العنوان بالتعويضات الألمانية يتم تجديد العقدة النازية في أوروبا
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1339
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 23-فبراير-1999
مضى على نهاية الحرب العالمية الثانية (٥٣) عامًا، وعلى اندلاعها (٦٠) عامًا، وعلى وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا (٦٦) عامًا، فلئن بقي أحد من اليهود الذين تتحدث عنهم التعويضات، فهم -ولا ريب- قلة من المسنين، وهؤلاء كانوا آنذاك أطفالًا وناشئة من العسير تصور أن ودائع النازيين الذهبية في المصارف السويسرية آنذاك كانت مما صودر من ممتلكاتهم، ولا يمكن تصور أنهم هم الذين جرى تشغيلهم في المصانع.
وبرغم ذلك فقد حفلت السنوات الماضية بحملة واسعة النطاق، قامت بها المنظمات اليهودية الأمريكية، وساندتها السلطات والمحاكم الأمريكية، للحصول على تعويضات مالية جديدة من الشركات والمصارف الأوروبية عمومًا، وحققت الحملة أغراضها بمليارات تعهدت بدفعها شركات ومصارف مالية من سويسرا وبريطانيا وفرنسا والآن من ألمانيا.
وليست الحملة جديدة تمامًا، ولكن تأجيل الحديث عن مثل هذه التعويضات في الخمسينيات الميلادية كان نتيجة ضغوط أمريكية، عندما كانت واشنطن تتجنب تحميل ألمانيا أعباء إضافية تضعف قدرتها على تسديد الديون المستحقة لصالح الولايات المتحدة نفسها آنذاك، بعد الدعم المالي الأمريكي لصالح إعادة بناء الاقتصاد في غرب ألمانيا، وبعد سقوط الشيوعية في الشرق فتحت أبواب جديدة للمطالبة بتعويض اليهود في البلدان الشرقية على غرار ما سبق دفعه من عشرات المليارات لصالح اليهود في البلدان الغربية، وكان من أبرز ما ميز مجرى ما دار من مفاوضات حول التعويضات الجديدة- أن تحديد نتائجها لم يكن على مائدة المفاوضات قدر ما جاء نتيجة ضغوط متواصلة، وابتزاز علني تواكبه حملة إعلامية منظمة خارج نطاق المفاوضات، فالمصارف السويسرية التي خضعت لمطالب اليهود الأمريكيين في منتصف عام ۱۹۹۸م، صنعت ذلك بعد تهديد سلسلة من المصارف الأمريكية الكبرى، وعدد من المسؤولين في الولايات الأمريكية بمقاطعة التعامل مع تلك المصارف على المستوى الأمريكي والعالمي، كذلك فآخر الاتفاقات المعقودة الآن سبقتها مفاوضات جرت تحت سيف التهديد المصلت من جانب ذوي النفوذ المالي اليهودي الأمريكي، على أكبر المصارف الألمانية «دويتشه بنك» ومحوره عرقلة الصفقة التي وصلت إلى مرحلة الاتفاق النهائي لشراء مصرف «تراسترس» الأمريكي، ويبدو أن التهديد بإساءة السمعة كان له مفعوله المباشر أيضًا، وأول من سارع إلى التلبية على المستوى الألماني كانت شركة فولكس فاجن التي رصدت أسلوب التعامل مع المصارف السويسرية، فأنشأت في العام الميلادي الماضي صندوقًا بقيمة عشرين مليون مارك للتعويض على من بقي من الضحايا وذويهم ممن جرى تشغيلهم في مصانع الشركة في العهد النازي، وهو ما أصبح يشمل في الاتفاق الحالي بضع عشرة شركة ومصرفًا ماليًا.
الدراسات التاريخية الجامعية تقول إن عدد العمال من غير حملة الجنسية الألمانية الذي اشتغلوا في المصانع الألمانية بعد استلام النازيين للسلطة- بلغ أكثر من سبعة ملايين أجنبي من مختلف البلدان الأوروبية، ولكن المقصود بالتعويضات هم فقط «اليهود» من بينهم، ويقول عن هؤلاء العمال الآن إنهم كانوا يعملون بالإكراه، ولكن قضية الإكراه مشكوك فيها، فقد كانوا -كما تقول الدراسات التاريخية- يحصلون على حوالي (٦٠٪) من الأجور التي يحصل الألمان عليها، وهو وضع يشابه وضع كثير من العمال الأجانب في كثير من البلدان الغربية وغير الغربية في الوقت الحاضر، فهل يمكن وصف تشغيلهم بالإكراه، وهل سيظهر من يطالب بالتعويض لهم لصالح ذويهم بعد خمسين أو ستين سنة؟
عند النظر في حجم التعويضات التي قد تصل بمجموعها إلى بضعة مليارات لا ينال الفرد اليهودي منها سوى بضع مئات من الماركات، يبرز جانب آخر من الموضوع وهو الجانب الرمزي، وإذا كانت وسائل الإعلام تشير إلى ذلك من زاوية عدم كفاية المال مهما كان حجمه للتعويض عن التعذيب النفساني والجسدي في العهد النازي، فإن الجانب الرمزي الآخر الذي تطرحه القضية هو الحرص اليهودي الشديد في الوقت الحاضر، ومنذ سنوات على تجديد تأثير العقدة النازية في ألمانيا وأوروبا عمومًا، بعد أن اضمحل مفعولها إلى حد بعيد، وباتت تثير الغضب المكبوت عند الجيل الأكبر سنًا، وتصل إلى مستوى انتشار الفكاهات اللاذعة عن اليهود من جديد بين الأطفال والناشئة في المدارس، ويشير إلى ذلك أيضًا ما يتردد على شكل شائعات عن الحكومة الألمانية الجديدة أنها تريد أن تضع حدًا لمسألة الأعباء التاريخية، ويعقب معلقون غربيون على ذلك بأن أحد أسباب الوصول السريع نسبيًا إلى اتفاق الآن الرغبة في نفي صحة هذه الشائعات، بينما يؤكد صحتها أمر آخر وهو أن العقبة الرئيسة التي بقيت حتى اللحظة الأخيرة في وجه الاتفاق الجديد على التعويضات بما قد يصل إلى ملياري مارك- كانت تتمثل في حرص الجانب الألماني على تثبيت تعهد من جانب ممثل اليهود ومنظماتهم الأمريكية بعدم طرح قضية التعويضات مجددًا، ولا سيما عبر المحاكم الأمريكية، كما يشير إلى الأجواء السائدة في ألمانيا على هذا الصعيد ما دار ويدور من نقاش حول إقامة نصب تذكارية ضخمة، لا سيما في برلين، عن ضحايا النازية، فقد أثارت خلافًا شديدًا ما بين مؤيد ومعارض حتى فقدت مغزاها مسبقًا، ولا ريب أن استمرار أسلوب الابتزاز والضغوط -مما يشمل القطاعات التعليمية والتربوية والإعلامية أيضًا- يمكن أن يثير ردود فعل مضادة آجلًا أو عاجلًا، لن تقف عند حدود ألمانيا، وسيصعب على النفوذ اليهودي المالي ضبطها في نهاية المطاف.