; اهتزاز الإدارة الأمريكية إثر صفقة ريغان مع إيران | مجلة المجتمع

العنوان اهتزاز الإدارة الأمريكية إثر صفقة ريغان مع إيران

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1986

مشاهدات 62

نشر في العدد 797

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 23-ديسمبر-1986

لم تهدأ بعد الزوبعة التي أثارتها صفقة الأسلحة الأمريكية إلى إيران وما زالت تعصف بالإدارة الأمريكية وقد أسقطت حتى الآن أربعة من كبار مساعدي الرئيس ريغان وفي مقدمتهم مستشاره الأسبق لشؤون الأمن القومي جون بويند كستر ونائبه المقدم أوليفر نورث ولا زالت هذه الفضيحة تتفاقم ويتسع نطاقها على مستوى الإدارة الأمريكية مما دعا الكونغرس إلى تشكيل لجنة من ١٥ عضوًا على غرار لجنة ووتر غيت لتقصي الحقائق وقد حققت هذه اللجنة مع ويليام كايبس مدير المخابرات «السي إي إيه» والملقب بالجاسوس ووزير الخارجية جورج شولتز ووزير الدفاع غاسبار وأينبرغر وكبير موظفي البيت الأبيض دونالد ريغان الملقب بالخادم وأصبح شبه مؤكد أن يمثل ريغان نفسه أمام هذه اللجنة ليدلي بشهادته في هذه القضية التي صارت موضوع الساعة في الولايات المتحدة الأمريكية واستمرار تطورات هذه القضية على مدى أكثر من شهرين وتفريخها لعدة فضائح يوحي بأن الأمر لا يعدو مجرد صفقة أسلحة سرية كشف أمرها بل إن الأمر أكبر من ذلك بكثير وأن وراء الأكمة ما وراءها.

متفقون على المبدأ والاختلاف على الأسلوب فقط:

ليست هذه أول مرة يكشف فيها النقاب عن صفقة أسلحة سرية، ولكن لم يحدث من قبل أن أشار انكشاف صفقة سرية ما أثارته الصفقة الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية من ضجة ويبدو من المعقول أن يتسبب افتضاح أمر تلك الصفقة في حرج كبير للمسؤولين الإيرانيين. في حين لم يكن أحد يتوقع أن تحدث الصفقة كل هذا الجدل وكل هذا الضجيج على الجانب الآخر في مستوى الإدارة الأمريكية.

ولو رجعنا إلى الأطوار الأولى لهذه القضية لرأينا أن الإدارة الأمريكية بمختلف مؤسساتها متفقة على مبدأ إرسال الأسلحة للنظام الإيراني كبداية لفتح قنوات اتصال معه وأنه لا أحد سواء في البيت الأبيض أو في وكالة المخابرات أو في مجلس الأمن القومي أعرب عن معارضته للمبدأ وقد أطنب دونالد ريغان ونائب الرئيس بوش في تبرير الصفقة لمن قد يغيب عنه التكتيك الأمريكي من ورائها حيث طرح السؤال التالي: لماذا فتحنا الحوار مع إيران وهي التي أمعنت في إذلال الولايات المتحدة بخطف دبلوماسييها؟ ثم أجاب قائلًا: «انظروا إلى الخريطة.. نحن قد لا نحب النظام الإيراني الحاضر، ولكنه أمر في غاية التجرد من المسئولية أن تتجاهل أهميتها الجغرافية والسياسية والاستراتيجية». ثم أردف يقول: ذلك لا يعني أنه يترتب علينا أن نسترضي أي نظام إيراني إلا أنه يعني أننا لا نستطيع تجاهل التحول الذي سيحدث قريبًا في إيران فسوف يتولى السلطة نظام لاحق، ويجب أن يكون في وضع نخدم فيه مصالح أمريكا».

أما ما يقال عن مقايضة الرهائن بالأسلحة فذلك لم يكن سوى فعلة وسببًا آخر لفتح طريق لإيران ويقول بوش في هذا الصدد: «بالرغم من شعورنا المرير تجاه زعامة إيران فإن الولايات المتحدة كانت ستحاول بدء حوار مع إيران سواء أكانت لدينا رهائن في لبنان أو لم تكن».

ثم إن ريغان نفسه قد وافق على إرسال الأسلحة إلى إيران وقد اعترف بذلك ولم يحاول إنكاره مثلما يحاول إنكار علمه بتحويل أموال الصفقة إلى مرتزقة «الكونترا» في نيكاراغوا فالمشكل إذن ليس في مبدأ إرسال أسلحة إلى إيران بل في بيان وتوضيح التناقض الظاهر بين السياسة الأمريكية المعلنة وما كانت الإدارة الأمريكية تقوم به في السر وأكبر دليل على ذلك هو أن الولايات المتحدة وبريطانيا مستمران في تزويد إيران بالأسلحة وقد ذكرت صحيفة «الديلي ميل» اللندنية أنها تأكدت منذ أيام قليلة من أن صفقة قد تمت بين إيران وشركة «ماركس» الأمريكية ومقرها في ألاسكا لبيع إیران ثلاث طائرات نقل من طراز هيروكليز بمبلغ ۳۲ مليون دولار.

ومن جهة ثانية قلل المسؤولون الأمريكيون من قيمة الصفقة مع إيران حتى لا تظهر وكأنها خرق خطير للحظر المفروض على تزويدها بالأسلحة قد يؤدي إلى الإخلال بميزان القوى في المنطقة فقد ذكر بوش: «إن هذه الصفقة لا تمثل سوى عشر من واحد في المائة من الأسلحة التي قدمتها دول أخرى لإيران وبالتالي لم تكن تلك الصفقة سوى فرصة لتصفية حسابات بسبب الأسلوب الذي اتبع في تنفيذها من جهة وبسبب نتائجها العكسية على السياسة الأمريكية بعد أن انتفخ أمرها من جهة ثانية».

علينا أن لا تنخدع إذن بهذه الضجة وبما يطلق فيها من عبارات مثيرة حول الفضيحة فالسياسة الأمريكية هي هي والمبادئ الأمريكية هي هي، ولكن السؤال المطروح بالنسبة للإدارة الأمريكية هو كيف يمكن تنفيذ تلك السياسة وتطبيق تلك المبادئ دون ضرر ممكن أو بأقل قدر من الضرر، وها هو رئيس لجنة التحقيق في الفضيحة دور ينبرغر يصرح قائلًا: «أيًا كان الشخص الذي قام بالعملية «يقصد تحويل أموال الصفقة إلى الكونترا في نيكاراغوا» فقد قام بها دون تفويض سليم وملائم» ثم يضيف «إن الرئيس ريغان يريد بوضوح دعم المرتزقة في نيكاراغوا لكنه لم يرغب على الإطلاق أن يأتي هذا الدعم بأساليب «غير مشروعة» والأسلوب المشروع في العرف الأمريكي هو الذي لا يعري حقيقة السياسة الأمريكية ولا يفضحها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي ولعل حرص الرئيس ريغان على هذه المشروعية هو الذي دعاه للإتيان بالإرهاب المتمرس ورجل المهمات السرية «فرانك كارلوسي» وتعيينه على رأس مجلس الأمن القومي.

كيف تضررت الإدارة الأمريكية من الصفقة؟

  • انخفضت شعبية ريغان وتشوهت سمعة إدارته:

لقد أدى انكشاف الصفقة إلى نتائج عكسية تمامًا بالنسبة للإدارة الأمريكية وتساقطت الآمال المعلقة عليها كأوراق الخريف ويبدو أن السياسة الأمريكية وقعت في أخطاء فادحة حيث استهانت أولًا بالخصم الإيراني وبإجادته للعبة السياسية وحيث راهنت ثانيًا على انقسامات في الصف الإيراني يبدو أنها لم تكون موجودة بشكل بارز إلا في مخيلة الأمريكيين ولذلك حاول المسئولون الأمريكيون عبثًا في بداية الأمر تبرير موقفهم وحسن نيتهم في هذه القضية وهل تجدي الأعذار وحسن النية نفا مع أخطاء سياسية على هذا المستوى؟

وعندما شعرت الإدارة الريغانية أن الأمر أخذ يفلت من يدها شيئًا فشيئًا بدأت أكباش الفداء تتساقط ودبت فوضى التصريحات وتناقضها لأن كل مسؤول يريد أن ينقذ نفسه من الورطة ويتملص من المسئولية وهكذا رأينا وزير الخارجية جورج شولتز ينحي باللائمة على سفيره في لبنان لأنه تعامل مباشرة مع مجلس الأمن القومي وتجاوز وزارته ورأينا رئيس لجنة التحقيق يعلق على شهادة «دونالد ريغان» بقوله: «إنه روى قصة لا تصدق» ومن التناقضات التي وقع فيها ساسة البيت الأبيض قول ريغان مثلًا: إن الهدف من الصفقة هو تعزيز ودعم مكانة المجموعات المعتدلة في إيران لكن وزیر دفاعه واینبرغر قال فيما بعد إنه «لا توجد مجموعات معتدلة في إيران ويمكن التعاون معها» وفي ١٩ نوفمبر قال ريغان «لا أعتقد أن خطأ قد حدث» لكن نائبه بوش قال في 3/12/1986 «من الواضح أن خطأ وقع» وعاد ريغان في 6/12/1986 ليقول: «من الواضح إن تنفيذ هذه السياسة تعرض للخلل وحدثت بعض الأخطاء أيضًا».

وكانت النتيجة أن صارت الإدارة الريغانية محل سخرية وموضوع تندر ومما يروى أنه في حفل مخملي استدارت سيدة نحو ضيف أجنبي وسألته بلهفة «ترى ماذا يقولون عنا في بلادكم وبماذا يظن شعبكم بنا» ومن النكات التي يتندر بها رجل الشارع الأمريكي مثلًا ما يلي:

  • ما الفرق بين مجلس الأمن القومي ودار حضانة نهارية؟
  • إن المشرفين في دار الحضانة بالغون وناضجون!

وقد حاول ريغان إبعاد مستشاره للأمن القومي السابق جون بويند كوستر ونائبه المقدم أوليفر نورث عن التحقيق وطلب لهما حصانة محدودة، ولكن طلبه رفض ويدل هذا الرفض على مدى تضاؤل سيطرة الرئيس على الفضيحة وانخفاض شعبيته بسببها فقد أجرت شبكة التلفزيون «سي بي إس» استفتاء عن شعبية الرئيس أظهر أن هذه الشعبية تدنت إلى ٥٠٪ بعد أن كانت ٥٩٪ منذ شهر واحد واليوم يوصف ريغان بأنه محبط ويلمح البعض أنه قد يضحي بأكباش فداء آخرين، ولكن هل سيسعفه ذلك أم أن دوامة الفضيحة ستشفطه هو الآخر؟

الصفقة أضرت بمصداقية أمريكا وفتحت الباب لتسليح إيران:

لا يحجم المسؤولون في الإدارة الريغانية عن القول بأن الصفقة قد ضربت مصداقية الولايات المتحدة ضربة قوية خصوصًا لدى حليفاتها في أوروبا الغربية حيث أظهرت أمريكا وكأنها تمارس سياسة ذات وجهين ومن الصعب الآن إقناع الدول الأخرى بأن إدارة ريغان جادة في موقفها عن منع تصدير الأسلحة إلى إيران وتقول مصادر أمريكية مطلعة إن وفدًا ألمانيًا من ۱۲ عضوًا وصل إلى طهران للتفاوض مع الإيرانيين وإتمام صفقة أسلحة ومعدات عسكرية ويفسرون ذلك بأن أمريكا فتحت الباب على مصراعيه لتسليح إيران من قبل دول تواقة للاستفادة من تجارة الحرب وأعطت المبرر للدول المترددة في المضي قدمًا لعقد صفقات عسكرية مع إيران. ففي لندن قالت صحيفة الأوبزرفر إن معدات عسكرية وقطع غيار تقدر قيمتها ب ٣٥ مليون جنيه إسترليني شحنت لإيران من ليفربول في نوفمبر الماضي في ١٤ حاوية وسجل إذن التصدير على أنها معدات كهربائية وهندسية.

تضرر العناصر الإيرانية النافذة والميالة للتعامل مع أمريكا:

كانت غاية الإدارة الأمريكية أن تكون صفقة الأسلحة لإيران تعبيرًا عن حسن نيتها تجاهها واستدراجًا للعناصر الإيرانية النافذة والميالة لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة وكانت نية أمريكا أن تقوي هذه الصفقة من جانب هؤلاء العناصر وتهيئهم لتثبيت نفوذهم وربما للإمساك بزمام الأمور في إيران عندما تحين الفرصة ويقول ما كفرلين الذي قام بزيارة إيران «أن الرئيس ريغان وافق في السنة الماضية على إقامة حوار سياسي مع إيرانيين حددوا بأنهم عناصر نافذة قد تكون نتجه نحو تغيير تطوري. » فالإدارة الأمريكية راهنت على هذه العناصر ولكن أصداء الفضيحة وانكشاف أسرارها وذيولها تباعًا أحرج إلى حد كبير تلك العناصر الإيرانية المشار إليها بل آذاها وجردها من بعض نفوذها وضرب حولها طوقًا من الريبة على عكس ما كان منتظرًا.

تضرر السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

مثلما هزت الفضيحة مصداقية أمريكا في أوروبا هزت كذلك مصداقيتها في الشرق الأوسط 

ولا بد أن ينتج عن ذلك مزيد من الاضطرابات في هذه المنطقة التي لا تعرف الهدوء والاستقرار وقد قال مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجنسكي: «إن الأضرار التي لحقت بسياسة الرئيس ريغان تتعلق بالاضطراب الإقليمي في الشرق الأوسط والقلق لدى حلفاء أمريكا الرئيسيين إزاء طبيعة عملية صنع القرار الأمريكي وأضاف أن الأضرار التي لحقت بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحتاج إلى وقت طويل لإصلاحها».

هل اخترق الموساد «السي آي إيه»؟

من الأضرار التي الحقتها الصفقة بالإدارة الأمريكية كما يقول بعض المسؤولين الأمريكيين إن المخابرات الصهيونية وجدت فيها فرصة سانحة للتعامل مع المخابرات الأمريكية وربما اختراقها حيث شكل العملاء المزدوجون ثغرة مناسبة لمواصلة عمليات الإختراق التي بدأها الجاسوس الإسرائيلي الأمريكي بولارد وأمثاله وتقول مصادر مقربة من التحقيقات الجارية حول الصفقة- الفضيحة أن ويليام كايسي مدير المخابرات «سي إي إيه» الملقب بالجاسوس ومسؤولين عديدين في وكالته على علم تام بما حدث بل إنهم شاركوا مشاركة نشيطة في تنفيذ الصفقة السرية وتحويل أموالها إلى متمردي «الكونترا» في نيكاراغوا و «يونيتا» في أنغولا وقد ورد في التحقيقات ذكر عدة أسماء مشبوهة لعبت أدوارًا في هذه الصفقة وذيولها مثل «ستانكي سبوركين» الذي يتبناه كليلي منذ مدة طويلة وهو كبير المحامين للسي أي إيه ومما يقال عنه إنه تدخل في الكونغرس لحماية «شارك ووترمان» الضابط الرئيسي في المخابرات المسؤول عن الشرق الأوسط الذي كان متهما بتمرير معلومات إلى شخص في واشنطن يعتقد أنه من عملاء الموساد وعندما اختطف وليام باكلي في بيروت سنة ١٩٨٤ غازل الموساد المخابرات الأمريكية للاعتماد عليه وعلى إسرائيل أكثر من ذي قبل باعتبار أن باكلي لا بد أنه أفشى أسرار السي إي إيه لمختطفيه تحت التعذيب.

والانطباع العام لدى الأمريكيين الآن هو أنه حتى لو كان للموساد دور في هذه القضية فالمسئولية كل المسئولية تعود إلى الإدارة الأمريكية التي لا بد أن يعاد تنظيمها على أسس جديدة فريغان مرهق ومشغول البال باستمرار والذين حوله يتناقضون في تصريحاتهم والعسكريون المقربون يديريون له ظهورهم والذين يجب أن يقدموا استقالاتهم لا يبادرون بذلك وذيول الصفقة تضيق الخناق يومًا بعد يوم على هذه الإدارة المرتبكة المتخبطة ويدرك الجميع الآن أن خروجها من هذه الزوبعة لن يكون بالأمر السهل.

 

الرابط المختصر :