; باكستان تدفع ثمن ما تقبضه نيودلهي وبكين وموسكو | مجلة المجتمع

العنوان باكستان تدفع ثمن ما تقبضه نيودلهي وبكين وموسكو

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1478

نشر في الصفحة 26

السبت 24-نوفمبر-2001

حسابات المكاسب والخسائر في أفغانستان

قبل «طالبان» و«القاعدة» الولايات المتحدة تستهدف القوة العسكرية الباكستانية لأنها تمثل مرتكزًا رئيسًا للتأثير على صناعة القرار الإقليمي

في الحرب على أفغانستان تلاقت المصالح الأمريكية.. الروسية.. الصينية والهندية في قضية انتهاك حقوق الإنسان

السياسة التي اتبعها مشرف منذ توليه الحكم تصب في خدمة المصالح الأمريكية.. تحركاته ضد التيار الإسلامي.. محاولاته المتكررة تعديل ما ينص عليه الدستور من الالتزام بالشريعة وانقلابه على التيار المؤيد لطالبان داخل الجيش

 عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن وما صدر من مواقف أمريكية حتى قبل البدء في التحقيقات لم يكن أحد من القوى الدولية يشك في أن الولايات المتحدة عازمة على شن حرب واسعة النطاق، وأن محطتها الأولى ستكون في أفغانستان. ورغم بعض مواقف التحفظ والتهدئة والمطالبة بمراعاة قواعد القانون الدولي، كانت الحسابات السياسية تجري بأسلوب الموازنة بين المكاسب والخسائر، إذ كان واضحًا للدول المعنية، أنها لن توقف العمل العسكري الأمريكي المقرر سلفًا، وأن السؤال الذي طرحته واشنطن بصيغة التخيير بين الوقوف في جبهتها في الحرب، أو فيما اعتبرته جبهة الإرهاب الدولي، يعني صناعة واقع جديد بلغة القوة وفرضه على الآخرين، وبالتالي انطلقت القوى الدولية الأخرى من مفهومها للسياسة «الواقعية»، القائم على التعامل مع الواقع الجديد بهدف جلب المكاسب الممكنة ودفع الخسائر المحتملة.

هذا الهدف لا يتعارض مع أهداف القوى الدولية الأخرى، سواء الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة أو القوى الأسيوية الأقرب جغرافيًّا إلى أفغانستان، وعلى وجه التحديد الهند والصين والاتحاد الروسي.. ولكن يستحيل أن يكون شيء من ذلك في مصلحة البلدان الإسلامية نفسها على المدى القريب أو البعيد، وبصورة تبرر الوقوف موقف الحياد من الحملة الأمريكية أو دعمها، لا سيما من جانب باكستان الدولة التي تربطها بأفغانستان أوثق العلاقات الدينية والعرقية والجغرافية والسياسية والتاريخية.

 قاسم مشترك لم يعد السؤال المطروح في العواصم المعنية هل يحق لواشنطن أن تشن تلك الحرب أم لا ، وهل تسري على تحركها العسكري المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أم لا بل لم يعد السؤال هل يترتب على هذه الحرب القضاء فعلاً على ما تعتبره واشنطن إرهابًا دوليًّا، إنما باتت الأسئلة المطروحة متركزة على المكاسب الممكن انتزاعها، مقابل دعم ما تريده واشنطن أو الامتناع عن نصب العراقيل أمامها على الأقل. 

بالنسبة إلى بكين كان هناك موقف التأييد عند التصويت في مجلس الأمن الدولي لتوفير غطاء من الشرعية الدولية المزيفة لعمل عسكري مقرر، أو في إطار التعامل مع باكستان على خلفية تاريخ علاقات التعاون المصلحي بين الطرفين في مواجهة القوة النووية الهندية وموازنات السياسة الإقليمية في جنوب آسيا بالمقابل كانت الطلبات الصينية جاهزة أيضًا على صعيد الرغبة في استكمال شروط الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية، وقد حدث في مؤتمر الدوحة الأخير، ثم استمرار السكوت الغربي على الممارسات الصينية الدموية المتصاعدة في قمع المسلمين في تركستان الشرقية ولم يكن المسؤولون الصينيون يخفون ذلك، كما ظهر في الكلمات التي ألقاها الرئيس الصيني ورئيس وزرائه أثناء زيارة المستشار الألماني جيرهارد شرودر لبكين، في إطار الجولات الغربية المتعدد للتعبئة السياسية الداعمة لواشنطن، وكان اللافت للنظر بالمقابل امتناع شرودر - على غير المعتاد في مناسبات مماثلة - عن ذكر قضية حقوق الإنسان في الصين، كنقطة دائمة في جدول أعمال العلاقات الصينية – الغربية وعندما سئل في ذلك كان جوابه واضحًا أيضًا، أن بعض الأمور لا حاجة إلى طرحها على الملأ.. هذا مع ملاحظة أن ألمانيا لم تتحرك هنا في خدمة المصالح الأمريكية والتضامن الأطلسي، قدر ما تحركت في خدمة المصالح الذاتية بعد أن أصبحت في مقدمة الدول الأوروبية التي تتعامل تجاريًّا واستثماريًّا مع الصين الشعبية.

 وكان موقف شرودر أكثر وضوحًا -بل أثار معارضة سياسية داخلية- عندما أسقط بصورة مباشرة الموقف الأوربي الرسمي، في قضية الشيشان - وهو موقف ضعيف من الأصل- فأعلن التفهم لما تقوم به موسكو في الشيشان، وهو ما كانت موسكو حريصة عليه لوقف بعض الزيارات والتحقيقات التي تجريها لجان أوروبية وعالمية غير حكومية حول حقوق الإنسان في الشيشان.. التي أصبحت بذلك في محور الثمن الذي أرادته موسكو مقابل دعمها للحرب، سياسيًّا في مجلس الأمن الدولي، وعسكريًّا عبر التسهيلات الواسعة النطاق في البلدان المجاورة لأفغانستان وسط آسيا التي تعتبر مستقلة عن الاتحاد السوفييتي، ولكن لم تستقل حتى الآن عن نفوذ موسكو وهيمنتها.

وإلى جانب ما ظهر من ثمن يتعلق بالشيشان على لسان أكثر من مسؤول أوروبي، حصلت موسكو على جزء رئيس آخر من هذا الثمن من واشنطن مباشرة، أثناء إحدى جولات وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد المتعددة، وهو يعلن تجاه الاتحاد الروسي استعداد الولايات المتحدة لمواقف ألين مما مضى في أهم نقطتين كانت تدور حولهما الاتصالات بشأن الدرع الصاروخي الأمريكي، وهما: تخفيض الرؤوس النوية لدى البلدين من جديد وهو ما يعني تخفيض النفقات العسكرية الروسية، وقد أعلن الجانبان بالفعل بعد لقاء بوش / بوتين الأخير عن خطط لخفض الرؤوس النووية وصلت بالنسبة إلى روسيا حد تفكيك ثلثي صواريخها، ثم البحث عن بديل عن معاهدة 1972م التي يتناقض مشروع الدرع الصاروخي معها. 

مكاسب الهند

وربما بدا للوهلة الأولى أن مكاسب الهند أقل شأنًا في إطار المساومات الجارية، وهو ما يعود إلى أن الولايات المتحدة لا تقدم ما تقدمه للهند بصورة استعراضية، ومن أسباب الحذر ازدياد المعارضة الشعبية في باكستان وتجنب إضافة المزيد من الدوافع لاشتعالها، ولا يعني ذلك أنها لا تقدم للهند ما تريد، رغم أن الهند لا تقدم شيئًا يذكر بالمقابل، إلا أنها من وسائل الضغط الدائمة على السياسة الباكستانية. وقد أسقطت واشنطن واقعيًّا سائر ما كانت تزعمه من تحفظات بشأن التسلح النووي الهندي وبشأن التعاون العسكري بين الهند والكيان الصهيوني، ورفعت عنها العقوبات، فضلاً عن وضع بعض المنظمات في كشمير المحتلة في قائمة الإرهاب وبالتالي على قائمة الأهداف الأمريكية التالية فـيـمـا يوصف بالحرب على الإرهاب، وقد يكون ما تم الاتفاق عليه سرًّا بشأن تعطيل مسيرة التسلح النووي الباكستاني، أبعد مدى من سائر ما سبق فليس مجهولاً أن التسلح النووي الباكستاني لم يتم إلا رغمًا عن الولايات المتحدة- على عكس الموقف الأمريكي تجاه الهند، كما تركت واشنطن كلاً من الهند وروسيا تعقدان المزيد من الصفقات ومن ذلك صفقة القرن بشأن بناء مفاعل نووي في الهند.

باكستان.. العصا دون الجزرة

انتشر في وسائل إعلامنا تشبيه شنيع السياسة الأمريكية تجاه بعض الأنظمة عرف بأسلوب «العصا والجزرة»، وهو ترجمة غير دقيقة لتعبير «السكر والسوط» المستخدم في اللغات الغربية، ويشير التشبيه إلى صورة معروفة عن أسلوب كاريكاتوري في تسيير «الحمار»، طمعًا في جزرة تعلق بحبل أمام رأسه فلا يصل إليها وهو يركض نحوها، أو شعورًا بالألم من ضربات العصي تنهال على جنبه فتدفعه إلى التحرك رغمًا عنه.

 واشنطن اضطرت إلى التخلي عن هذ المبدأ تجاه بعض الدول، فما عاد التلويح بالعقوبات الاقتصادية والمالية وسواها مثلا يؤثر على السياسات الصينية والروسية وتحولت العلاقات تدريجيًّا لتتحكم فيها لغة المصالح المحضة أكثر من سواها، بما يشمل تلاقي تلك المصالح أحيانًا، أي الغربية عمومًا مع المصالح الروسية والصينية والهندية كما هو الحال مع قضية التعامل مع حقوق المسلمين داخل الحدود الروسية والصينية وفي بلدان وسط آسيا.

 أما مع معظم البلاد العربية والإسلامية فقد بقي أسلوب العصا والجزرة مع غلبة التهديد بالعصا والتلويح بها على أي أسلوب آخر.

 وهذا ما يظهر الآن في التعامل من باكستان في قضية الحملة ضد أفغانستان، سواء من حيث التهديد بالميل الكلي لصالح الهند في مختلف قضايا النزاع القائمة بما فيها كشمير أو التهديد بتوجيه ضربة لمنشآت التسلح النووي الباكستاني، فضلاً عن التهديد باستمرار قطع القروض المالية. وغني عن البيان هنا أن رفع الحجر الغربي السابق على بعض القروض والمعاملات التجارية من باكستان لم يعد بحصيلته المالية على باكستان بما يعادل 10% مما بدأت تخسره باكستان اقتصاديًّا وتجاريًّا بسبب الحملة نفسها. 

أما لغة المصالح المتبادلة، فلم يكن له وجود على جدول أعمال العلاقات الأمريكية الباكستانية رغم أن ما تقدمه باكستان لا يمثل فقط شرطاً عسكريًّا لا غنى عنه لشن الحملة الأمريكية فحسب، بل يعتبر في الوقت نفسه من قبيل المخاطرة الكبرى على الصعيدين السياسي الداخلي والإقليمي على المدى المتوسط والبعيد، فمسيرة النظام الحاكم في باكستان، مع الجبهة الأمريكية ضد أفغانستان تبذر بذور الحرب الأهلية وسط مخاطر الصدامات العنيفة ذات الخلفية العرقية والدينية وتزيد من خطر وقوع انقلاب عسكري، والقضاء على احتمال العودة إلى الحياة المدنية بعد عام حسب وعد الجنرال برویز مشرف.

كما تحول تلك المسيرة مع الأمريكية خارطة الاستقرار التي صنعتها باكستان لنفسها في السنوات الماضية بصعوبة بالغة واعتمدت فيها على العمق الأفغاني في مواجهة العدوان الهندي الدائر على كشمير وعلى الحدود الثنائية.. وتحول تلك الخارطة إلى درجة من عدم الاستقرار تنذر باكستان بانتشار أوضاع شبيهة بالأوضاع الإندونيسية الراهنة، مما يزيد من ضعفها تجاه الهند من جهة، وتجاه المطامع الروسية التي لم تنقطع قط بشأن الوصول إلى المياه الدافئة في البحار الجنوبية من جهة أخرى.

باكستان.. الهدف الثاني أمريكيًّا

على أنه من الخطأ القول إن القضاء على عنصر الاستقرار الداخلي والإقليمي بالنسبة إلى باكستان، هو مجرد نتائج غير مقصودة أو نتائج جانبية للحملة الأمريكية.. فعلى صعيد باكستان نفسها لا ينبغي إغفال السياسة التي اتبعها الجنرال مشرف منذ وصوله إلى السلطة، ربما كان وصوله عبر ثغرة «الفساد» في عهد نواز شريف، لكن تحركه كان ضد ما وصفه بالتيار الإسلامي الأصولي.

 فانقلاب مشرف على التيار المؤيد لحركة طالبان داخل الجيش وأجهزة المخابرات في باكستان، وموقفه من الأحزاب الإسلامية ورده على الغضب الشعبي، تعد مؤشرات واضحة على ذلك.

 كذلك فالولايات المتحدة لم تمارس منذ خروج السوفييت من أفغانستان سوى سياسة معادية للمصالح الباكستانية، ليس في كشمير وعلى صعيد العلاقات مع الهند فحسب، بل على صعيد الاستقرار الباكستاني الداخلي أيضًا؛ فالدور الباكستاني القديم في مواجهة المعسكر الشيوعي، منذ ما عرف بحلف بغداد ثم الحلف المركزي، وحتى مرحلة الغزو السوفييتي لأفغانستان أدى إلى حصول باكستان على دعم أمريكي «مدروس» في ميدان التسلح العسكري بصورة خاصة، أو على الأقل إلى الامتناع عن عرقلة مشاريع التسلح الباكستانية عرقلة كبيرة وساهم ذلك إلى جانب الدعم الصيني بسبب العداء الصيني - الهندي القديم، في وصول الجهود الذاتية الباكستانية إلى ما وصلت إليه عسكريًّا. وهذا ما تستهدفه الولايات المتحدة الآن، أضعاف ما تستهدف منظمة القاعدة أو حركة طالبان؛ فالقوة الباكستانية تمثل المرتكز الرئيس للتأثير على صناعة القرار الإقليمي خارج نطاق الإرادة الأمريكية، وما دامت السياسات الأمريكية تتطلع إلى فرض الهيمنة الشاملة عالميًّا تحت عنوان «الزعامة الانفرادية»، فهي حريصة على التخلص من مختلف بذور «التمرد» الفعال على تلك الهيمنة، سواء أخذ صورة مالية واقتصادية في بعض البلدان الإسلامية من بين ما يعرف بدول النمور أي إندونيسيا وماليزيا، أو اتخذ صورة عسكرية كما في باكستان.. أو حتى ولو كان مقتصرًا على مظاهرات طلابية وشعبية، بل وبعض الصحف والبرامج الإعلامية المتمردة كما في عدد من البلدان العربية.

الرابط المختصر :