باجرام» القريبة من كابول القصر الجمهوري على من فيه... في
الوقت الذي أعلن رئيس النظام نجيب الله في خطاب له بثته إذاعة كابول أن محاولة
الانقلاب فشلت ووجه إنذارًا إلى الانقلابيين بالاستسلام.
وتوالت الأنباء
بعد ذلك تقول إن وزير الدفاع تاناي زعيم الحركة الانقلابية فرَّ مع زوجته وأبنائه
بطائرة هليكوبتر هبطت في «شاه كات» على بعد 20 كيلومترًا غرب بيشاور بل إن طائرة
أخرى من طراز «انطونوف» تُقِلُّ عددًا من الجنرالات حطت كذلك في شمال باكستان
وبينما أيدت وكالات الأنباء الإسلامية الناطقة باسم حكومة المجاهدين الأفغان عملية
الهروب هذه... إلا أن السلطات الباكستانية وعلى لسان الرجل الثاني في وزارة
خارجيتها تانفير أحمد خان نفى هذه الأخبار وقال إن وزير الدفاع «تاناي» جاء إلى
نقطة قريبة من الحدود الباكستانية واجتمع مع زعماء المجاهدين وعاد إلى أفغانستان
لمواصلة الكفاح.
هذه باختصار
أحداث الانقلاب الجديد الذي قام في كابول.. والذي ما زالت له بعض الذيول التي يمكن
أن تُسفر عن تطورات أخرى قد تكون هامة على الصعيد الداخلي في أفغانستان.. وعلى
صعيد حركات المجاهدين الأفغان المتمركزين في بيشاور.. بل وعلى جملة مجريات الأمور
المتعلقة بأفغانستان داخليًّا وخارجيًّا.
علامات
فارقة
ونستطيع منذ
الآن أن نضع جملة علامات فارقة هامة تحدد الطريق أمام تعدد المسارات وتحدد الهدف
أمام اهتزاز الرؤية.
1 - أن ما حدث
في أفغانستان لم يكن هو الانقلاب الأول منذ تولِّي حزب الشعب الديمقراطي مقاليد
الحكم قبل ثلاثة عشر عامًا، بل هو الانقلاب الناجح الخامس... في الوقت الذي حصلت
فيه عشرات المحاولات غير الناجحة.... ولقد تسارعت هذه المحاولات في الآونة الأخيرة
ففي 2/12/1989 حدثت محاولة انقلابية فاشلة أدت إلى اعتقال حوالي مائة من المسؤولين
في نظام كابول. وبعد أسبوع واحد في 9/12/1989 قامت محاولة أخرى فاشلة أدت إلى
اعتقال أكثر من 300 مسؤول في حكومة كابول.. ويظهر أن المحاولة الأخيرة التي وقعت
في 7/3/1990 ما هي إلا واحدة من هذا المسلسل، وحتى نفهم الهدف من هذه المحاولات
ينبغي أن نلقي شيئًا من الضوء على مجمل الأوضاع في أفغانستان.
موقف
روسيا
فعلى جبهة
الاتحاد السوفييتي الذي تدخل عسكريًّا واحتل البلاد الأفغانية قبل عشر سنوات تدرجت
أهدافه مع تطور الأحداث:
من إضافة رقعة
جديدة من البلاد الإسلامية إلى ما تضمه سابقًا من بلاد المسلمين.
إلى إقامة حكم
شيوعي قوي، بعد أن اضطر أمام تضحيات المجاهدين إلى الانسحاب من أفغانستان ملقيًا
اللوم في التدخل العسكري على القيادات السياسية والعسكرية الروسية السابقة.
ثم قبل بالتضحية
بأصدقائه الحاكمين في كابول والقبول بظاهر شاه، أو أية حكومة موسعة أخرى على شرط
ألَّا يكون للأصوليين دور رئيسي فيها، واشترط مقابل ذلك عدم التدخل في شؤونه
الداخلية، وهذا الشرط تبدو أهميته الآن بعد اليقظة الإسلامية في جمهوريات ما وراء
النهر التي تحتلها روسيا منذ فترة طويلة.
موقف
أمريكا
أما أمريكا وهي
الدولة التي تواجدت على الساحة الأفغانية أكثر من أية دولة أخرى... مباشرة أو
بالواسطة... فهي أيضًا اختلفت أهدافها وتدرجت طلباتها حسب الظروف.
ففي الأيام
الأولى للغزو الروسي، ويومها كانت الحرب الباردة على أشدها، كانت أهداف الأمريكان
إغراق الروس في الأوحال الأفغانية... ولسان حالهم يقول يوم بيوم فيتنام.. يومها
بُذلت الأموال وقُدمت أرقى أنواع السلاح مباشرة أو بالواسطة حتى أحالت وجود الروس
إلى جحيم.
وبعد خروج
القوات الروسية من أفغانستان وهدوء الحرب الباردة بين الدولتين الكبريين ومؤتمر
مالطا الذي أعادوا فيه ترتيب أزمات العالم... فقد أصبحت أهداف الأمريكان:
إجراء
حوار بين مختلف الأطراف الأفغانية.
وقف
القتال وعقد مؤتمر سلام تحت مظلة الأمم المتحدة.
توقف
واشنطن وموسكو عن شحن العتاد الحربي والأسلحة للطرفين المتحاربين.
وللوصول إلى هذه
الأهداف... أوقفت معظم الجهات ذات الصلة بالأمريكان تسليح المجاهدين... وبدأت تشكك
بقدراتهم العسكرية... وتضخم خلافاتهم... وتُقيم صلات مباشرة مع القيادات الميدانية
في سعي حثيث لتجاوز حكومة المجاهدين في بيشاور.
نتيجة
الوفاق
وهكذا التقت
أهداف الدولتين الاستعماريتين في أفغانستان... فتجد كلاهما يقابل ظاهر شاه ويطلبا
منه أن يقوم بدور ما، في عملية إعادة بناء البلد.
وتجد كلاهما
يحاول إقصاء الأصوليين عن مركز التأثير في الحكومة المقبلة.
بل وكلاهما بدأ
يهيئ الأجواء لإبقاء نجيب الله في السلطة في الفترة الانتقالية التي تسبق تشكيل
حكومة وفاق موسعة.
فما الذي فعله
الروس والأمريكان للوصول إلى هذه الأهداف المشتركة؟
أ - أوقفوا
المساعدات العسكرية... وهذا أمر واضح على الأقل في جبهة المجاهدين.. ولقد ذكر أحد
قادة المجاهدين أن أمريكا تسعى للحيلولة دون أن يحقق المجاهدون أي نصر عسكري وبذلك
تسقط مصداقيتهم... فقد قاموا بقطع الإمدادات في أحرج الأوقات مثل حصار جلال آباد
وقندهار وخوست.
ب - بدأت تطالب
المجاهدين بحكومة ذات قاعدة واسعة، عن طريق إقامة انتخابات نيابية تسفر عن
انتخابات مجلس شيوخ يتولى انتخاب حكومة موسعة وهذه القضية استقبلها المجاهدون
بمواقف متباينة.. فيونس خالص قال إن الانتخابات بدعة لا تجوز... وغولبدين انسحب من
الحكومة وقال إنه سيمضي قدمًا في الانتخابات ولو كان وحده فلا يجوز تشكيل حكومة
بدون انتخابات... أما البقية فاضطروا أن يسددوا ويقاربوا ويتخذوا خطًا وسطًا.
وواضح أن هذا
الطرح الأمريكاني مزَّق المجاهدين قبل أن يبدأوا بالانتخابات، إن الانتخابات قضية
تصاحبها مشاكل كبيرة في البلدان المستقرة فكيف في البلد الممزق وفي ظل أحزاب
متناحرة ومسلحة... وفي ظل نفوس أقرب للتشاحن والبغضاء منها للوئام والوفاق.
ج - بدأت قضايا
وتغييرات إقليمية تؤثر على نفسية المجاهدين والحكومة المؤقتة... فالتموين أكبر
مشكلة بدأت تهدد قطاعات كبرى وخاصة في شمال البلاد بالمجاعة.
وقضية كشمير
جعلت رئيس أركان الجيش الباكستاني الذي وقف حتى الآن مع المجاهدين يقول لهم أن
باكستان لا تستطيع تحمل معركتين في وقت واحد، واحدة في الجنوب والأخرى في الشمال،
وموقف رئيسة وزراء باكستان التي تدعو باستمرار إلى اعتماد أسلوب المفاوضات كحل
نهائي للقضية الأفغانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل