; بدايات الحروب الصليبية وأيديولوجية الدمار | مجلة المجتمع

العنوان بدايات الحروب الصليبية وأيديولوجية الدمار

الكاتب فيصل الخيري

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002

مشاهدات 55

نشر في العدد 1484

نشر في الصفحة 42

السبت 12-يناير-2002

*صفحة سوداء من تاريخ الحروب الصليبية.. مركبات النقص السياسي والحضاري الممتزجة بالكراهية العقدية حرکت شهوتها لتدمير الشرق على مسلميه.

*3 شخصيات لها دور بارز في تحريك الحملة الصليبية:

أوربان الثاني: أراد السيطرة على القدس من روما. 

بطرس الناسك: لم تعرف البشرية ندًّا، له فقد جمع بين أخلاق الدجالين والمصلحين وعلماء النفس. 

والتر المفلس: زعيم الغوغاء المعدمين، ارتكب من المذابح ما يشيب له الولدان.

هناك مسلسل عداء مستمر بين الشرق والغرب، ونيران مشتعلة لم تخمد بعد، رغم مرور القرون وتعاقب الأجيال! إنه عداء وثأر موغل في القدم، يعود لأكثر من ألف عام قبل الميلاد، منذ اليوم الأول الذي بدأ فيه الشرق بالتفكير بالاتصال بالغرب -وكان في ذلك مصدر خير للغرب- عندما أخذ الشرق بيده إلى الدرجات الأولى في سلم الرقي والحضارة، واستمر الشرق في عطائه لآماد طويلة، إلا أن هذا الزخم الحضاري الذي طالما جاد به الشرق على الغرب لم يكن يقابَل إلا بنكران الجميل، بل الأكثر خطورة أنه ولد لدى الآخر الشعور بمركبات النقص الذي تفاقم فيما بعد ليولد مشاعر الغيرة والحسد والكراهية. وقد رأينا أمثلة ذلك في أدبيات وتواريخ الغرب عند هوميروس، مرورًا بالشاعر اللاتيني جوفينال، وحتى يومنا هذا لم ينسوا حقدهم على هانيبال، رغم مرور أكثر من ألفين ومئتي عام على وفاته.

 

وقد زاد هذا الشعور خطورة ببزوغ نور الإسلام، فبالإضافة إلى البعدين السياسي والحضاري وجد هذا الشعور رافدًا جديدًا متمثلًا في البعد العقدي، وظهر هذا جليًّا إبان الحروب الصليبية، وخاصة مرحلة التحضير لها.

ليس من المبالغة أن يقال إن رغبة الكنيسة في تصدير الإرهاب والرعب إلى الخارج، كانت من أهم الأسباب التي دفعتها إلى إعلان الحروب الصليبية، حتى إن مؤرخي عصر التنوير في أوروبا مثل جيبون ووليام روبرتسون وهيوم وفولتير، وصفوا الصليبيين بأنهم انفجار معقد من التعصب والجنون، وقد شاركهم في رأيهم هذا الكثير من الكتاب المعاصرين، واعتمدوا جميعًا على أن الحركة الصليبية وليدة تفاعل عوامل كثيرة متشابكة دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية، على أن العامل العقدي يأتي في مقدمتها، ذلك أنه في فترة الإعداد للحرب عادة ما يكون التركيز على الهدف الأيديولوجي، بغية استقطاب الرأي العام الذي ليس أجدى لاستقطابه من الأيديولوجية التي تقوم على أساس ديني أو ترتدي مسوح الدين على الرغم من أن العوامل الأخرى، بل والأهداف الشخصية قد تكون أكثر أهمية، والحركة الصليبية مثال جيد على الاختلاف بين الهدف الأيديولوجي المعلن للحرب والدوافع والأسباب الحقيقية التي تعتبر المحرك الفعال لعجلة الحرب، ولضيق المجال نجد أنفسنا مضطرين للاكتفاء بهذا القدر عن الأيديولوجية الصليبية، وحسبنا التركيز على تلك الشخصيات التي كان لها دورها البارز في بلورة هذه الأيديولوجية.

البابا أوربان الثاني

في الوقت الذي أخذت فيه البابوية، تبارك الهجمات على المسلمين في الأندلس وصقلية، انبعث صوت استغاثة خافتة من القسطنطينية يشكو ما حل بالإمبراطورية البيزنطية وجيشها على أيدي المسلمين في «مانز كرت»، ويطلب النجدة السريعة من الغرب، وفي هذه المرة كانت الظروف في الغرب الأوروبي مواتية لتلبية النداء، فبقدوم أوربان الثاني ۱۰۸۸ - ۱۰۹۹م ازدادت في عهده قوة الكنيسة وتصاعد نفوذها في الشؤون الدينية والسياسية معًا، وهكذا ارتبطت الحملة الصليبية ارتباطًا وثيقًا بالبابا أوربان ودوره النشط في الدعوة لها.

وكان أن آمن «أوربان» بضرورة معاونة البيزنطيين ضد المسلمين، فكان له الرأي في ابتكار فكرة إرسال حملة صليبية للشرق وتنفيذها، وبدأ يفكر في مشروع لطرد المسلمين من الشرق بالعزيمة نفسها والجهد الذي يجري به طردهم من إسبانيا. كان البابا أوربان أنسب شخصية معاصرة لتنفيذ هذه الجريمة؛ إذ كانت لديه الجرأة على الدعوة للحرب الصليبية ورعايتها، فضلًا عما عرف به من مقدرة على اختيار الرجال وتوجيههم والتأثير عليهم، على أن أوربان اختار أن يحيط مشروعه الجديد بالسرية التامة، وأخذ يقلب الفكرة بذهنه، وقد لاحت له فكرة السيطرة على القدس من روما، ومن شأن ذلك المبدأ أن يجعله صاحب سلطة فوق سلطة الدول، ولما عُقد في مدينة كليرمونت بفرنسا في نوفمبر سنة ١٠٩٥ مجمع ديني لبحث بعض القضايا الكنسية المختلفة، وجه البابا في اليوم العاشر من اجتماعات المجمع دعوته إلى المسيحيين لمعاونة إخوانهم في الأراضي المقدسة، وإنقاذهم من «الاضطهاد الذي لحق بهم على أيدي الكفار» على حد زعمه.

وقد استهل أوربان خطابه التاريخي بحث رجال الدين والعامة على اتباع السلوك القويم وعدم التنازع ادخارًا لطاقاتهم لنجدة إخوانهم في الشرق. 

ومن الملاحظ أن عنصر الإلهام الذي ارتكزت عليه خطبة البابا، تمثل في الضريح المزعوم للمسيح في بيت المقدس، وقد راح يقص على الناس «ملحمة أورشليم محور العالم.. أم الكنائس، الجنة الأرضية التي شهدت الميلاد المعجزة، والرسالة المسيحية».

ثم قال: إن هذه المدينة قد أمست في أغلال الأسر، وعلى الرجال أن يخلصوها من العبودية والهوان، وعلى هذا الأساس فمن يحمل جنديًّا للسيد المسيح مع بقية جيشه من خاصة الله ومن الشعب المختار، فسوف ينال ميزات أخرى يحصل عليها الفارس الصليبي، إذ إن آثامه تُغفر لحظة مسيرته نحو الشرق، وإذا قتل فهو شهيد تحتضنه ملكوت السموات، أما أولئك الذين يستولون على القدس، فإن أمامهم أزهارًا من جنات كنعان، حيث يفيض العسل واللبن.

وعقب انتهاء البابا من إلقاء خطابه هتف الحاضرون في صيحة واحدة: «إنها إرادة الله»، فكان البيان الأول لإعلان الحرب، وصيحة الصليبيين في صراعهم مع الشرق الإسلامي، فقد أبدى الناس من التحمس للمشروع أكثر مما توقع البابا؛ إذ لا ريب في أن ضربًا من الهوس الجمعي قد راح يتفجر في الشرايين أثناء تلك البرهة الخطيرة.

ولم يكتف أوربان بالدوي الذي تردد صداه في «كليرمونت»، وإنما أخذ يتنقل بين المدن والبلدان داعيًا للحرب الصليبية، فعقد مجمعًا في ليموج في ديسمبر سنة ١٠٩٥م، وكرر الدعوة نفسها في انجزر ومان وبواتييه وبوردو وتولوز وغيرها ما بين يناير ويونيو ١٠٩٦م، وأخيرًا اصطحب معه الأمير ريموند الرابع في مجمع نيم في يوليو ١٠٩٦م، وفي نهاية المطاف عاد البابا إلى إيطاليا في أواخر سنة ١٠٩٦م بعد أن تأكد من نجاح مشروعه الصليبي، إذ قبل الأمراء وكثير من الناس المشاركة في الحركة الجديدة، ليس فقط من البلاد القريبة مثل: فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بل من البلاد البعيدة مثل اسكتلندا والدنمارك وغيرها.

بطرس الناسك

ربما لم تعرف البشرية طوال تاريخها ندًّا لهذا الرجل، من حيث جمعه في شخصيته بين أخلاق الدجالين والأفاكين، ورؤساء العصابات، والمصلحين، وعلماء النفس، مما جعله يروق في عين البابا ويفوض إليه أمر الدعاية للحروب الصليبية، وقد خُدع به الكثيرون فاعتبروه قديسًا، واعتبره آخرون المنظِّر لأيديولوجية الحروب الصليبية، وهو من مدينة «أمين» في مقاطعة بيكاردي بفرنسا، وكانت زوجة بطرس من أشهر النسوة اللواتي ساهمن في صناعة التاريخ، يقول المؤرخ جيبون: إن بطرس وقد تزوج من امرأة طاعنة في السن، دميمة الوجه، سيئة الخلق، فله عذره إذا التمس الخلاص منها. فهجرها ولجأ إلى أحد الأديرة ليعتكف في إحدى صوامعه، وفي هذه العزلة ضعف جسمه بقدر ما نشط خياله، فكان إذا رغب في شيء اعتقد في وجوده، حتى إذا ما ملأ هذا الاعتقاد نفسه تخيله في أحلامه حقيقة واقعة. وبالفعل حين زار القدس والتقى أسقفها، وسمع منه وصفًا شابته المبالغة، لما يلقاه مسيحيو فلسطين من اضطهاد المسلمين وعنتهم، وأمعن الأسقف في شكواه وصور آلام المسيحيين -الكاذبة- بما لم يعذب به أحد، وتناول في حديثه واجب المسيحيين نحو إخوانهم في فلسطين، ولهفة هؤلاء المعذبين إلى الغوث والنجدة، وإن كان من المؤرخين من يرى أن هذا اللقاء بين بطرس والأسقف إن هو إلا وليد خیال بطرس الخصب. وفي هذا الصدد يذكر جوستاف لوبون أنه قد حدث أن جاء لزيارة القدس رجل مجذوب، كان قد ترهب بعد أن طرأ على حياته الزوجية ما كدر صفوه، وقد استشاط غضبًا من سوء ما عومل به في فلسطين، فغاص في بحر من الأحلام، فرأى أنه مرسل من الرب لدعوة أوروبا لإنقاذ الأرض المقدسة، وقد ملكت هذه الأوهام مشاعره، ولما عاد بطرس من فلسطين استقبله البابا وعضده وسانده في دعوته لمحاربة المسلمين، كما وعده بالتأييد المطلق في مجمع كنسي يعقده لهذه الغاية، وحمله أمانة الدعوة، ويبدو أن البابا وجد فيه الفرصة لتنفيذ مشروعه.

كان بطرس يتمتع بقوة سحرية يهيمن بها على أفئدة الناس، وقد اعتاد أن يتحرك متسربلًا بملابس مهلهلة رثة عاري القدمين، يمتطي حماره الأعرج، حاملًا الإنجيل، رافعًا الصليب، والجموع الغفيرة من خلفه أينما حل وارتحل قام بطرس بدوره وأتقنه، وتسلل إلى قلوب المسيحيين وألهب شعورهم ضد الإسلام والعرب، ولم يكُف عن إلقاء عظاته إلى حشود غفيرة في الكنائس والشوارع والطرقات العامة، وكان يعمد إلى وسائل من الخطابة لم يسبقه إليها خطيب، فاستخدم الدموع والتنهدات والهتافات القوية المفاجئة، وصب اللعنات على المسلمين في مواقفه الخطابية الرنانة، يستعيض بها عن الكلمات، وجاوز حد البراعة في تمثيل هذه المشاهد. ولما انعقد مجمع كليرمونت -السالف ذكره- صرخ فيه بطرس صرخته المشهورة: «هكذا أراد الله». فما إن دوت هذه العبارة حتى وقف البابا يرددها مرة ومرة، وليعلن في المؤتمرين أنها أصبحت شعار الصليبيين، فقد صاح البابا في الجموع: «أجل، هكذا أراد الله، ولتكن هذه العبارة التي أوصى بها روح القدس صرختكم للحرب من الآن، ليعود الحماس بفضلها، وترجع بسرها الشجاعة إلى قلوب أولئك الذين سيدافعون عن السيد المسيح».

وقد أخذ بطرس في مطلع سنة ١٠٩٦م يدعو إلى الحملة الصليبية المرتقبة في العديد من الأقاليم الفرنسية مثل: اللورين وأورليان وشامبني، وقد استجاب له عدد كبير من الأتباع والمريدين، بلغ عددهم وفق بعض المؤرخين خمسة عشر ألفًا، وفي ربيع ذلك العام وصل إلى مدينة كولونيا في ألمانيا ومعه غوغاء وجياع، قدرت المصادر عددهم بخمسين ألفًا، ومن المفارقات أن هذا الجيش اتخذ شعارًا له عنزة وأوزة كانتا -على حد قول المؤرخين وطبقًا لما رواه جيبون- مهبط الوحي الإلهي في نظرهم، وكانت الطقوس الدينية التي تباشرها نفايات أوروبا هذه خليطًا من العبادة والعربدة من الصلاة والسكر والفجور والانحلال الخلقي.

والتر المفلس

في الوقت الذي كان فيه بطرس ماضيًا في دعوته في الغرب الأوروبي، ظهر نذل آخر أضاف التاريخ إلى اسمه «والتر» لقب «المفلس»، فكفانا مؤونة البحث في دوافعه للانضواء تحت هذه الحركة، فهو زعيم الغوغاء المعدمين والهاربين الذين كانوا يقاسون الفقر والجوع في أوروبا وظلم أمراء الإقطاع، فقد جدبت الأرض وقلت الأرزاق بسبب الكوارث والحروب التي لا تنقطع ولا تهدأ، فسارت حشود من الدهماء الفقراء والهاربين منطلقين إلى الشرق وما فيه من الخيرات، وقد أقنعهم زعيمهم المفلس بأن لا خيار لهم، إلا أن يموتوا جوعًا في أوروبا، أو شرقًا في سبيل الصليب، أما إن انتصروا فلهم نعيم الدنيا وغفران الذنوب.

ووصلت جموع المفلس إلى المجر «هنجاريا» في مايو ١٠٩٦م، وعندما داهمت شرذمة منهم سوق إحدى المدن تصدت لهم السلطة المحلية وأسرتهم، وبعثت بهم عراة إلى بلجراد، لكنهم لم يتعظوا، ولما عادوا للإفساد تصدت السلطة لهم ثانية، وقتلت عددًا كبيرًا منهم، ثم استتب الأمن فتابع جيش المفلس رحيله حتى وصل القسطنطينية تحت حماية القوات البيزنطية وتحركت جموع بطرس فوق الدروب نفسها التي سلكها المفلس، ورحب به كولمان ملك هنجاريا، إلا أنهم لما شاهدوا جثث المشنوقين من أصحاب والتر هاجوا وماجوا ودهموا الأسواق وأعملوا فيها النهب والقتل، وبعدما قتلوا أربعة آلاف من السكان فروا هاربين إلى داخل الحدود البيزنطية، ووصلت أخبار المجزرة إلى بلجراد فهجرها أهلها لينهبها رجال بطرس ويحرقوها، وارتحلوا بغنائمهم إلى مدينة نيش الصربية وأشعلوا الحرائق في أطرافها، فتصدت لهم القوات البيزنطية وقتلت الكثير من جنود الرب وأسرت الأكثر، فهرب بطرس إلى الجبال مصحوبًا بخمسمائة من أتباعه، ثم توالى انضمام أتباعه إليه بالآلاف متوجهين صوب بلغاريا، بعد أن فقدوا نحو ربع عدد قواتهم، وتناسى الإمبراطور البيزنطي ما حدث وأرسل إلى بطرس يرحب به، لكن أتباع الأخير عادوا إلى سرقة البيوت والكنائس، ورغم ذلك قدم له ولأتباعه النصح بألا يتعجلوا العبور إلى آسيا الصغرى قبل أن تصلهم إمدادات وقوات نظامية من الغرب، ولكن بطرس ركب رأسه وأصر على العبور، فنقلتهم السفن إلى معسكر بُني على الشاطئ الشرقي لبحر مرمرة، وهناك التقوا بجيش والتر المفلس.

بدأ بطرس عملياته الحربية في الأناضول بالإغارة على القرى المجاورة ونهبها، وقتل من أمكن قتله من سكانها، كانت هذه القرى الخاضعة للأتراك مأهولة بسكان من البيزنطيين المسيحيين، والأحمق من هذا أن الفرنسيين في معسكر بطرس زحفوا حتى كادوا يصلون إلى العاصمة التركية -نيقية- وهناك أغاروا على القرويين المسيحيين، وأعملوا السيف في رقابهم وأحرقوا بالنار حشودًا من أطفالهم، ثم عادوا إلى معسكرهم مبتهجين ليتمتعوا بغنائمهم الوفيرة، وقلدهم الألمان والإيطاليون بحملة مماثلة وصلت إلى إحدى القلاع الخاوية على عروشها وأقامت فيها، ثم أخذت تغير على القرى المجاورة، وحين تصدت لهم القوات التركية فروا إلى القلعة فحاصرت هذه القوات المكان، وكابد الصليبيون العطش الشديد، فما كان من قائدهم واسمه رينالد إلا أن عرض على الترك تسليم القلعة ومن فيها، فبيعوا في الأسواق في سبتمبر ١٠٩٦م، ثم تقدم الأتراك من معسكر بطرس الذي كان في القسطنطينية يومذاك لمقابلة الإمبراطور، وخرج بعض المتهورين من الصليبيين لملاقاة من أسموهم بالكفار، ونصب الأتراك لهم كمينًا في إحدى الغابات، فاجأوهم به وقتلوا أعدادًا غفيرة منهم، ولاذ الباقون بالفرار صوب المعسكر، لكن الأتراك لاحقوهم وأعملوا فيهم السيف، اللهم من وقعوا في الأسر، أو من فروا إلى قلعة مجاورة حصينة كانت على ساحل البحر، ولم ينجهم إلا وصول بعض السفن البيزنطية لتعود بهم إلى القسطنطينية بعدما خلفوا وراءهم جثث الكثير من رجالهم، بينها جثة والتر المفلس، أما البابا أوربان الثاني فقد مات عام ۱۰۹۹م، ويُروى عنه قبل وفاته أنه لم يستجب لدعوة رجال الدين والأمراء، حينما دعوه ليكون على رأسهم في طريقهم للأرض المقدسة، اعتذر -كما يقول جيبون- عن تقبل هذا الشرف، متعللًا بانشغاله في رعاية الواجبات التي يلقيها عليه مركزه البابوي من ناحية، ومن ناحية أخرى لعدم اتحاد جميع المسيحيين في خضوعهم لسلطانه. أما ثالث الهمجيين «بطرس الناسك» فلم تعد المصادر التاريخية تذكره بعد ذلك إلا نادرًا، لقد ذكر حين اشتد حماة قلعة أنطاكية أثناء محاصرة الصليبيين لها على أعدائهم عام ۱۰۹۷ - ۱۰۹۸م، فتسلل بطرس الناسك هاربًا، فمضى تنكريد في أثره وضبطه، فقطع بطرس على نفسه عهدًا بالطاعة وألا يعيد الكرَّة.

وهكذا أخفقت حملة العامة التي قادها بطرس الناسك ووالتر المفلس بمؤزارة البابا، بل على العكس صارت وصمة سوداء التصقت بالصليبيين، وأحدثت يومئذ دويًّا لا يزال صداه يتردد في أسماع العالم.

أليسوا هم الذين عاثوا فسادًا في الطريق صوب القدس، ونهبوا وأحرقوا المدن والقرى المسيحية، ووصمهم المؤرخون المعاصرون لهم بالجشع وحب المال، والذين بدأوا في نهب وحرق القسطنطينية بالشكل الذي أغضب الإمبراطور البيزنطي فأمرهم بعبور المضيق إلى آسيا الصغرى، وهم أصحاب السمعة السيئة في عدم الأمان بعهود الأمان التي يقطعونها، وهم الذين أشاعوا عن أنفسهم قصص الرعب وذبح البشر وأكلهم بعد شيِّهم على النيران، كان الصليبيون هم الذين ارتكبوا أبشع المذابح بعد اقتحام مدينة القدس، ثم ذهبوا لأداء الشكر في «الضريح المقدس» بأيادٍ تقطر دمًا.

المراجع

1 - سعيد عبد الفتاح عاشور، الحملة الصليبية الجزء الأول، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ۱۹۷۱م.

 ۲ - د. قاسم عبده قاسم، ندوة التاريخ الإسلامي الوسيط، دار المعارف، القاهرة ۱۹۸۳م. 

3 - يوسف سامي اليوسف، حطين، دار الأسوار، عكا ۱۹۸۹م.

4 - محمد مؤنس أحمد عوض- العلاقات بين الشرق والغرب في عصر الحروب الصليبية- مكتبة سعيد رأفت- القاهرة ب ت.

5 - عبد الحميد الكاتب- القدس- دار الشروق- القاهرة ١٩٩٤م.

٦ - جوستاف لوبون حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مطبعة الحلبي، القاهرة ١٩٤٥م. 

7 - إميل لودفيج البحر المتوسط، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، ١٩٥٢م.

(*) خدمة مركز الإعلام العربي- القاهرة

الرابط المختصر :