; انقلاب تركيا الفاشل وانعكاساته على بعض القضايا الإقليمية | مجلة المجتمع

العنوان انقلاب تركيا الفاشل وانعكاساته على بعض القضايا الإقليمية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 01-أغسطس-2016

مشاهدات 40

نشر في العدد 2098

نشر في الصفحة 14

الاثنين 01-أغسطس-2016

الحكومة التركية رغم انشغالها بملف التطهير الداخلي فإنها تعيد تقييم الداعمين لها في تلك المحنة والمتخاذلين ومن ثم تعيد رسم سياستها الخارجية 

من المتوقع أن يكون هناك دور أكبر لتركيا في الملف السوري في الفترة القادمة بشروط أنقرة وعلى رأسها رحيل الأسد عن السلطة قبل أي حوار سياسي

غندي عنتر

  فاجأ الانقلاب العسكري الفاشل الذي هز تركيا في منتصف يوليو 2016م الجميع من مراقبين ومحللين وسياسيين، وأثار حالة من الارتباك والدهشة داخلياً وخارجياً، وزاد من حالة التوتر التي يعيشها الإقليم منذ اندلاع الربيع العربي قبل 5 سنوات كون تركيا لاعباً رئيساً في المنطقة، وما يحدث فيها –بلا شك- سيكون لها انعكاساته المباشرة على بعض القضايا الإقليمية.

فمنذ إحباط مخطط الانقلاب وردود الأفعال الدولية والإقليمية تتوالى بعدما صمتت بعض هذه القوى لمعرفة أين ستكون الكفة الراجحة، بينما تضامنت دول مع الانقلاب ضمنياً في ساعاته الأولى، لكنها سرعان ما تراجعت بعد تغير المشهد لصالح الشرعية الدستورية ومن ثم دعمت الحكومة التركية.

الحكومة التركية رغم انشغالها بملف التطهير الداخلي من جماعة فتح الله كولنالتي تتغلغل في مفاصل الدولة بالكامل، وتتهمها حكومة العدالة والتنمية بتدبير الانقلاب ورعايته من بدايته حتى فشله، فإنها تعيد تقييم الداعمين لها في تلك المحنة والمتخاذلين، ومن ثم تعيد رسم سياستها الخارجية مع وضعها الجديد الناجم عن المحاولة الفاشلة.

حتى الآن يبدو وضع حكومة أردوغان ورفقائه أقوى من ذي قبل، فالفرصة الذهبية التي منحتها إياها المحاولة الفاشلة، والتي ظهرت في زيادة شعبية العدالة والتنمية بعد نداء الرئيس التركي للشعب بالنزول إلى الشوارع، وإحباط الانقلاب ورغبة الأتراك العارمة في الحفاظ على المتكسبات الديمقراطية التي اكتسبوها خلال الـ 14 عاماً الماضية، سيجعل هذا الدعم والتأييد الشعبيان المسؤولين الأتراك يعيدون نظرتهم لبعض الملفات الإقليمية الشائكة؛ مثل الوضع في الجار السوري، وكذلك الموقف من الاتحاد الأوروبي وانضمام أنقرة إلى اليورو، وأيضاً الوضع في فلسطين.

وفي السطور القادمة سنحاول تسليط الضوء على أبرز هذه الملفات وانعكاسات الانقلاب الفاشل عليها.

 أولاً: الأزمة السورية

منذ اندلاع الثورة في 2011م حتى الآن وتركيا لاعب رئيس فيها؛ فعلى الجانب الإنساني استقبلت تركيا نحو 3 ملايين لاجئ سوري هربوا من ويلات الحرب إليها، منهم من استقر في البلاد ومنهم من اتخذها طريقاً للهجرة إلى أوروبا بلا عودة. أما سياسياً فلا يزال الموقف التركي حيال بشار الأسد ثابتاً، ولم يتزعزع وهو رحيل رأس النظام إما بالقوة أو بالسياسة، وهذا ربما يوضح الفرحة التي اعترت نظام الأسد ومؤيديه في الساعات الأولي للانقلاب، حينما كانت الأمور تسير لصالح الانقلابيين قبل أن يتمكن الشعب التركي من إحباط المحاولة.

وبعد المحاولة الفاشلة من المتوقع أن يستمر الموقف التركي الداعم للمعارضة السورية كما هو رغم الحديث عن قرب تسوية سياسية برعاية روسية أميركية، تتضمن قبول تركيا والأطراف الأخرى المعنية بقاء الأسد لفترة انتقالية وبعدها يرحل الأسدـ، لكن بعد الأحداث الأخيرة في تركيا ستعد هذه المبادرة -حتى ولو صحت- في طي النسيان خاصة بعد حملة التطهير التي يقودها حزب العدالة والتنمية في البلاد،  ولا سيما في المؤسسة العسكرية من جماعة فتح الله كولنالمتهم الأول في المحاولة الفاشلة، وإذا ما نجح التطهير بالكامل فسيتغير الموقف التركي من سورية إلى فكرة التدخل العسكري في المناطق الشمالية السورية للقضاء نهائياً على فكرة تدشين دولة كردية تؤجج الصراع التركي الكردي في الداخل، وتصبح بداية لانفصال محافظات كردية محاذية للحدود السورية وهو الأمر الذي ترفضه أنقرة بشدة ولن تسمح به.

قبل أيام من الانقلاب بدا الموقف التركي متساهلاً حيال الوضع في سورية في ظل حزمة المواقف المتصالحة التي شرعت فيها أنقرة حيال الملفات الشائكة مثل: عودة العلاقات مع روسيا، والتطبيع مع الكيان الصهيوني، وظهور مؤشر إيجابي لعودة العلاقات المتوترة مع القاهرة، لكن الأحداث الأخيرة قد تكون وضحت سبب إعادة رسم سياسية أنقرة الخارجية ربما لإدراك القيادة السياسية لحالة الاختراق التي تعاني منها كل المؤسسات التركية لجماعة كولن، والتي اتضح لأردوغان ورفاقه أن الكيان الموازي يسعى لتوريط الحكومة والرئيس في صراع خارجي كما حدث مع روسيا، يمهد لفكرة انقضاضهم بالكامل على الدولة، لا سيما بعدما كشفت التحقيقات الأخيرة عن اعتقال الطيار الذي أسقط الطائرة الروسية في أكتوبر الماضي -دون أوامر صريحة من القيادة السياسية- لمشاركته في الانقلاب الفاشل، ومن ثم فمن المتوقع أن يكون هناك دور أكبر لتركيا في الملف السوري في الفترة القادمة بشروط أنقرة، وعلى رأسها رحيل الأسد عن السلطة قبل أي حوار سياسي في البلاد.

ثانياً: العلاقة مع الاتحاد الأوروبي

بعد أيام من استقالة البروفيسور أحمد داود أغلو من رئاسة الحكومة التركية بدت العلاقة بين أنقرة والاتحاد الأوروبي متوترة في ظل الحديث عن وقف المشاورات حول انضمام تركيا لليورو بسبب عدم التزامها ببعض معايير الاتحاد، وصل هذا التوتر ذروته بعد ساعات من محاولة الانقلاب لا سيما بعد التصريحات السلبية والانتقادات اللاذعة التي وجهتها عواصم أوروبيةلأردوغان الذي لم يصمت طويلاً حيالها بل رد صاع الانتقادات صاعين، حينما وجه حديثه لفرنسا قائلاً: «إنهم لا يعرفون الديمقراطية وسنعلمها لهم»، هذه التصريحات كانت موجهة بالأساس لكل دول الاتحاد الأوروبي، التي تنظر إلى الإجراءات التي تعكف عليها أنقرة لحماية أمنها القومي، وحملة الاعتقالات ضد رجال كولنعلى أنها انتهاك لحقوق الإنسان، كذلك ما زاد من حدة التوتر بين أردوغان والأوربيين، التصريحات الألمانية حول وقف محاولات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إذا ما قامت بتنفيذ أحكام الإعدام حيال المتورطين في الانقلاب.

فمن المتوقع أن تستمر حالة التوتر بين الجانبين في حال مضي أنقرة في تنفيذ أحكام الإعدام بحق رؤوس الانقلاب حتى تنتهي فكرة الانقلاب العسكري في تركيا إلى الأبد، ومن ثم فهذا الإجراء إذا ما تم فسينهي تماماً على مفاوضات دخول تركيا إلى اليورو الذي يعرفأردوغان ورفقاؤه أن المفاوضات مع أوروبا لن تكتمل؛ لأن السبب الرئيس -من وجهة نظر الأتراك- الذي يمنع انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي هو أن تركيا دولة مسلمة وليس شيئاً آخر، وما سوى ذلك يعد مبررات لا أكثر.

لدى تركيا أوراق ضغط على الأوروبيين ما زالت في جعبتها وهى أزمة اللاجئين التي تمسك بزمام أمورها؛ فالاتفاق الذي تم قبل أشهر بين أنقرة والدول الأوروبية لوقف تدفق اللاجئين إليها مقابل إحياء مفاوضات الانضمام لليورو أصبح هشاً للغاية بعد الانقلاب العسكري رغم تصريحات الأتراك حول بقاء العمل بهذه الاتفاقية، وهو ما يعد رسالة طمأنه لا أكثر لكسر حدة الانتقادات الأوروبية، لكن من المتوقع أن تغض تركيا الطرف عن  دخول الآلاف إلى أوروبا في الفترة المقبلة للضغط على دول الاتحاد للتفكير جدياً في الانضمام للاتحاد الأوروبي، لا سيما في ظل حاجة اليورو الآن لدولة مثل تركيا، بعد انسحاب بريطانيا منه للحفاظ على كيان الاتحاد.

ثالثاً: القضية الفلسطينية 

التطبيع التركي مع الكيان الصهيوني الذي تم الاتفاق عليه قبل أقل من شهر جاء في ظرف طارئ لتركيا التي أبدت بعض التنازلات -مثل تنازلها عن مطلب رفع الحصار بالكامل عن قطاع غزة المحاصر- بسبب حالة العزلة السياسية التي وقعت فيها أنقرة بعد توتر علاقاتها مع روسيا ودول أخرى جراء مواقفها السياسية الداعمة لشعوب المنطقة، ومن ثم يظل استمرار التصالح مع الكيان الصهيوني مرهوناً بعدم تورط إسرائيل في محاولة الانقلاب الفاشلة، وهو احتمال وارد بشدة، ولكن إذا ما ثبت لأنقرة تورط إسرائيل في تلك المحاولة فسيكون رد الفعل التركي مختلفاً تماماً، وستسير الأمور في اتجاه التوتر وبقاء العلاقات بين البلدين في أدنى مستوياتها.

فيما يخص الوضع في فلسطين، فإن التصريحات والمواقف الداعمة التي قامت بها فلسطين حيال محاولة الانقلاب ستعزز الشراكة بين أنقرة والفصائل الفلسطينية التي رفضت الانقلاب العسكري في ساعاته الأولى، وجددت دعمها لأردوغان وحكومته، في الوقت الذي كانت دول العالم تراقب الوضع حتى تتخذ موقفاً مناسباً من تلك الأحداث، كذلك التصريحات الداعمة التي خرجت من خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس للحكومة التركية ستدفع في اتجاه زيادة الدعم التركي للقضية الفلسطينية، وستحاول أنقرة تقديم مزيد من الدعم السياسي والإنساني للقطاع المحاصر، كما ستستمر أنقرة في الضغط على إسرائيل من أجل تدشين ميناء غزة التي وعدت بها قبل التطبيع مع إسرائيل، من أجل فك الحصار ولو جزئياً عن القطاع المحاصر.

الخلاصة:

ما حدث في تركيا في 15 يوليو 2016م، بلا شك سيكون له ما بعده في عدد من الملفات الإقليمية، 

لاسيما بعد نجاح العدالة والتنمية في ترسيخ الديمقراطية والقضاء نهائياً على فكرة الانقلابات العسكرية.>

الرابط المختصر :