; بانتظار الاستئناف: الفصل الثاني من «هذا سيفوه» | مجلة المجتمع

العنوان بانتظار الاستئناف: الفصل الثاني من «هذا سيفوه»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989

مشاهدات 78

نشر في العدد 943

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 28-نوفمبر-1989

  • استهزاء المسرحية بشخصية «الملا» بطريقة «فجـمان» من أبرز أسباب الاستـيـاء الـشـعـبـي مـنهـا.

منذ منتصف العام الماضي وحتى أيام قريبة أصبحت مسرحية «هذا سيفوه» للحوار والحديث والنقاش المحتدم أحيانًا والهادئ أحيانًا أخرى، كما أنها استجرت أقلامًا عديدة للكتابة عن موضوعها وأحداثها، وما خلفته من انطباعات لدى المشاهدين لها والمتابعين لأخبارها.

وتبدأ القصة في ٧/٦/١٩٨٨، حيث تم افتتاح عروض هذه المسرحية وسط دعاية إعلامية مكثفة يدعمها حضور فني متميز من أسماء لامعة في عالم التمثيل، وكان توقيت العرض مناسبًا حيث وافق عيد الفطر المبارك، كما أنها أول عمل يجمع قطبين مسرحيين بعد انقطاع بينهما وهما سعد الفرج وعبدالحسين عبدالرضا، وكل هذه العوامل أعطت فرصًا ذهبية للاهتمام الجماهيري والنجاح الإعلامي والدعائي للمسرحية.

غير أن كل هذه العوامل التي كانت كفيلة بتوفير النجاح الكبير والانتشار المتميز لهذه المسرحية، كانت سببًا للارتداد العكسي للنتائج المتوقعة، حيث قد حفلت المسرحية -من بداية العرض الأول لها- بمشاهد ومقاطع حوار صارخة من حيث اللفظ والمضمون، وذات جرأة تفوق الحد في تخطي الآداب والقيم وقواعد اللياقة، تركزت في معظمها على شخصية «الملا» وهو الرجل العالم الذي يقوم بتدريس علوم القرآن للأطفال. ونتيجة لهذا التطرف والحدة في السخرية والاستهزاء من شخصية الملا استخدام ذات الأسلوب وفي جوانب أقل من فئة التجار أو البرجوازية الوطنية وأهل البادية، انقلبت عوامل النجاح المتوقعة من حضور فني وإعلام دعائي قوي وتوقيت ممتاز، إلى عوامل فشل وأدوات لإسقاط أية فرص نجاح، بل على العكس كانت سببًا في حشد رأي عام معارض بحدة لمضمون هذه المسرحية، وما صوره الممثلون فيها من مشاهد ومواقف أريد منها أن تعبر عن فترة مهمة جدًّا من تاريخ الكويت.

توقف للمسرحية.. وامتناع عن المشاركة

بعد شهر تقريبًا من العروض اليومية، توقفت المسرحية عن تقديم أية عروض واختلف المتابعون في أسباب هذا التوقف، فمنهم من قال إن وزارة الإعلام قد أوقفت تلك العروض، ومنهم من قال إن هنالك شكوى قدمت للنيابة العامة ضد المشاركين في المسرحية مما جعلهم يعيدون النظر في إجراء تعديلات عليها، وهناك من قال إن اثنين من المشاركين أبدوا رأيهم بعدم الاستمرار. والمؤكد من كل تلك الأسباب أن اثنين من المشاركين في المسرحية وهما إبراهيم الصلال وخالد النفيسي قد امتنعا عن الاستمرار في أداء أدوارهما في المسرحية، وبرر الأول هذا الرفض بقوله: إن قبوله للاشتراك في المسرحية كان بعد قراءته للنص وإعجابه بشخصية الملا التي تمثل شخصية والده «الملا مزعل» يرحمه الله، غير أنه بعد أن توالت العروض كثر الخروج على النص وأصبح الهجوم والسخرية من الملا مادة جديدة للنص، ولّدها الارتجال على المسرح، وهو ما دفعه إلى التوقف عن الاستمرار في المسرحية. ولا شك بأن من أهم الأسباب الدافعة لتوقف المسرحية كانت الحملة الصحفية والإعلامية التي وجهها المعارضون لفكرة ومضمون وعروض هذه المسرحية، وعلى اختلاف انتماءاتهم توافقوا جميعًا على عدم اتفاق المسرحية مع الواقع والتاريخ الحقيقي لتلك الفترة التي حاولت المسرحية تصوير أحداثها. بالإضافة إلى أن أسباب الاستياء الشعبي تمثلت في عرض المجتمع الكويتي في الأربعينيات والخمسينيات عرضًا غير مشرف واستهزأت بشخصية «الملا» بطريقة فجة، وأساءت تصوير أهل البادية، كما وصمت فئة التجار بالوصولية، واتهمت البرجوازية للإنجليز الوطنية بالعمالة.

عودة ضعيفة

بعد ثمانية شهور من التوقف جاءت الأنباء لتذكر بأن هناك نية لإعادة عرض المسرحية خارج الكويت، وفي السعودية على وجه الخصوص، وقد كانت رابطة العالم الإسلامي قد استنكرت هذه المسرحية، وأبدت رأيها في العمل على وقف المسرحية ومنعها من العرض داخل الكويت أو خارجها.

لماذا تدخلت النيابة العامة؟

كان من الطبيعي أن يتولد عن شعور الاستياء الشعبي العام من المسرحية، رد فعل ينقل هذا الشعور والآراء الشعبية إلى الجهات المختصة، فكان أن تقدمت مجموعة من المواطنين بشكوى إلى النيابة العامة بطلب توجيه الاتهام إلى المشاركين في المسرحية بتهمة المساس بالدين الإسلامي والتعدي على العلماء والسخرية منهم، وما إن بدأت النيابة العامة التحقيق، حتى تأكد لها من خلال تقارير رقباء وزارة الإعلام وشهادات الشهود وجود مخالفات صريحة وعبارات وإشارات غير لائقة جرى ذكرها وعرضها إبان سير عروض المسرحية.

محاكمة.. للبذاءة

ولا شك بأن النيابة العامة من خلال التحقيقات التي أجرتها مع جميع الأطراف ذات الصلة بالموضوع، رأت وجاهة الشكوى وقيامها على أساس صحيح، فأحالت الأمر إلى القضاء لإصدار الحكم العادل في الاتهامات الموجهة إلى المتهمين فيها.

حكم القضاء.. ووظيفة الفنان

رأت المحكمة لدى استعراض القضية أمامها أن التهمة قد ثبتت في حق المتهم الأول، وأن ما جاء على لسانه من أقوال وما صدر منه من أفعال، قد خلت من موافقة إدارة المصنفات في وزارة الإعلام على عرض المسرحية بكل ما فيها من هدم للقيم وتشهير للدين الإسلامي.

وجاء حكم المحكمة ليوجه الفنان حيث كان لأداء الدور السامي المنوط به، ومراعاة استخلاص ما هو صالح ومتوائم مع عقيدتنا وقيمنا، وعدم فتح الباب على مصراعيه للثقافة الوافدة، إذ إن في ذلك ترك للأبواب مشرعة للشوائب الضارة والهواء المسموم.

رأى القضاء أن هنالك تجاوزًا على النص المسرحي المجاز تناول بالاستهزاء والسخرية شخصية «الملا»، وهو الرجل الذي بذل جهدًا كبيرًا في تعليم الكثير من آبائنا وأجدادنا، ويستحق منا كل الشكر والتقدير على هذه الرسالة والأعمال الجليلة، وأشارت المحكمة إلى أن هنالك تشويهًا أيضًا لصورة التجار في الكويت قديمًا، وهم الذين ما كانوا يبخلون بالتبرع بأموالهم في أعمال الخير وتشييد المساجد والمدارس، وكان معظمهم مثالًا للأمانة والنزاهة.

علامة فارقة.. في المسرح

وهذه السلسلة من الأحداث التي رافقت بداية «هذا سيفوه» حتى صدور الحكم من القضاء، تمثل علامة فارقة في تاريخ المسرح، أو هكذا ينبغي أن تكون؛ ذلك أن هذه التجربة ستظل نبراسًا لكل من أراد تقديم فن صادق راقٍ خال من الفحش والتعدي على القيم والأخلاقيات، وستظل كما الخريطة المرسومة، والتي تقي الفنان من ولوج حدود دائرة الخطأ والعيب واللامقبول.

الرابط المختصر :