العنوان بدر هل تهب على الأمة نسماتها؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1333
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 05-يناير-1999
قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة آل عمران: 123) ستظل بدر في التاريخ الإنساني كله عنوانًا لأمة، أرادت العز، فأعزها الله، ورغبت في الحياة فأحياها الله، وسعت إلى إعزاز كلمة الله فثبتها الله، ودافعت عن دينه، فنصرها الله، وستظل بدر تنادي في الزمان كل الخائفين والمرتعدين والكارهين أن هلموا إلى الله إذا اشتقتم إلى النصر بعد الهوان، والرفعة بعد الضعة، والسيادة بعد المسكنة، وستظل كلمات الله ماحقة للكافرين، ومبيدة للظالمين، ومطاردة للمجرمين، ومبطلة للمدعين الهالكين، وناصرة للمؤمنين، وصدق الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (سورة الأنفال: 5-8).
وستظل بدر على الأيام تحذر من البطر والرياء والغرور والصدود عن سبيل الله وطاعته، وتخوف من الضياع والتيه واتباع دروب الشياطين، وترسم خطوات الأبالسة والمفسدين، وترهب من خداع المنافقين، ووعود المنحرفين وعهود المشركين وتحريض المبطلين: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأنفال: 47-48).
وسيظل التوكل على الله بعد اتباع الأسباب واستفراغ الجهد ضرورة من ضرورات النصر المؤزر للمؤمنين برغم قلتهم عددًا وعدة، وكثرة عدوهم عددًا ومددًا وسلاحًا وعتادًا، واستجلابًا لمعية الله وعونه ومدده، وركيزة من ركائز التثبيت والتوفيق والسداد في الأمر، ودحرًا للمعتدين والمبطلين، ورعبًا لأعداء الله، وزلزالًا لكل جبار وعتل وجواظ أثيم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأنفال: 12-13).
ما كان أحد يظن أو يتصور أو يقع في خلد إنسان أو بشر أن ثلاثمائة يعتقبون سبعين بعيرًا في بدر على هيئة بئيسة من الطعام واللباس والعتاد، يديلون قريشًا، ويهزمون زعماء الجاهلية، ويحنون الشرك، ويقلبون موازين القوة، وهم في مثل هذه الحال التي وصفهم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دعائه لهم ربه بقوله: «اللهم إنهم حفاة فأحملهم، جياع فأطعمهم، عالة فأغنهم من فضلك» إنه لشيء غريب وعجيب وفريد في التاريخ، وهذا ما دعا باحثًا غربيًا مثل توماس كاريل أن يقول: ما كنت أظن أن رعاة الأمس تقتحم الأرض شرقًا وغربًا، وتفتح باسم الدين الجديد، وفي خلال قرن واحد من الزمان قضت على القوى العظمى الفرس والرومان، وملكت الأرض من تحت أرجلهم، إنها معجزة، ولولا أنها حقيقة تاريخية لقلت إنها خرافة أو خيال، ستظل بدر تلقن اللقن، وتعلم اللبق، وتعطي الدروس لأصحاب العقول والأفهام، وتقود خطا الراشدين إلى الفتح المبين بعبرها وإرشادها ودروسها التي هي في الحقيقة تعتبر دستورًا للقادة والمقودين، ومنهاجًا للرؤساء والمرؤوسين، من هذه الدروس المهمة:
درس الشورى العظيم، شورى القائد لجنده ولو كان ذلك القائد رسولًا ينزل عليه وحي، ولو كان ذلك هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فحين تأكد -صلى الله عليه وسلم- أنه ملاقي العدو لا محالة، جمع الناس وقال: أشيروا علي أيها الناس، أشيروا علي أيها الناس، فأشار عليه أبو بكر وعمر، ولكن الرسول ما فتئ يقول: أشيروا علي أيها الناس، فقام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلًا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلًا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونك حتى نبلغه.
ثم يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: أشيروا علي أيها الناس، فقام سعد بن معاذ وقال والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال: «أجل» قال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله.
ثم نزل الرسول منزلًا، فقال الحباب: يا رسول الله أهذا المنزل منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال يا رسول الله ليس هذا بالمنزل، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا، فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال -صلى الله عليه وسلم-: لقد أشرت بالرأي.
وبعد هذه السنين الخوالي ضاعت منا الشورى، وظهر فينا الاستبداد بالرأي، والسير بالهوى، وليس أحد فينا رسولًا أو نبيًا أو حتى قد ثبتت له تجربة أو ظهر له نبوغ، أو عرفت له قيادة، وهذا من سوء طالع الأمم ونازلها، وتلقي هذه المواقف الشورية الضوء على عظمة الرجال وتضحياتهم، ونسمع كذلك قوة الإيمان الذي يخوض البحار، ويهدم الجبال، ويقارع السحب، ويعاهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الجهاد معه إلى آخر مدى، فنقول: هل نستطيع في شهر رمضان وإمدادات رمضان، وروحانية شهر الله أن نراجع خطونا، ونبصر دربنا، ونأخذ لغدنا من أمسنا، ولئن كان ثلاثمائة ومعهم سبعون بعيرًا قد قهروا الشرك، فلم نقهره اليوم ونحن ثلث العالم ومعنا العدة والعتاد، ولم نستطع حتى دفع الضر عن أنفسنا وديارنا، أظن أن السبب معروف، والعلة ظاهرة وبادية، ولكن نحتاج إلى أن نعيش رمضانًا مقبولًا، ونعمل عملًا مأجورًا لا مأزورًا، ونلحق أنفسنا بالصالحين لا بالطالحين، ونسأل الله العون حتى تهب علينا نسائم بدر في رمضان، آمين آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل