العنوان بالعقل والمنطق تُهندس الحياة
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1709
نشر في الصفحة 58
السبت 08-يوليو-2006
هندسة التأثير
مازلت مستمتعًا بقصيدة أحمد شوقي، وهو يصف خير من خلق ربي - محمدًا صلى الله عليه وسلم- ويثني عليه ويبين فضائله، ورغم أنه لم يستطع ولن يستطيع الإحاطة بفضائل الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه أبدع في ذكر بعض أخلاقه وقدراته وملكاته التي استطاع من خلالها أن يأسر العقول والقلوب وأن يجعل العدو قبل الصديق، يحترمه ويقدره ويُبهر به، فتأمل معي بعين عقلك وقلبك بعض ما قاله شوقي في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم :
وإذا خطبت فللمنابر هِزة * * * تعر و الندي، وللقلوب بكاء
وإذا قضيت فلا ارتياب، كأنما * * * جاء الخصوم من السماء قضاء
وإذا بنيت فخير زوج عشرة * * * وإذا ابتنيت فدونك الآباء
وإذا أخذت العهد، أو أعطيته * * * فجميع عهدك ذمة ووفاء
وتمدُّ حلمك للسفيه مُداريًّا * * * حتى يضيق بعرضك السفهاء
أما حديثك في العقول فمشرع * * * والعلم والحكم الغوالي الماء
جرت الفصاحة من ينابيع النهي * * * من دوحه، وتفجر الإنشاء
لما دعوت الناس لبى عاقل * * * وأصم منك الجاهلين نداء
أبوا الخروج إليك من أوهامهم * * * والناس في أوهامهم سجناء
ومن العقول جداول وجلامد * * * ومن النفوس حرائر وإماء
يا أيها الأمي حسبك رتبة * * * في العلم أن دانت بك العلماء
المصلحون أصابع جمعت يدًا * * * هي أنت، بل أنت اليد البيضاء
إن الذي يمتلك هذا الخلق الكريم وهذا العقل الذكي وهذا العلم الغزير، حري به أن يكون من صناع التأثير ومهندسي الحياة.
إننا بحاجة أن نمتلك أدوات الإقناع لنكون مؤثرين، ولعل أهم هذه الأدوات.. استثمار العقل والمنطق في التأثير والإقناع.
وفي التاريخ الحديث.. قصة لطيفة تبين مقدرة صاحبها في إقناع الآخرين، فقد اعتقلت حكومة عبد الكريم قاسم في العراق، بعض علماء العراق، فذهب كل من الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ محمد فؤاد الآلوسي والشيخ عبد القادر الخطيب لمقابلة رئيس الجمهورية عبد الكريم قاسم للتحدث معه في أمر تلك الاعتقالات، ولما وصلوا حياهم عبد الكريم قاسم ورحب بهم أجمل ترحيب، وأعرب عن سروره بوجوده معهم في هذه الليلة بالذات لمساعدته في اختيار نسخة من بين عدد كبير من مخطوطات القرآن الكريم التي ستقوم الحكومة بطبعها على نفقتها وتوزيعها في أنحاء العالم هدية.
فرد الشيخ محمد فؤاد الألوسي عليه: إن المصاحف كثيرة جدًا، وليس المهم طباعة المصحف بل المهم تطبيقه، فماذا يفيد البلاد والعباد أن تطبع آلاف المصاحف إذا لم تطبق أحكام القرآن وتعاليمه ؟!
وتحدث الشيخ أمجد الزهاوي في أمر اعتقال العلماء، وقال مخاطبًا عبد الكريم قاسم أفندي: إنا أظن أن الحجاج كان أعقل منك، فانتفض عبد الكريم انتفاضة السليم، فواصل الشيخ: أتدري لماذا ؟ قال: لا.
قال الشيخ: لقد كان الحسن البصري معروف ببلاغته وفصاحته وتأثير مواعظه وخطبه، وكان كثيرًا ما يندد بتصرفات الحجاج على المنبر، فقيل للحجاج: ما الذي يجعلك تترك الحسن البصري يصول ويجول وهو ينتقدك، وقد تقتل غيره بأقل من ذلك بكثير، وقد قتلت سعيد بن جبير من غير أن يقول فيك شيئًا مما قاله الحسن!!
فقال الحجاج: ويحكم الحسن لا يملك إلا لسانه، والناس يسمعون عني ما يسمعون، لكنهم إذ سمعوا الحسن وما يقول، ورأوا صبري عليه واحتمالي له، فإنهم قد يكذبون كل ما قيل لهم فيّ، أما أولئك الذين لا يقولون مثل ما يقول الحسن ولا شيئًا مما يقول، ولكنهم لا يترددون في الانضمام إلى أي ثائر كان على أمير المؤمنين لو واتتهم الفرصة، فإن هؤلاء مكمن الداء ومصدر الخطر.
ثم أكمل الزهاوي وقال: إنه لا خطر على كرسيك من الشيخ الفلاني، ولا مني، ولا من جميع المشايخ والعلماء والخطباء، لكن مصدر الخطر عليك هؤلاء، وأشار إلى مرافقي عبد الكريم الواقفين خلفه، فهؤلاء يحملون السلاح، ويرون ما أنت فيه، وقد يغبطونك على ما أنت فيه من سلطان، ويتمنون لو استأثروا به دونك.
فابتسم الجميع، وقبل أن يرد عبد الكريم على الشيخ الزهاوي بكلمة واحدة، مد يده إلى الهاتف وطلب مدير الأمن العام، وأمره بإطلاق المعتقلين من العلماء، وظل عبد الكريم أسبوعًا يلوم مرافقيه لومًا شديدًا، لأنهم لم يعرفوه بهذا النوع من العلماء طوال فترة حكمه، وقال: لقد أضعتم وقتي مع أناس لم يكونوا يستحقون من وقتي شيئًا، وحجبتموني وحجبتم عني أمثال هؤلاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل