العنوان مؤامرة.. لتقسيم باكستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1971
مشاهدات 124
نشر في العدد 53
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 30-مارس-1971
• العصبية الجاهلية تؤدي إلى انقسام باكستان وتمزّقها..
• حرب أهلية في أكبر دولة مسلمة في العالم
• ماذا قالت مجلة التايم الأمريكية قبل الانقسام بأسبوعين؟
من المسؤول عن تمزيق وحدة باكستان؟
وأخيرًا حدث ما تم طبخه في مطبخ الشرق أو الغرب، وأعلن مجيب الرحمن انفصال باكستان الشرقية، وأعلنها دولة مستقلة ذات سيادة، وأطلق عليها اسم «دولة البنغال الشعبية»
لكن هذا الذي وقع لم يكن وليد ساعة أو لحظة قصيرة من عمر الزمن، فإن باكستان التي قامت على أساس العقيدة الإسلامية وحدها ظلت متماسكة قوية إلى أن بدأ الأعداء يضربون هذا الأساس من جذوره، وقدم الناس عصبية الجنس واللون واللغة على وحدة الإيمان بالله والأخوة الإسلامية، فاعتز هذا بأنه بنغالي وافتخر ذاك بأنه سندي أو بنجابي وتظالم الطرفان واستبدت بالمسؤولين منهم الأنانية والأثرة حتى امتلأت النفوس حقدًا وكراهية وتمردًا.
إن انقسام باكستان كان نتيجة سنين طويلة من التآمر الداخلي والخارجي، لعبت فيه الدول الاستعمارية دورًا بارزًا، كما لعبت فيه الهند دورًا خطيرًا، ولكن الأمر لم يقتصر على ذلك، ولو اقتصر لما تحقق، فالعامل الأكبر الذي أدى في نظري إلى الانقسام المرير هو بعد المسؤولين في جناحي باكستان عن الروح الإسلامية الحقة التي تؤثر الأخ على النفس، وتجعل المؤمن يتصدق ولو كان به خصاصة، فلما ضعف وازع الإيمان تمزق الجناحان وكانت المصيبة.
إن باكستان الشقيقة قد دخلت حربًا أهلية مريرة تحتاج إلى وساطة كافة القِوَى المخلصة في العالم العربي والإسلامي، فلعل هذا الصدع أن يرتئب.
وبعد، فهذه ترجمة لمقال نشرته مجلة تايم الأمريكية في ١٥ مارس الماضي، وهو يشير بإصبع الاتهام إلى الدول الكبرى التي صنعت الانقسام، قالت التايم الأمريكية:
حذار من الانقسام
باكستان توشك أن تنقسم
باكستان الغربية:
عدد سكانها 58 مليون نسمة.
مقاعدها في المجلس التأسيسي 144.
فاز حزب الشعب الباكستاني بــ 83 مقعدًا.
باكستان الشرقية:
عدد سكانها 72 مليون نسمة.
مقاعدها المقررة في المجلس التأسيسي 169 مقعدًا.
فاز حزب عوامي منها بـ 167 مقعدًا.
من مجلة التايم الأمريكية
قال محمد علي جناح، مؤسس دولة باكستان في عام 1948 العبارة التالية التي بدأت تنطبق على باكستان: «حين نبدأ في التفكير بأنفسنا كبنغاليين وبنجابيين وسنديين أولًا ثم كمسلمين وباكستانيين بِطْرِيق المصادفة فحسب، عندها يكون انقسام باكستان وتمزقها أمرًا حتميًا».
متى قال محمد علي جناح هذه العبارة؟ لقد قالها وهو يتوجس خيفة على باكستان في أثناء الصدامات الدموية الجماعية التي أعقبت تقسيم شبه جزيرة الهند في عام ١٩٤٧، وها هو ذا الدَّم يسيل من جديد خلال الأسابيع القليلة الماضية في أكبر خامس دولة في العالم من حيث تعداد السكان وهو ١٣٠ مليون نسمة، هذه الدولة المنقسمة على نفسها إلى غرب يعيش أهله طوال القامة، سمر البَشَرَة على القمح، وإلى شرق يعيش على زراعة الأرز ويضم سكانًا قصار القامة سمر البَشَرَة، لقد بدأ الانقسام الفعلي يهدد البلاد وينذر بحرب أهلية مشؤومة.
الأيدي التي تحرك الانقسام
وللمرء أن يتساءل، ترى من يقف وراء هذا التحرك للانقسام؟ والجواب هو أنه الشيخ مجيب الرحمن الزعيم السياسي الوحيد في باكستان الشرقية، الأكثر ازدحامًا بالسكان، والأشد فقرًا، فقد صرح مجيب لمراسل تايم بقوله: «إن باكستان بوضعها الحالي اليوم قد انتهت» فلم يعد هناك أي أمل في الوصول إلى تسوية، ودعا إلى تبني كل من باكستان الشرقية والغربية دستورًا مستقلًا، وقال بأن أتباعه يرفضون دفع الضرائب للحكومة المركزية في الغرب.
وقد ظهر على وشك إعلان الاستقلال لما يسمى بدولة البنغال، التي يمكن أن تصبح الدولة الثامنة في العالم من حيث تعداد السكان «72,000,000» نسمة.
فإذا صرح الشيخ مجيب بذلك، فقد تنشب حرب مكشوفة بين الباكستانيين الشرقيين وبين قوات الجيش الباكستاني المتمركزة في باكستان الشرقية وعددها 60,000 جندي معظمهم من باكستان الغربية.
أسباب الأزمة
لقد جاءت الأزمة الحالية امتدادًا للقلاقل التي وقعت تبعًا لإهمال الحكومة المركزية شئون باكستان الشرقية، وهي القلاقل التي اضطرت الرئيس السابق محمد أيوب خان إلى الاستقالة قبل عامين. أما خلفه الجنرال أغا محمد يحيى خان فهو رجل معتدل رغم حزمه، وقد لوح بأمل للباكستانيين الشرقيين مفاده أنهم سينالون حظًا أوفر في حكم البلاد، فأجرى انتخابات في ديسمبر الماضي لتشكيل مجلس تأسيسي يقوم بوضع دستور جديد، وهو رابع دستور لباكستان منذ استقلالها عام ١٩٤٧، وظن يحيى خان أن الشيخ مجيب وحزبه المسمى رابطة عوامي سيفوز بحوالي 60% من مقاعد باكستان الشرقية البالغ عددها ١٦٩ مقعدًا من ۳۱۳ مقعدًا وهي مجموع مقاعد المجلس المذكور، وحسب أن بقية الأحزاب في باكستان الشرقية ستنضم إلى باكستان الغربية فتمنع مجيب من الفوز بأغلبية الأصوات والتحكم بالبلاد بأجمعها، لكن ظن يحيى خان وفاز حزب مجيب بـ ١٦٧ مقعدًا من مجموع ١٦٩ مقعدًا وهكذا نال أغلبية ساحقة في المجلس، وكان ذلك بمثابة إجماع جماهيري على المطالبة بالحكم الذاتي لا بل الاستقلال، وهكذا خرج مجيب قويًا بعد المعركة الانتخابية، فقدم للحكومة المركزية برنامجًا من ست نقاط طالب فيها أن تتولى باكستان الشرقية جمع ضرائبها بنفسها وكذلك تولي شئون التجارة الخارجية والمعونة الخارجية، وبذلك يضع حدًا لسيطرة باكستان الغربية على الشرقية التي طال أمدها.
اتهامات لا مبرر لها
إن مجيب الرحمن يتهم باكستان الغربية باستيلائها على 70% من المعونات الخارجية التي ترد إلى البلاد على الرغْم من أن عدد سكان باكستان الغربية لا يتجاوز ٥٨ مليون نسمة، وكذلك باستيلائها على 70% من الواردات، واحتكار 85% من الوظائف المركزية، و90% من الجيش، وعلى النقيض من ذلك فإن باكستان الشرقية الأكثر سكانًا «۷۲ مليون مجموع سكانها» لا تزال من أكثر المناطق ازدحامًا بالسكان «فيتمركز حوالي ١٤٠٠ شخص في كل ميل مربع واحد» وهي من أكثر المناطق فقرًا «الدخل الفردي السنوي معدله 50 دولارًا فقط»، وهي من أكثر المناطق تعرضًا للكوارث، إذ إن إعصار العام الماضي الذي وقع في دلتا نهر الكنج راح ضحيته ما يقارب نصف مليون شخص كلهم من الباكستانيين الشرقيين.
باكستان الغربية:
أما في باكستان الغربية، فأقوى مرشح فاز في انتخاباتها هو وزير الخارجية السابق ذو الفقار على بوتو، وحزبه المسمى بحزب الشعب الباكستاني فقد حاز على ۸۳ مقعدًا من مجموع ١٤٤ مقعدًا، وكل من بوتو، ٤٣ سنة، ومجيب ٤٨ سنة، على طرفي نقيض، فذو الفقار علي بوتو من أسرة إقطاعية غنية وهو يميل للصين ويعادي الهند، أما مجيب الرحمن فهو من أسرة قروية من الطبقة المتوسطة، وهو يؤيد الغرب ويود أن يتصالح مع الهند، والأهم من ذلك أن معظم الرأسماليين في باكستان الغربية وكبار الموظفين والضباط يؤيدون بوتو الذي يعارض النقاط الست التي قدمها مجيب لأنهم يعتقدون أنها تحطم وحدة باكستان كما تقضي على آمال بوتو نفسه.
وبدأ الصدام
لقد رفض مجيب الرحمن مرتين دعوة من يحيى خان للاجتماع به في إسلام آباد العاصمة المركزية الواقعة في باكستان الغربية، حدث ذلك بعد انتخابات ديسمبر، فذهب يحيى إلى داكا، عاصمة باكستان الشرقية ولحق به بوتو، لكنهم لم يتوصلوا مع مجيب إلى أية نتيجة، بل حذرهم بفظاظة قائلًا: لن تستمر الأقلية في حكم الأكثرية.
وقبل يومين من الاجتماع المقرر للمجلس التأسيسي في دكا، قام يحيى بتأجيله إلى أجل غير مسمى كي يتيح الفرصة أمام الزعماء السياسيين للتوصل إلى اتفاق، فاغضب ذلك أهل بنغال «باكستان الشرقية» واعلن مجيب الرحمن: «إنني لا أريد فرض برنامج النقاط الست على باكستان الغربية، ولكنها حق لأبناء البنغال، وسوف يحصلون عليها» وللإعراب عن استنكاره لإجراء يحيى دعا مجيب إلى إضراب عام طوال اليوم التالي، وإلى إضراب جزئي يشمل نصف اليوم طوال بقية أيام الأسبوع، وقد وقعت حوادث عنف مختلفة من اعتداء على المتاجر والمحلات والمصانع ووقف القطارات والطائرات وهتفت الجماهير الغاضبة «النصر للبنغال» وكانت تجوب شوارع داكا، وقد قتل نتيجة صدامات مع قوات الجيش ما لا يقل عن 25 شخصًا، بالإضافة إلى 100 شخص قتلوا في مدينة شيتاجونج الميناء، وقد استنكر مجيب قيام الجيش بإطلاق الرصاص ووصفها بأنها: «ذنب لا يغتفر» وحذر بقوله: ستقوم حرب أهلية إذا لم ينسحبوا.
وقد اعلن يحيى خان من الإذاعة بأن المجلس التأسيسي سيجتمع في ٢٥ مارس وأصاف بقوله: ما دمت قائدًا للقوات المسلحة فسوف أحافظ على وحدة باكستان المطلقة والتامة، وليس من المتوقع على كل حال أن يؤدي قرار يحيى لعقد المجلس التأسيسي إلى التخفيف من سخط مجيب فقد صرح مجيب قبل ذلك بيومين بقوله: سوف أحطمهم والقي بهم إلى الركب وهذا التصريح لا يقل عن إعلان صريح بالاستقلال.
والمجتمع تناشد العالم الإسلامي حكومات وشعوبًا أن يقفوا إلى جوار وحدة باكستان ويعملوا على تحطيم تلك الأيادي الخفية التي تحاول فصل باكستان وتمزيقه.
وإنها لحقًا مؤامرة كبرى يلعبها الاستعمار شرقيه وغربيه لتمزيق أواصر الأمة الإسلامية وتجزئة أوطانها.
الرابط المختصر :