العنوان باكستان هل ستشهد مواجهة على الطريقة الجزائرية؟
الكاتب مركز الدراسات الاسيوية
تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004
مشاهدات 37
نشر في العدد 1626
نشر في الصفحة 36
الجمعة 05-نوفمبر-2004
- السلطة والإسلاميون يدركان أن هناك عدوًا مشتركا هو الهند.. يتربص للتدخل في البلاد عندما تحين الفرصة
- جمعية علماء إسلام ترفض غلق مدارسها في العاصمة وتهدد بالتصعيد
- معلومات عن اتجاه لحظر الجماعة الإسلامية قبل نهاية العام الجاري
هل سيكون تاريخ 31 ديسمبر 2004م في تاريخ باكستان بداية النهاية للعلاقات الحميمة والإستراتيجية بين الجماعات الدينية والسلطات الباكستانية، وخاصة الجيش الباكستاني والاستخبارات الملتفة حوله بزعماء الجماعات الإسلامية؟
هذا ما بدأت تمهد له بعض التطورات السياسية في باكستان، لعل أهمها تعهد التيار الإسلامي الباكستاني وفي مقدمته مجلس العمل الإسلامي المتحد والجماعة الإسلامية بعدم السماح للرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف بمواصلة قيادته للبلاد بصفته رئيس دولة وقائد أركان الجيش في وقت واحد.
وكان مجلس العمل المتحد الذي يعتبر الإطار الذي تجتمع عليه الجماعات الإسلامية اليوم قد عقد اجتماعًا في 25 سبتمبر من عام 2004 في جامعة مطلع العلوم التي يترأسها نائب رئيس مجلس العمل حافظ حسين أحمد، والذي اقتحمته السلطات الأمنية في بداية الشهر الجاري في مدينة كويتا عاصمة بلوشستان اتفق على خطة تنظيم عصيان مدني في الأول من شهر يناير من عام 2005 في المدن الكبرى ثم الاعتصام والمسيرة الضخمة في العاصمة إسلام أباد بهدف الإطاحة بحكومة مشرف التي ستعدو بعد تاريخ 21 ديسمبر من عام 2004 غير شرعية وغير قانونية ويجب الإطاحة بها هذا، ويتوقع الخبراء في هذا الشأن أن السيناريوهات المتوقعة هي حملة كبيرة ستنظمها السلطات العسكرية تشمل القبض على زعماء وقادة مجلس العمل والنشطاء الإسلاميين قبل نهاية العام الجاري والقيام بحل حكومة إقليم سرحد الموالية للمجلس والمطالبة بتنظيم انتخابات جديدة فيها في خطوة الهدف منها كسر عظام الإسلاميين الرافضين لبقاء مشرف في منصبه في الحكم العسكري والمدني.
العلاقات بين السلطة والإسلاميين (1948- 2001):
يعتبر الحديث عن الصلة التي ربطت السلطة في باكستان والتيار الإسلامي حديثًا مختلفًا عما هو عليه الحال في البلاد العربية والإسلامية، وفي هذه الأسطر لا يمكننا الحديث بشكل مفصل عن نصف قرن من العلاقات بينهما لكننا يمكن أن نلخص هذه الفترة بالقول إنها مرت بمراحل نوجزها فيما يلي:
مرحلة الخلاف الصامت:
حيث شهدت مرحلة الاستقلال في عام 1947 خلافًا صامتًا بين السلطة والإسلاميين بحيث لم تخف الجماعة الإسلامية -التي كانت أكبر الجماعات الدينية في تلك الحقبة ولا زالت نشأت عام (1942)- رفضها تقسيم شبه القارة الهندية بين مسلمين وهنود ورأت ذلك تشتيتًا لقوة المسلمين ولا يخدم مقاصدهم ولا يقوي شوكتهم، كما رفضت جمعية علماء الهند بدورها الانقسام وأدى نشوء باكستان- الإسلامية إلى فتور في العلاقات بينهما مما جعل جمعية علماء إسلام، تنقسم إلى جماعتين إحداهما بقيت في الهند تحت نفس الاسم (جمعية علماء الهند) المؤيدة لبقاء المسلمين في الهند وعدم تشتيتهم والثانية جمعية علماء باكستان، ثم تحولت إلى جمعية علماء إسلام في پاکستان والمتعاطفة مع فكرة نظرية الأمتين في بعض جوانبها.
أما الجماعة الإسلامية فقد غيرت موقفها بعد تأسيس باكستان ونقلت مقرها الرئيس من دلهي إلى لاهور وطالبت بتطبيق الإسلام فيها، واعتبرت أنه ليس من الواقعية استمرار خلافها على نشأة باكستان المستقلة وتحت اسم الإسلام، ومع ذلك فقد استمر الخلاف الصامت والصراع على أشده خاصة بين الجماعة الإسلامية بقيادة مولانا المودودي وحكومة لياقت خان والجنرال أيوب خان، حتى وصل الحال أن حكم العسكر في حقبة الجنرال أيوب خان بالإعدام على المودودي ثم خفف عنه في نهاية الخمسينات وزج في حكم الجنرال أيوب خان بالمئات من أنصار الجماعة وحتى جمعية علماء إسلام في السجون بسبب المواجهات التي كانت تدور بين الجانبين، خاصة محاولات العسكر يومها تغيير النظام ورفض تطبيق الشريعة والبحث عن نشر التقاليد الغربية وخاصة في ضوء انعدام دستور باكستاني؛ إذ إن باكستان كانت لا تزال تسير بالقوانين البريطانية، ولم يكن هناك تحديد للسلطات في البلاد والأدوار التي تلعبها خاصة مؤسسات الدولة من مثل البرلمان وغيرها، وحاول الجنرال أيوب خان أيضًا حظر الجماعة الإسلامية في باكستان على غرار ما صنعته الحكومة المصرية مع جماعة الإخوان لكنه فشل لعدة عوامل واستمر الحال هكذا حتى انهيار حكم العسكر في 1972 ووصول الحكم المدني.
مرحلة التعاون الإستراتيجي: لكن فترة وصول الحاكم العسكري يحيى خان لقيادة باكستان في نهاية الخمسينات وإفراجه عن العديد من السجناء من الجماعة الإسلامية جعل العلاقات بينهما تشهد تحسنًا كبيرًا جسده التعاون الكبير بين الجيش الباكستاني والجماعة الإسلامية في باكستان الشرقية (بنجلاديش اليوم) في عام 1971 حيث قدمت الجماعة تضحيات كبيرة على رأسها كتيبتان من المتطوعين من أجل الدفاع عن باكستان الشرقية وعدم السماح بانفصالها عن باكستان، وكانت الجماعة قد أنشأت كتيبة البدر وكتيبة الشمس وهما كتيبتان عسكريتان دربهما الجيش الباكستاني وزودهما بالمعدات حيث قامت بمواجهة محاولة الانفصال التي قام بها الانفصاليون البنغال وبمساعدة هندية واضحة في بنجلاديش قبل استقلالها في عام 1971، وكان هذا التنسيق قد أبعد الشكوك والشبهات بين الجانبين.
وبعد ترأس ذو الفقار علي بوتو الحكم في پاکستان بعد عام 1972 راح يعمل على نشر الأيديولوجية الاشتراكية واصطدم مع العلماء الممثلين في جمعية علماء إسلام والجماعة الإسلامية نتيجة سياسته التي كانت قد اصطدمت معهم، ولمع في حينها عالم دين شهير كان يحمل منصب مفتي باكستان وهو مفتي محمود، وبفضل جهوده ومعارضته الشديدة لحكم بوتو تم تعيينه زعيمًا لتجمع أحزاب المعارضة حتى تم الإطاحة بحكومة ذو الفقار علي بوتو في عام 1977.
وعاد العسكر من جديد بقيادة الجنرال ضياء الحق الذي جاء بلباس إسلامي حيث تقرب من مشروع الجماعات الإسلامية ونفذ منه كما يقول المعنيون ما يقارب 50%، وغلب عليه الطابع الفني والإجرائي حيث ركّز على المظاهر الإسلامية داخل المؤسسات الحكومية وخاصة في صفوف الجيش وشعاراته.
وفي فترته تحولت العلاقة بين الإسلاميين وخاصة الجماعة الإسلامية وجمعية علماء إسلام (مجموعة سميع الحق) بعد انقسام الجمعية حول التعاطي معه من علاقة حميمة إلى علاقة إستراتيجية اعتمد عليها العسكر في صد هجمات الجيش السوفييتي على أفغانستان في عام 1979.
وسمح للجماعات الإسلامية بمختلف مذاهبها بالمشاركة في الجهاد وفتح معسكرات التدريب داخل التراب الباكستاني والتنسيق مع المنظمات الجهادية الأفغانية المختلفة فقامت الجماعة الإسلامية بإنشاء حزب المجاهدين وبدر المجاهدين وقامت جمعية علماء إسلام بإنشاء حركة الجهاد الإسلامي، كما فتحت هذه الجماعات وبدعم واضح من الجيش القواعد اللوجستية بهدف دعم الجهاد الأفغاني من مستشفيات ومرافق عامة ومدارس وغيرها.
وقام الجنرال ضياء بتخصيص ميزانية خاصة لتقوية الجماعات الدينية وأجنحتها العسكرية، كما استفاد (الجنرال ضياء الحق) من دعم الجماعات الإسلامية له ونتيجة العلاقات الإستراتيجية التي قام بهندستها وتقويتها فيما بعد رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال حميد جل في الصراع مع الهند حول كشمير - إذ إن الإسلاميين تحولوا في عام 1989 إلى كتيبة باكستانية من دون راتب تعمل على توفير المتطوعين والمضحين بأنفسهم.
وكان قاضي حسين أحمد على علاقة قوية مع الجيش والاستخبارات الباكستانية بسبب مسؤوليته في حينها حيث كان يحتل منصب رئيس لجنة افغانستان داخل الجماعة الإسلامية والأمين العام لها، ومكنته هذه المكانة من ربط علاقات قوية مع هذه الجهات قبل أن يتم تعيينه أميرًا للجماعة الإسلامية.
وكانت الجماعة الإسلامية ولا زالت تلعب الدور المحوري والمهم من أجل تحرير كشمير من الاحتلال الأجنبي. وقدم لهم الجيش الباكستاني في تلك الفترة كل الوسائل المناسبة في مثل هذه الميادين واعتبرت الجماعة الإسلامية ومن عام 1989 هي أكبر شريك للجيش الباكستاني وأجهزته الاستخباراتية في هذه المعركة من خلال ذراعها العسكري (حزب المجاهدين) ونفس الأمر كان مع الجماعات الأخرى وإن بنسب أقل.
هذه العلاقات الإستراتيجية استمرت بين الطرفين حتى بعد وصول المدنيين إلى السلطة (بينازير ونواز) وحافظوا على هذه العلاقة بين الطرفين واعتبروها مسألة تخص الجيش أكثر مما تخصهم لكن بعد عودة العسكر من جديد إلى الحكم في عام 1999 بقيادة الجنرال برويز مشرف باتت هذه العلاقة الإستراتيجية تشهد تغيرًا ملحوظًا.
العلاقات بين السلطة والإسلاميين (2001- 2004):
بدأت هذه العلاقة تتغير بتغيير العسكريين لسياستهم في أفغانستان وكشمير والشروع في الاستغناء عن خدمات المجاهدين السابقين واعتبارهم مجموعات محظورة وغير مشروعة.
مرحلة تطهير العنصر الجهادي
فالبرغم من الصمت الذي التزمه الرئيس مشرف حول مشروع الجماعات الإسلامية بعد وصوله إلى الحكم نتيجة انشغاله بتصفية ما تبقى من حكومة نواز، إلا أنه غير سياسته بعد حوادث سبتمبر من عام 2001، وأعلن في يناير من عام 2002 حظر الجماعات الإسلامية (جهادية وطائفية) وعددها 8 منظمات، وفي العام نفسه أوقف ما نسبته 70٪ من نشاط المنظمات الجهادية التي كانت تنشط في كشمير وأفغانستان وخاصة من العنصر الباكستاني حيث لم يسمح بعدها إلا للعناصر الكشميرية بمواصلة أنشطتها لكن تحت رقابة شديدة.
وقام في الوقت نفسه بتجفيف منابع هذه الجماعات حيث صادر ممتلكاتها وجمد أرصدتها في البنوك وقبض على قياداتها ووجد أنصارها أنفسهم في وضعية العاطلين عن العمل بعد أن دربوا على حرب العصابات والتفجيرات والأعمال العسكرية المختلفة، فرأوا أن معركتهم اليوم ليست في كشمير وأفغانستان بعد أن تم إبعادهم منها بل هي داخل باكستان وضد الرئيس مشرف وحلفائه الغربيين، وهو ما زالت تدفع ثمنه باكستان اليوم وتعتبرها معركة مقدسة والغريب أن الرئيس مشرف لم يكتف بالتصعيد مع بعض المجموعات الدينية فقط بل ركز أيضًا على تطهير المؤسسة العسكرية والاستخباراتية من العناصر المقربة من الإسلاميين والجهاديين والمتعاطفين مع طالبان ومشروعها والخيار العسكري في كشمير، فقد أبعد في شهر أكتوبر من عام 2001 الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الجنرال محمود بعد أن اتهمه بعلاقاته الحميمة مع زعيم طالبان الملا عمر، وعين محله الجنرال إحسان الحق، كما أبعد البريكادير رياض الذي عينه الجنرال ضياء الحق في منصب المسؤول عن مكتب التنسيق مع المنظمات الكشميرية وما يتعلق بها وأعطى في هذا الصدد المزيد من الصلاحيات لجهاز المخابرات العسكري الخاص بالجيش حيث ضاعف من ميزانيته ليتفوق على الاستخبارات العسكرية الشهيرة باسم «إس أي» وأبعد الكثير من ضباط الجيش المعروفين بتوجهاتهم الإسلامية أو المتعاطفة مع طالبان وغيرها.
التخطيط لحظر الجماعة الإسلامية:
وهو ما باتت تتحدث عنه المصادر الباكستانية مستدلة في ذلك بالمحاولات المتكررة بين الفينة والأخرى في سبيل اعتبار الجماعة الإسلامية جماعة غير مشروعة عبر تصريحات مسؤولين حكوميين كبار، والملاحظ هنا أن سياسة الرئيس مشرف إزاء كشمير وأفغانستان قد جمعت ولأول مرة الجماعات الدينية (شيعة وسنة وصوفيين وسلفيين) في مجلس واحد، وهو مجلس العمل المتحد بما فيها الجماعة الإسلامية وجمعية علماء إسلام، اللتين استمرتا ومنذ نشأتهما بعيدتين عن بعضهما البعض وغير منسجمتين والمحاولات الأخيرة من خلال استهداف المدارس الدينية التي هي قلاع هذه الجماعات ومعاقلها زادت في تقوية العلاقات بين هاتين المجموعتين الكبيرتين في باكستان، وكانت حادثة قتل عالم دين بعد سجنه قد قربت أكثر بين وجهات النظر بين الجماعتين وكانت كل من جمعية علماء إسلام والجماعة الإسلامية قد رفضتا الضغوطات الحكومية وخاصة التي قادها رئيس الاستخبارات العسكرية الجنرال إحسان الحق في كراتشي مؤخرًا حيث طالبت الجماعتين بإغلاق مدارسهما في العاصمة إسلام آباد؛ الأمر الذي رفضته هذه الجماعات وطالبت بالاستعداد لمواجهات محتملة مع الحكم العسكري كما جاء في بياناتها، وأضاف مجلس العمل أنه ربما قد حان الوقت للمقاومة من أجل الاحتفاظ بهذه القلاع العلمية في باكستان. هذا، وكان قد لوحظ في الأسابيع الأخيرة في تجمعات مجلس العمل رفع شعارات ضد أمريكا مثل الجهاد طريقنا...
وكانت مصادر مطلعة قد تحدثت عن أن هناك تخطيطًا لحصر الجماعة الإسلامية قبل نهاية العام الجاري وعدم السماح لها بتحريض الشارع ضد حكم الرئيس مشرف والمطالبة بالإطاحة به.
وكان قاضي حسين أحمد قد وعد بأنه سيقود مسيرة مليون شخص ضد مشرف في بداية العام القادم لحمله على الاستقالة من منصبه الجماعة الإسلامية تعاملت مع هذا التخطيط بمنتهى الجدية، حيث أعلنت مصادر مقربة منها من أنها عينت قيادة بديلة لها، كما قامت بتغيير قياداتها من الصف الثاني لمواجهة الطوارئ.
وتقول الجماعة إنها على علم بأن هناك تخطيطًا تقف خلفه أمريكا من أجل حمل الحكومة على منع الجماعة من أنشطتها في باكستان.
هذا ويقول المراقبون هنا في باكستان أن قيام السلطات بحظر الجماعة الإسلامية لن يكون سهلًا على الرئيس مشرف لأنها تملك نفوذًا قويًا وكبيرًا داخل مؤسسات الدولة المهمة، ويتوقع البعض أن إقدام حكومة مشرف على هذه الخطوة قد يتفجر حربًا أهلية في البلاد قد تكون أسوأ من الحرب الأهلية في الجزائر الحرب الأهلية في الجزائر.
لكن هناك من المحللين من يقلل من هذه الأخطار بالقول إن الجانبين قد يتوصلان إلى اتفاقية بينهما بحيث يتعهد الرئيس مشرف بتقديم استقالته من منصبه العسكري بعد 3 سنوات أي تنتهي مع نهاية ولايته الأولى في ترؤس باكستان في عام 2007.
الملاحظ هنا أن السلطة والإسلاميين يدركان بخلاف الجزائر وغيرها أن هناك عدوًا يتربص بهم وهو الهند التي متى وجدت الوضع قد انهار أو قد تحول إلى حرب أهلية فقد تتدخل بحجة حماية رعاياها الهنود ومصالحها في باكستان وأخطار انتقال العدوى إليها وتنشر قواتها .. مثلما فعلته في باكستان الشرقية في عام 1971 وقامت بتفكيك باكستان إلى دولتين.
إدراك الطرفين لهذا العدو والأخطار التي يشكلها قد يبعد شبح المواجهة بين الطرفين أو حمل السلاح وإغراق البلاد في الدماء.