العنوان بين «صرخة» الشعب و«صخرة» العسكر -بعد إعلان حالة الطوارئ وتعطيل الدستور: باكستان في المعتقل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2007
مشاهدات 107
نشر في العدد 1776
نشر في الصفحة 16
السبت 10-نوفمبر-2007
إسلام آباد: خاص لـ المجتمع (*)
(*) خدمة «ميديا لينك»
شبح الحرب الأهلية يخيم على البلاد.. ومشروع أمريكي لتفكيكها إلى «كانتونات» متحاربة عام ٢٠٢٥م
باكستان شهدت ٤ انقلابات عسكرية منذ نشأتها.. وأعلنت حالات الطوارئ ١١ مرة.. من بينها مرتان في عهد الجنرال مشرف
قاضي حسين أحمد: إعلان الطوارئ حدث بعد ساعات قليلة من مغادرة قائد القوات الأمريكية باكستان.. عقب لقائه الجنرال مشرف!
إعلان حالة الطوارئ تعني تأجيل الانتخابات وبقاء مشرف حاكمًا عسكريًا حتي عام ٢٠١٢م.. تحت ذريعة الحفاظ على أمن البلاد
تتجه باكستان إلى مستقبل تتعدد فيه التكهنات بما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد، في ظل استباق الجنرال برويز مشرف قرار المحكمة العليا حول شرعية انتخابه بإعلان حالة الطوارئ وتعطيل الدستور وإقالة رئيس المحكمة، افتخار شودري ورفض أحزاب المعارضة والمؤسسة القضائية ونقابات المحامين لهذا الإجراء، وتحركها السريع لمواجهته وهذا يعني أن باكستان دخلت مجددًا إلى حقل العام، وحالة فوضى سياسية لم ينجح الجنرال في تجاوزها منذ أن اعتلى السلطة.
ولم يحظ قرار مشرف بالارتياح أو القبول، لا على مستوى الداخل الذي كان مشغولًا بصفقة التسوية السياسية بين مشرف و«بي ناظير بوتو» وبالتداعيات الأمنية والاقتصادية المزعجة والمستقبل المجهول، ولا على مستوى الخارج الذي يبدو – أنه أدرك أن ما يحدث ليس إلا «بداية النهاية» للجنرال؛ فاكتفى بالتعبير عن قلقه واسفه البالغين، أو بالدعوة إلى التحرك وفقًا للدستور!
انقلابات وحالات طوارئ
وكانت باكستان قد شهدت أربعة انقلابات عسكرية منذ نشأتها، وأعلنت إحدى عشرة مرة حالات الطوارئ من بينها مرتان في ولاية الجنرال مشرف وحده، وكان إعلان أول حالة طوارئ في عام ١٩٥٣م المواجهة، «القاديانيين».
وشهدت باكستان أول انقلاب عسكري في تاريخها، قام به الجنرال أيوب خان، عام ١٩٥٨م، وأعلن حالة الطوارئ، وحكم بلاده مستخدمًا صلاحيات الطوارئ التي أعلنها. حيث حبس الأنفاس ومنع منتقديه بالحديد والنار وقزم المعارضة، وكانت النتيجة أن عمت الفوضى البلاد وتدخل الجيش في انقلاب عسكري قادة الجنرال يحيى خان حفاظًا على وحدة البلد وتماسكها، لكنه لم يعمل بنصيحة التخلي عن السلطة، وراح يتسلط بدوره على الحكم، مما أدى إلى تفكك باكستان حيث انقسمت إلى دولتين: باكستان، بنغلاديش.
وعندما وصل المدنيون إلى الحكم بقيادة «ذو الفقار» علي بوتو، تم إعلان حالة الطوارئ المواجهة المظاهرات وبعد وصول العسكر للحكم للمرة الثالثة بقيادة الجنرال ضياء الحق، أعلنت حالة الطوارئ، وبعد تولي بي ناظير بوتو، رئاسة الوزراء في عام ١٩٨٨م. أعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وعندما وصل «نواز شريف»، إلى رئاسة الحكومة في عام ١٩٩٠م، ألفى حالة الطوارئ واستمرت باكستان بعيدة عنها حتى انقلاب أكتوبر ١٩٩٩م الذي قاده الجنرال «برويز مشرف» حيث أعلن حالة الطوارئ في البلاد.
تبريرات وإجراءات
وفي ٣ نوفمبر ٢٠٠٧م، أعلن مشرف حالة الطوارئ مرة أخرى بذريعة أن وحدة البلاد واستقرارها باتت على المحك، وبرر لجوءه إليها بالأسباب التالية:
- الخطر الإرهابي المتصاعد في البلاد.
- خروج العدالة عن حدودها، وتحولها إلى حكومة جديدة في باكستان.
- انهيار الوضع الاقتصادي نتيجة التصعيد الأمني.
- تجاوز الصحافة والإعلام حدودها وللحرية المتاحة لها. وكان الجنرال مشرف قد أعلن عددًا من الإجراءات التي يجيزها له قانون الطوارئ ومنها:
- خلع رئيس المحكمة من منصبه وتعيين رئيس جديد لها يستمر حتى عام ٢٠٠٩م.
- حمل القضاة والمسؤولين على القسم تحت قانون الطوارئ.
- تجميد الحقوق الأساسية للمواطن، وإلغاء جميع القضايا المعروضة على العدالة.
- اعتبار القضايا التي فصلت فيها المحكمة ملغاة ويعاد النظر فيها، ومنها: قضايا المسجد الأحمر والمفقودين والسجون السرية، وصلاحيات رجال الأمن.
- إغلاق ٤٥ قناة فضائية كان قد سمح لها بالعمل وتحديد سياسة إعلامية يتم بموجبها السماح للقنوات بالعودة للظهور.
- منح رجال المخابرات وقوات الأمن صلاحيات اعتقال من تشاء، دون استئذان القضاء.
- التعامل بقسوة مع أي محاولة للإخلال بالنظام من خلال تنظيم المسيرات والتجمعات.
- إرسال قوات الجيش للمناطق المتوترة في القبائل، وحسم المعركة معها عسكريًا.
فشل سياسي
ويرى المراقبون أن إعلان الرئيس مشرف الطوارئ في بلاده يرجع إلى أسباب معلنة وهي تزايد حجم الهجمات الانتحارية التي باتت تطارد أعضاء الحكومة وكبار رجال الدولة والجيش الباكستاني في كل مكان وأخرى غير معلنة يمكن حصرها في:
رئيس المحكمة العليا محاولات رقص مشرف التصالح معه ونسيان الماضي وإيجاد متاح من التعاون بين المؤسسة العسكرية الحاكمة والمؤسسة القضائية.
- إعلان المحكمة موقفها النهائي من برة الرئيس مشرف العسكرية، حيث كان الحكم الصادر يشترط لبقاء مشرف رئيسًا للدولة التخلي عن عدد من صلاحياته، ومنها حل البرلمان وتعيين قادة الجيش.
- إعلان المحكمة رفع الحظر عن كل من رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف، وشقيقه، «شاهياز»، والسماح لهما بالعودة إلى البلاد.
ورأى مشرف أن سيطرته على فقد يعني هذا نهايته سياسيًا، وفشلًا في مواجهة خصومه، وهو أمر لا يمكنه القبول به. لذا قرر اللجوء إلى حلول غير ديمقراطية، وفي مقدمتها إعلان حالة الطوارئ لمنع زعماء المعارضة من العودة إلى البلاد وتقاسمهم السلطة معه، وتفادي نزع بزته ا العسكرية لأن هذا يعني عودة المدنيين للسلطة. وبالتالي توجيه ضربة موجعة له الحكم ستكون صعبة إن تخلى عن بزته العسكرية، وأنه إذا سمح الرئيس الحكومة الأسبق بالعودة إلى باكستان ومهددة لمستقبله.
سيف «الحجاج»:
ويؤدي إعلان حالة الطوارئ عمليًا إلى تجميد العمل بعدد من القوانين الدستورية. واستخدام صلاحيات كبيرة للتدخل في شؤون الحكومات الإقليمية والمركزية، كما أنها تمكن الحاكم من استغلال القانون تحت مسمى الحفاظ على الاستقرار والأمن في الاعتقالات وحظر بعض الجماعات السياسية وإلقاء أعضائها في السجون ومواجهة صارمة مع الإعلام بمختلف أشكاله وتضييق الحريات. ومثل هذا الإعلان سيتيح الفرصة للجيش في استخدام يده الطولى في تطهير مناطق القبائل من المسلحين والثوار. كما ستتحول المحاكم من مدنية إلى عسكرية تصدر أحكامها بشكل سريع وأليم على من تحاكمهم خلال هذه الفترة، ويعني هذا زيادة تدهور الوضع الاقتصادي وعودة باكستان سنوات عدة إلى الوراء ويؤكد المراقبون أن البلاد ستشهد المزيد من كبت الحريات وإيقاف المؤسسات الديمقراطية عن العمل، ومواجهة المعارضة المسلحة بسيف «الحجاج» والمعارضة المدنية بقوانين استثنائية توقف المسار الانتخابي حيث سيكون أول ضحايا هذه القوانين إعلان تأجيل الانتخابات العامة، وهي أمنية، يخطط لها الحزب الحاكم منذ أشهر. وسيكون أكبر مكسب للجنرال مشرف إعلانه تأجيل الانتخابات بدعاوى أمنية وبقائه حاكمًا عسكريًا حتى عام ٢٠١٢م، تحت ذريعة الحفاظ على الأمن في البلاد!!
على خطى «أيوب».!
بعد إعلان الجنرال مشرف حالة الطوارئ في البلاد، طرح السؤال التالي: كيف سيتم الرد عليه؟ وهل يمكن للمعارضة أن تصنع شيئًا لمواجهته؟
ويرى المراقبون أن ما يقوم به الجنرال مشرف اليوم قام به الجنرال أيوب خان في أواخر أيامه، حيث فجر مواجهات خطيرة في البلاد، ودفع الشعب إلى التظاهر ضده وسقط خلال المظاهرات عدد من الضحايا. وأصبحت البلاد تعيش كارثة الانفصال، مما دفع نائبه الجنرال يحيى خان إلى قيادة انقلاب ضده، وإعلان التهدئة وإلغاء حالة الطوارئ.
وفي الحال الراهنة فإنه لا يعرف بعد ردود الفعل لأن المعارضة ما زالت منقسمة على بعضها، ومازال حدث الخلق يراود عامة الناس نتيجة فقدانهم القيادة والزعيم الملهم.
من ويقول المراقبون: إن كل شيء 18 ممكن في باكستان، وإن ردود أفعال نوات عامة الشعب لا يمكن التعرف عليها تان بين الحين والآخر، وسينتظر الناس إجراءات تفيدهم في معيشتهم، وإذا نرال تدهور الوضع الاقتصادي والأمني فإن المتوقع خروجهم إلى الشارع، وقد يحمل ذلك قادة الجيش إلى التفكير في تسليم السلطة للمدنيين، وهذا هو قدر باكستان الذي تناوب فيها العسكر والمدنيون الحكم فيما بينهم.
ماذا بعد الطوارئ؟!
يؤكد «قاضي حسين أحمد»، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان أنه بعد إعلان الجنرال مشرف حالة الطوارئ في البلاد بات كل شيء واردا، بما في ذلك اندلاع حرب أهلية ويوضح قائلًا: «إن باكستان متجهة بالفعل إلى خطر الحرب الأهلية لأن غلق أبواب الديمقراطية والعمل السياسي السلمي سيدفع الغاضبين إلى حمل السلاح ضد الجيش».
ويعبر «قاضي حسين»، عن قلقه من أن بلاده متجهة إلى أخطار لا آخر لها، محذرًا من أن باكستان قد وقعت في شراك مؤامرة أمريكية، وأن إعلان الطوارئ جاء بعد ساعات قليلة من مغادرة قائد القوات الأمريكية العاصمة إسلام آباد عقب لقائه الجنرال مشرف.
ويطالب أمير الجماعة الإسلامية الحكومة العسكرية بالبحث عن طريق أمن الإعادة السلطة إلى المدنيين وعدم اغتصابها لأن هدف مشرف الواضح من إعلانه الطوارئ هو محاولة خلق الفرصة وتمهيد الطريق للبقاء في الحكم حتى عام ٢٠١٢م، وهي أمنية تؤيدها. الولايات المتحدة حفاظًا على مصالحها في المنطقة.
ومن جانبه، يستنكر أمير جمعية علماء إسلام «مولانا فضل الرحمان» إعلان الطوارئ في البلاد، ويعتبرها خطوة للقضاء على الحريات في بلاده ومواجهة الهوية الإسلامية، مشددًا على أن الحكومة ستستغل الطرف الحالي لتحقيق ما فشلت فيه خلال السنوات الماضية.
وعن التوقعات المستقبلية، يقول رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال حميد جل أن باكستان قد دخلت في امتحان صعب للغاية، وإن تجاوزه سيكون محفوفًا بالكثير من التضحيات، محذرًا من تحويل باكستان إلى دولة علمانية، واتخاذ قرارات فشل فيها الحكام السابقون منها الاعتراف به إسرائيل والتنازل النهائي عن كشمير، وإيقاف المشروع النووي الذي تعتز به باكستان، ويؤكد أن مهمة «بي ناظير بوتو» والتي تحرص أمريكا على أن تلعب دورًا مهمًا اليوم هي الإشراف على تنفيذ هذه الأمنيات.
«كانتونات» متحاربة
ويأسف بعض المحللين السياسيين ومنهم البروفيسور إرشاد خان من أن المسؤولين باتوا ينفذون مخططًا عربيًا خطيرًا قد يؤدي إلى تفكيك باكستان وتحويلها إلى كانتونات متحاربة، تحقيقًا لمشروع أمريكي بتحويلها مع عام ٢٠٢٥م إلى دويلات صغيرة ستكون أقواها البنجاب!!
وكانت أغلبية الصحف المحلية قد عبرت في افتتاحياتها بعد إعلان الطوارئ عن قلقها ومخاوفها من أن أوضاع باكستان اليوم لا يمكن حلها إلا بالحوار والتفاوض أما اللجوء إلى تضييق الحريات، ومحاصرة وسائل الإعلام ومقر المحكمة العليا، واعتقال القضاة والمحامين والسياسيين وعلماء الدين على يزيد الوضع إلا سوءًا، وحذرت من أن وجود ما لا يقل عن ١٥ ألف شخص يحملون السلاح في مناطق القبائل، ويقومون بمواجهة الجيش بكل ضراوة، يجعل التفكير في القضاء عليهم من خلال إعلان الطوارئ أمرًا يدعو بالفعل إلى القلق.
سيواجه مشرف الجميع في معركته الحالية: القضاة، ووسائل الإعلام، والسياسيين، ومسلحي القبائل، وقد يسفر هذا عن تدهور خطير في الأمن الداخلي يؤدي إلى حرمان باكستان من فرص الاستثمار : الآن أموال المستثمرين وحياتهم ستكون في خطر.
التدهور الأمني: تشهد باكستان منذ بداية هذا العام ٢٠٠٧م تحولًا خطيرًا في وضعها الأمني، أطلق عليه خبراء الأمن المحليون والأجانب مسمى الظاهرة الأمنية. بعد أن تحولت إلى جزء لا يتجزأ من حياة المواطن الباكستاني. ويقول الخبراء: إن باكستان تحولت من دولة مهددة أمنيًا. فقط في عام ٢٠٠١م إلى دولة تعيش قلقًا أمنيًا. مع حلول عام ٢٠٠٢م. مع بدء أول أعمال العنف المنظم فيها، والتي أخذت طابعًا سياسيًا.
وفي عام ٢٠٠٣م، دخلت باكستان في بداية مرحلة التدهور الأمني، بعد استهداف الرئيس الباكستاني مرتين في أقل من أسبوعين، وهي حالة لا يمكن أن تعيشها دولة قوية أمنيًا ومسيطرة على أوضاعها.
وقد بلغت الهجمات الانتحارية في باكستان منذ بداية هذا العام ٢٠٠٧م، حتى الأول من شهر نوفمبر الجاري ما لا يقل عن ٤٠ هجومًا، من بينها ١٩ هجومًا انتحاريًا بعد الهجوم الحكومي على المسجد الأحمر وجامعة حفصة في بداية شهر يوليو من العام الحالي، وخلف أكثر من 110 قتلى أغلبهم من طلاب الجامعة الدينية.
ويعتبر شهر يوليو الماضي أسوأ الشهور من حيث عدد الهجمات الانتحارية، حيث شهد ما لا يقل عن ١٤ هجومًا انتحاريًا أسفرت جميعها عن مقتل ٢٤٠ شخصًا من بينهم عدد كبير من رجال الجيش والشرطة.
ضياع هيبة العسكر
ويرى المراقبون أن شهر يوليو ٢٠٠٧م يمثل بداية النهاية لهيبة الجيش في باكستان إذ إن ثكنة واحدة في البلاد لم تعد سالمة. ولجأت جميعها إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة لمنع الهجوم عليها، وبهذا يكون حلم خصوم باكستان قد تحقق، حيث إنهم في غير حاجة للقيام بهجمات بأنفسهم ضد الجيش الباكستاني، لأن السكان المحليين شرعوا في البحث عن ثكنات الجيش وتدميرها.
ويؤكد المحللون السياسيون أن مشرف أخطأ حين وضع نفسه في خدمة واشنطن. ورهن قراراته له حربها المزعومة ضد الإرهاب معتمدًا على وعودها، وأخطأ أيضًا حين تمسك ببزته العسكرية، وحين أصر على التمسك بالسلطة ثانية في بلاد لا تتحمل زواج السياسي من العسكري، وحين تعامل مع معارضيه بمنهج الإقصاء، ومع شعبه بمنطق الاستعلاء، وهو الآن يدفع ثمن هذه الأخطاء دفعة واحدة.