العنوان باتريك سيل: إسرائيل تريد إضعاف العرب والسيطرة على البترول ومصادر المياه
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 25-مارس-1997
● في محاضرته التي وضعت النقاط على الحروف حول السياسة السورية تجاه إسرائيل
● الولايات المتحدة هي المسؤول الأساسي عن خلق عدم التوازن بين سورية وإسرائيل
كان طرح السياسي «باتريك سيل» في محاضرته التي ألقاها في جامعة الدراسات الاستشراقية والإفريقية «SOAS» بلندن عن الحرب الباردة بين سورية وإسرائيل طرحًا قويًّا ومحرجًا في نفس الوقت للإسرائيليين أنفسهم، فقد انتقد سيل بشدة كلًّا من السياسة الإسرائيلية والأمريكية التي تهدف إلى تهميش الدور السوري في «عملية السلام»، وتفتيت الجبهة العربية في مواجهة الاختراق الإسرائيلي لثروات الخليج ومصادر المياه، وباتريك سيل برلماني بريطاني معروف بتعاطفه مع قضايا العرب واستيعابه لخبايا الموقف السوري بالذات، فإلى جانب كتابه الشهير عن حياة الرئيس حافظ الأسد- وهو مرجع غربي أساسي عن شخصية الرئيس السوري- فهو على علاقة وثيقة بمصادر القرار في دمشق، الأمر الذي يعطي توقعاته ثقلًا معينًا عند الخبراء المهتمين بالشان العربي- الإسرائيلي.
في البداية اتهم باتريك سيل الولايات المتحدة بأنها المسؤول الأساسي عن خلق عدم التوازن بين القوى في العلاقة بين سورية وإسرائيل، وذلك من خلال عدة خطوات وسياسات هدفت إلى تهميش الدور السوري فيما يسمى بعملية السلام، ومن هذه الخطوات تزويد «إسرائيل» بالأسلحة غير التقليدية والصواريخ الموجهة ضد الدول العربية، ومؤخرًا الخضوع للضغوطات الإسرائيلية من أجل أن يتجاهل كلينتون الالتقاء بالرئيس السوري في سياق لقاءاته بالرؤساء العرب، هذا كله إضافة إلى تغيرات جغرافية سياسية كسقوط الاتحاد السوفييتي، وهو الحليف القوي السورية إلى جانب التمزق الأوروبي والعربي في مقابل التقارب الإسرائيلي- الأمريكي، ومع أن سورية تحاول جاهدة تقوية دورها في المنطقة من خلال علاقتها بإيران مثلًا وتقديم الدعم لحزب الله في لبنان إلا أن هذا الجهد يظل محدودًا في غياب ميزان القوى الذي فرضته الولايات المتحدة، كما حاولت سورية في وقت سابق الاستفادة من ظروف حرب الخليج لإقامة علاقات تحالفية قوية مع مصر ودول الخليج من خلال ما يسمى بإعلان دمشق إلا أن هذه العلاقات ظلت محدودة بمحدودية مصر في إطار دورها في عملية السلام، هذه الظروف مجتمعة تجعل أمريكا في جيب إسرائيل، على حد وصف باتريك سيل، الذي يرى أن مشكلة غياب ميزان القوى لن يحل إلا باستخدام القوة لإيقاف إسرائيل عند حدها، وإلا فإن الخطاب الإسرائيلي الذي يصوغه نتنياهو سيزداد فعنفه خاصة ضد سورية وإيران.
ومن ضمن السياسات الإسرائيلية التي يشير إليها سيل لإضعاف الجبهة العربية هي رغبة إسرائيل في إقامة علاقات ثنائية مع دول ليس لها شأن استراتيجي أو اقتصادي مثل: عمان، وقطر، وتونس، سوی تهمیش سورية في حلبة الصراع، وعزلها عن بقية الدول المجاورة من أجل التسليم في النهاية وفق الشروط الإسرائيلية المتعسفة، وسياسة «تفتيت الجبهات» أو «فرق تسد» التي سلكها من قبل الاستعمار هي سياسة إسرائيلية قديمة وضع أساسها بن غوريون في نظريته، وهي تكوين جبهات غير عربية مجاورة للعرب وحليفة في نفس الوقت مع إسرائيل، وذلك من خلال إقامة علاقات ثنائية مع كل من تركيا وإثيوبيا، والموارنة في لبنان، كما أشار سيل إلى التغيير الذي تمارسه إسرائيل في توصيف وضعها السياسية والعسكري في المنطقة، وهو توصيف متناقض بحسب الظروف والاستفادة في كل الأحوال من تداعيات كل هذه الأوصاف، فقد كانت إسرائيل في الماضي تزايد على ضعفها العسكري وصغر مساحتها في وسط غابة من الذئاب والوحوش العرب وهي دعاية مغرضة، وظفتها إسرائيل في مراحل تكوينها الأولى لكسب تعاطف الرأي العام، واليوم يتغير هذا الخطاب تمامًا إلى الجهة المعاكسة، حيث يتحدث نتنياهو اليوم- وكأنه رئيس دولة عظمى- عن قوة إسرائيل العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية من أجل أن يفرض على جيرانه العرب وعلى رأسهم سورية، ضرورة التعامل مع الدولة العبرية، وكما توظف الخطابات المغرضة في خدمة إسرائيل توظف بعض المصطلحات في المقابل وبشكل سلبي للإضرار بسمعة العرب وتشويه صورتهم أمام الرأي العام العالمي، فيشير سيل إلى أن نتنياهو من أوائل الذين كتبوا عن موضوع الإرهاب العربي- الإسلامي وخطره على المصالح الغربية وذلك سنة ١٩٨٤م عندما كان سفيرًا لإسرائيل في الأمم المتحدة، وهذا إلى جانب نظرية إسرائيلية قديمة في ما يسمى به الاستيعاب المزدوج، وكون إسرائيل الدرع الواقي من الاختراق السوفييتي للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط سابقًا، والدرع الواقي من سيطرة «التطرف الإسلامي» على البترول حاليًّا، وأن إسرائيل تهدف من السلام القضاء على جبهات المعارضة في المنطقة بما في ذلك الحركات الإسلامية كحماس والجهاد، وحزب الله، وأيضًا التمكن من السيطرة على ثروات الخليج النفطية والطبيعية.
وهذه المصالح الإسرائيلية هي بالطبع ضمان الأمن وهو ما تؤكده خطابات نتنياهو الأخيرة عن السلام الدفاعي، وعدم استعداد إسرائيل للانسحاب من الجولان «لأنها لا تثق بالعرب» وهو ما يمثل تحولًا في السياسة الإسرائيلية عن السياسة السابقة التي بدأت في أوسلو، والشيء الثاني الذي تريده إسرائيل من السلام هو وصولها إلى بترول الخليج وليس السوق العربية، ولكن الذي شدد عليه سيل في معرض حديثه عن المصالح الإسرائيلية هي أنها لا تقتصر على منطقة الشرق الأوسط فقط وإنما تمتد إلى تحقيق مصالح أخرى في الصين وأوروبا من خلال إقامة علاقات ثنائية مع هذه الدول على كافة الأصعدة وهو ما يجعل إسرائيل لا تعتمد كلية على المساعدات الأمريكية كما كانت في السابق من أجل أن تحافظ على وجودها، وإنما على بدائل أخرى وحلفاء آخرين، وفي الوقت الذي تبحث فيه عن بدائل أخرى، وأثناء عملية البحث تصعد نغمة العداء والتهديد للعرب، فيتحدث نتنياهو مثلًا لا عن ضرب مواقع الإرهاب كحزب الله في لبنان ولكن ضرب الدول المؤيدة له مثل سورية وإيران وهذا الوقت فإن الخطاب العربي يشهد هو الآخر تحولًا كبيرًا، ولكن في الطريق المعاكس، حيث كان الخطاب العربي- الثوري الماضي عن السيطرة على مقدرات المنطقة إلى المعايشة وتحقيق ميزان القوى مع إسرائيل وهو تحول جديد في السياسة في العربية على حد تعبير سيل.
قصور العرب في مقابل نشاط اليهود
وذلك لأن العرب- في تقدير باتريك سيل- يعتقدون بأن قضيتهم واضحة لدى الرأي العام، وواضح فيها من الظالم ومن المظلوم وبالتالي فليست هناك ضرورة لتكوين اللوبيات والاتصال بالرأي العام الغربي ووسائل الإعلام من أجل شرح قضيتهم كما يفعل اليهود ويقول سيل بأنه يتوجب على العرب أن ينشطوا في جميع المحافل الدولية ومؤسسات التأثير وصنع القرار من أجل أن يشرحوا للعالم قضيتهم بدلًا من الصياح والاعتماد على العواطف، وقال إن السبب في هذا القصور هو تمزق العرب، وانشغال كل دولة بمصالحها الخاصة؛ مصر مهتمة بتأمين النيل، وسورية مهتمة بإسرائيل، والعراق مشغول بمشكلته مع إيران والشيعة... إلخ وتعجب أن يكون بمقدور إسرائيل وضع المصطلحات المناوئة للعرب مثل «الإرهاب» و«الأصولية»، ونشرها في العالم ويعجز العرب إلا من ردة الفعل والانشغال بنقد المصطلحات بدلًا من وضع البديل، كما تعجب من خلو العالم العربي من مؤسسات خاصة تعنى فقط بدراسة إسرائيل ومتابعة ما تصدره من صحف وقرارات وسياسات... إلخ، وخلو نفس المؤسسات التي تعنى فقط بدراسة الولايات المتحدة مثلًا، وعلى الرغم من ذلك فقد لاحظ سيل أن الرأي العام في الدول العربية مناوئ للوجود الإسرائيلي، وخاصة في الصحافة المصرية وعند المفكرين المصريين، معتبرًا أن هذا هو الخطر الحقيقي الذي تخشاه إسرائيل.
سورية وعلاقتها مع الإسلاميين
ولفت سيل الانتباه إلى ذكاء النظام السوري في التعامل مع الإسلاميين ووضعهم في صفه في حريه الباردة ضد إسرائيل وما السياسات التقريبية التي يتخذها الرئيس حافظ الأسد من تأييد الحماس والجهاد وحزب الله، وإعطاء الحرية النسبية للمؤسسات الرسمية الإسلامية والتصالح مع الإخوان المسلمين، وموافقته حضور مؤتمر القمة الإسلامي الذي سينعقد في إيران سوى أمثلة لهذه التوجهات، وهو توجه يطمح إلى «امتصاص غضب الإسلاميين» على حد وصف سيل، أما ماذا تريد سورية حقيقة من السلام، فباتريك سيل لا يعتقد بأن المشكلة الحقيقية بالنسبة لسورية هي القدس أو اللاجئون أو الحدود الإسرائيلية بقدر ما هي مشكلة «من» الذي يسيطر على الشرق الأوسط فالرئيس السوري الأسد لا يريد أن تكون الإجابة عن هذا السؤال الحساس هي: «إسرائيل».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل