العنوان فيما تتنافس القوى السياسية بـ ٨٣ ألف مرشح في الانتخابات المحلية بعد غد
الكاتب عامر حمدي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
مشاهدات 95
نشر في العدد 1272
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 21-أكتوبر-1997
بداية انشقاق في الجماعة المسلحة ورابطة الدعوة والجهاد تلتزم بالهدنة
- مواقف الفرنسيين تتجه نحو التوحد من الأزمة الجزائرية.
أعلنت «الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد» عن توقيف العمليات القتالية ابتداءً من يوم الجمعة 10 أكتوبر الجاري، وبررت الرابطة التي كانت تنشط في ناحية المدية، في بيان أمضاه أميرها علي بن حجر، مؤرخ يوم الخميس 9 أكتوبر الجاري، القرار الذي اتخذته ب فسح المجال لـ «البحث عن حل شرعي عادل وشامل» الرابطة اعتبرت قرارها ليس «استسلامًا»، وإنما «رفع للغطاء عن أولئك الذين يقترفون الجرائم في حق شعب أعزل» على حد تعبيرها، والرابطة التي تفسر أيضًا قرارها بـ «ما وصل إليه الشعب الجزائري المسلم من تمزق وقتل وضنك العيش وفساد وتشريد» وأعادت التذكير ب مطالب تشترك فيها الجماعات الإسلامية مثل تطبيق الشريعة، الغاية التي قام لأجلها بيان نوفمبر ١٩٥٤م وأكدها الاختيار الحر للشعب في ديسمبر ۱۹۹۱م، حسبما تقول.
كما طالبت الرابطة «بإطلاق سراح المساجين» وعلى رأسهم علي بلحاج، وتهيئة أجواء الحرية الإعلامية والسياسية، ولم تنس الرابطة تذكير من وصفتهم به المجاهدين بالتزام مواقعهم، وأن «لا يضعوا السلاح».
بيان الرابطة هذا يشبه في محتواه بيان أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ لناحية الغرب أحمد بن عائشة الذي دعا أفراده لتوقيف العمليات القتالية مع الاحتفاظ بما أسماه بــ «المناطق الجهادية».
ويذكر أن الرابطة المذكورة كانت قد أنشئت في فبراير الماضي في المدية، وترأسها علي بن حجر-أحد مرشحي الجبهة الإسلامية المنحلة في ديسمبر ۱۹۹۱م، وأحد أئمة مسجد حي «قطيطن» بالمدية «۹0 كم جنوب غرب العاصمة»- ويجهل إلى الآن سبب خروج بن حجر على جماعة مدني مزراق بإنشائه الرابطة التي أكمل بها عمله الإرهابي الذي بدأه منذ سنوات بالمدية ونواحيها.
كما أعلنت «هيئة الأركان الوطنية للجيش الإسلامي للإنقاذ» عن دعمها المطلق للنداء الذي وقعه يوم ۲۱ سبتمبر الماضي مدني مزراق والقاضي بتوقيف العمليات القتالية عبر كل التراب الوطني ابتداءً من الفاتح من أكتوبر الحالي، بيان الهيئة المذكورة المؤرخ في 2 أكتوبر، أشار إلى أنه ينتظر أن يوفي أصحاب القرار في الدولة الجزائرية بوعودهم وعهودهم دون ذكر لهذه الوعود والعهود، كما طلب البيان بتمكين عباسي مدني - المسؤول الأول في الحزب المحظور الموجود رهن الإقامة الجبرية من حريته الكاملة، وإطلاق سراح المساجين وفي مقدمتهم علي بلحاج.
من جانبه أصدر الأمير الجهوي للجيش الإسلامي للإنقاذ بالغرب أحمد بن عائشة بيانًايأمر فيه الأمراء والكتائب المنضوية تحت لوائه بتوقيف العمليات المسلحة، البيان الذي حمل توقيع وختم أحمد بن عائشة، والمحرر بتاريخ ٢٠ سبتمبر ۱۹۹۷م، أي قبل ساعات فقط من دخول الهدنة فيحيز التنفيذ والتي دعا إليها مدني مزراق جاء ليؤكد التصريح الذي أدلى به رابح كبير -مسؤول الهيئة التنفيذية للحزب المحظور بالخارج- لإذاعة فرنسا الدولية حول موافقة أمير منطقة الغرب للجيش الإسلامي للإنقاذ على القرار الذي أصدره أميره الوطني مدني مزراق، وحسب ما أورده بيان بن عائشة، فإن النداء الذي وجهه يأتي استجابة لنداء الأمير الوطني للجيش الإسلامي للإنقاذ، وتحقيقًا لرسالتين بعث بهما عباسي مدني مؤرختين في ٢٦ يوليو و١٤ أغسطس الماضيين، حث من خلالهما على توقيف النزيف في أقرب وقت ممكن، وبناءً على ذلك يضيف البيان أن الأمير الجهوي للجيش الإسلامي للإنقاذ يأمر كافة المناطق التابعة له، ويدعو كافة الكتائب لتوقيف كل عملياتها المسلحة ابتداءً من أول أكتوبر الجاري من جهة ثانية وحول الإجراءات التي ينوي مباشرتها بن عائشة بعد التاريخ المعلن للهدنة بالجهة الغربية للجزائر، جاء في البيان ذاته أنه على الأمراء والكتائب الاحتفاظ بالمناطق الجهادية والتزام الحيطة والحذر لتفويت الفرصة على أعداء الجزائر، والوصول بهذا الشعب إلى ساحة النجاة وفيما لم يشر البيان إلى من هم هؤلاء الأعداء ولا موقف عناصر الجيش الإسلامي للإنقاذ بالغرب من الجماعات الإسلامية المسلحة التي توعدها مدني مزراق لعزل القائمين على العنف الإجرامي، أشار بيان بن عائشة إلى أنه والكتائب المنضوية تحت لوائه تنتظر أن يقوم أصحاب القرار في الدولة الجزائرية بخطوات حكيمة تثبت حسن النية.
بداية اتساع رقعة الانشقاق
ومن جهة ثانية أصدرت «جماعة حماة الدعوة السلفية» «سرية الأهوال السلفية سابقًا» بيانًا اعتبرت فيه العمل الإرهابي «جهادًا شرعيًّا ضد حکام مرتدين» الجماعة التي كانت منضوية تحت لواء الجماعة الإسلامية المسلحة، انتقدت هذه الأخيرة ووصفتها بـ «المنحرفة» بعد سيطرة «القطبيين» و«الجزأرة» عليها، هذه الجماعة التي لا يعرف عنها الكثير تكون حسب البيان قد أنشئت من بقايا تنظيمات الجزأرة الإسلام الإقليمي، والتي قتل مسؤولها الأول محمد السعيد في نوفمبر ١٩٩٥م في إطار التصفيات بين الجماعات الإرهابية.
وبالمقابل ومن باب المنافسة والمزايدة، ضاعفت الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” من فظاعتها لتثبت أنها «الراية الموحدة للجهاد» في الجزائر، وفي وقت تتلقى فيه ضربات قوية «الحطاطبة، الشريعة، أولاد علال وتيارت» يحاول ما بقي من الجبهة المنحلة إيجاد مخرج مشرف كاستثمار مستقبلي قد يكون عودة جبهة الإنقاذ باسم آخر، وكاستثمار مستقبلي أيضًا يضع العديد من قادة جبهة الإنقاذ المنحلة قدمًا في «معسكر الحرب» أو أفرادًا في «معسكر السلم»، وآخرين في المعسكر الآخر.
وتأتي هذه الأحداث وسط استعدادات الأحزاب والقوى السياسية للانتخابات المحلية «البلدية» التي تجرى بعد غد الخميس (۲۳/۱۰) ويتنافس فيها أكثر من ٨٣ ألف مرشح يمثلون مختلف القوى السياسية في البلاد.
ويقدر عدد الناخبين بـ ١٥ مليونًا و۸۱۷ ألفًا و٣٠٦، نصفهم تقريبًا من النساء، وتتراوح أعمار٦٠% منهم بين ١٨ و٤٠ عامًا.
وذكر بيان صادر عن وزارة الداخلية أنه سيتم فتح ٧ آلاف و٨٦٠ مركزًا انتخابيًّا تضم ٣٥ ألفًا و٢٤٠ صندوق اقتراع، منها ألف و٧٤٦ صندوقًا متنقلًا ويشرف عليها ٧٥٠ ألف موظف.
وقد أعلنت جبهة الإنقاذ في المنفى مقاطعتها لهذه الانتخابات ودعت أنصارها في بيان أصدرته يوم الإثنين ٣ أكتوبر الجاري إلى المقاطعة التامة، معتبرة أن الانتخابات السابقة أثبتت فشل سياسة الإقصاء والتهميش، ويأتي موقف الجبهة هذا علىعکس موقفها من الانتخابات البرلمانية التي تركت فيها الحرية لأنصارها في المشاركة أو المقاطعة.
وعلى الصعيد الخارجي وفي فرنسا تذهب أغلب وسائل الإعلام الفرنسية إلى قراءة أسباب الأزمة بطريقة أحادية تختزلها في صراعات الأجهزة، في حين يظهر انقسام الطبقة السياسية الفرنسية إلى موقفين: الأول يمثله الحزب الاشتراكي الحاصل على الأغلبية في الحكومة، والثاني يمثله اليمين والحزب الشيوعي، ومقابلهما بدأ يبرز موقف ثالث فاليمين الفرنسي الموجود في المعارضة حاليًّا لا يضع الجماعات الإرهابية والسلطة الجزائرية في كفة واحدة، حيث أبرز فيليب سيغان -الرئيس السابق للبرلمان الفرنسي والرئيس الحالي لحزب التجمع من أجل الديمقراطية «حزب الرئيس شيراك»- في حديثه الأسبوع قبل الماضي للقناة التليفزيونية «ت.ف.1» انتقاده الشديد لتصريح ليونال جوسبان -رئيس الحكومة لنفس القناة موضحًا «بأنه وجوسبان من جيل واحد، وقد عاشا بألم ومرارة حرب الجزائر» لكنه مع ذلك لا يتفق مع نظرة رئيس الحكومة في تقييم الوضع الجزائري، خاصة في «وضع السلطات الجزائرية في كفة واحدة مع المعارضة الإسلامية المسلحة» وقال رئيس التجمع من أجل الجمهورية: «إن تصور الخط الثالث في الجزائر هو عقلية لا توجد إلا عند ليونال جوسبان».
وكان رئيس الحكومة الفرنسي، بعد تحفظ طويل حول الموقف الفرنسي بشأن ما يجري في الجزائر، قد أدلى يوم الإثنين ١٣/١٠ الجاري بتصريح لقناة التليفزيون الفرنسي «ت. ف. ۱» يتناقض فيه كليًّا مع موقف الرئاسة الفرنسية ويتناقض حتى مع تصريح وزير خارجيته في الأيام الماضية، وبالرغم من أن المسؤول الأول في الحكومة الفرنسية قد أدان «المتطرفين الإسلاميين» ممن أسماهم بـ «المعارضة المتعصبة والعنيفة المكافحة ضد السلطة» إلا أنه أبدى نوعًا من الشك لما يجري في المدة الأخيرة في الجزائر مسجلًا أن «الصعوبة الكبرى هو أننا لا نعرف حقيقة ما يجري نحن نرى رعبًا مفزعًا وعنفًا ضد السكان، لكنه من الصعب جدًا تحديد هويته، لذلك نحن مضطرون لأن نكون يقظين».
ويأتي تصريح ليونال جوسبان بعد أيام من صدور بيان الجماعات الإسلامية المسلحة الجيا، وبالرغم من تألمه لما يجري بالجزائر إلا أنه يريد ربما كسب تعاطف فئة من الفرنسيين مع حزبه.
ويرى المراقبون أن التصريح الأخير لرئيس الحكومة الفرنسية لا يعبر عن مواقف أصدقائه في الائتلاف الحكومي اليساري، فالخضر أو الشيوعيون ليس لهم نفس التحليل ولا نفس النظرة.
ورغم ذلك، فإن المسألة الجزائرية ليست كافية لفرقعة الجبهة اليسارية التي وضعت الاشتراكيين الفرنسيين في سدة الحكم، والذي يتداول هذه الأيام في فرنسا لدى الطبقة السياسية سواء في الحكم أو في المعارضة، إنه لا يجب أن تتدخل فرنسا، فالمشكلة هي مشكلة الجزائريين، وهذا الرأي يتقاسمه إيف يوني، وهو مسؤول سابق للمخابرات الفرنسية الذي نشر مؤخرًا مقالًا بيومية «لوموند» تحت عنوان الجزائر ليست عطشى إلا لدعمنا، ويأتي هذا المقال بعد يوم من تصريح رئيس الحكومة الفرنسية الذي ينتقد فيه رجل المخابرات السابق ما يعتبره بالمحاكمات الفرنسية الخاطئة، فبالنسبة إليه حان الوقت للعدل في هذه المحاكمات خاصة الموجهة منها ضد الرئيس محمد بوضياف والرئيس زروال، موضحًا بأن الرئيسين قد جنبا فرنسا قيام دولة ثيوقراطية بالقرب منها ونصب صواريخ بجوارها».
وينتقد إيف بوني -دون أن يشير إلى أي قطاع مؤسساتي بفرنسا- الخطاب المهيمن، ويشير في ذلك إلى بعض الأوساط السياسية الحاكمة والصحفية بفرنسا التي تنتقد تباطؤ الجيش والشرطة في التدخل لإنقاذ المدنيين في المجازر الأخيرة، ويقول عنهم رجل المخابرات السابق: «إن الذين يرفعون هذه الاتهام هم نفس الأشخاص الذين نددوا ولمدة طويلة بقمع قوات الأمن» كما يردد بعض الناس الذين يقولون بأن المجازر الأخيرة هي من فعل قوات الأمن الحكومية بقوله: «كفى من المغالطات التي ليس لها أي سند، فقوات الأمن مكونة من شباب مثل ما هو موجود عندنا بفرنسا، فكيف يذبحون ويغتالون دون أن يتضرر أو يتمرد أحدهم ليندد بذلك».
ويضيف إيف بوني: «ورغم أننا نعرف الشيء القليل عن طبيعة السلطة في الجزائر، فإنه لا يمكن لنا إلا الرمي نهائيًّا بهذه التهمة الإجرامية»، ويصل رجل المخابرات السابق ليتساءل عن الصمت المحيط بمسيرة ذباحي الكتيبة الخضراء لعنترزوابري ويقول بأنهم «هم الذين قاموا بالمجازر الأخيرة لأنهم لا يتفقون مع الاتفاق الذي أبرم مع مدني مزراق، أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ».
وفي نفس الإطار قامت لأول مرة الأسبوعية الفرنسية «ماريان» «نشرة مستقلة» بقراءة جديدة لما يحدث في الجزائر على ضوء المجازر الجماعية المرتكبة أخيرًا بضواحي العاصمة الجزائرية، وقد أشرف على إعداد هذا الملف -جان فرانسوا كان- مدير الأسبوعية، وأحد الوجوه المعروفة في الأوساط الصحفية والسياسية بفرنسا بمقاله المطول «الجزائر والأسباب الحقيقية للبشاعة»، ويسجل فرانسوا كان انتقاداته الشديدة لبعض وسائل الإعلام الفرنسية، موضحًا أنها تغير من خطابها حينما يتعلق الأمر بالجزائر؛ حيث إن هذه الوسائل تساوي بين المجرمين وقوات الأمن، ليصل إلى ضرورة تغيير هذا التحليل المبني على إيجاد حل وسطي بالاتفاق مع المجرمين، وموازاة مع انتقاد مدير أسبوعية «ماريان» للأطراف الفرنسية التي تؤكد بأن الحل الوحيد في الجزائر يمر عبر الاتفاق السياسي، وترى بأن الكفاح ضد الفاشية الخضراء أمر غير شرعي، فإنه يحمل في مقاله السلطة الجزائرية مسؤولية كبيرة، يرى بأنها انتهجت سياسة مزدوجة: مكافحة الإرهاب وفي الوقت نفسه المفاوضات السرية مع الإسلاميين، وهو الشيء الذي ترك انعكاساته السلبية على الديمقراطيين.
وفي الوقت نفسه ينتقد فرانسوا كان المناورات داخل بعض أجهزة السلطة التي لم تسمح في نظره بالتعبئة الحقيقية للشعب ضد الإرهاب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل