; براءة منشئ حزب الإصلاح من البدعة - محمد عبده والإنجليز (الحلقة الأخيرة) | مجلة المجتمع

العنوان براءة منشئ حزب الإصلاح من البدعة - محمد عبده والإنجليز (الحلقة الأخيرة)

الكاتب الشيخ أحمد الحماني

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1977

مشاهدات 73

نشر في العدد 375

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-نوفمبر-1977

براءة منشئ حزب الإصلاح من البدعة

عير محمد عبده باتصاله بالإنقليز وصداقته لعميدهم بمصر اللورد كرومر، وحق له أن ينشد- وتلك شكاة ظاهر عنك عارها- فإن التاريخ الحق يشهد أن محمدًا عبده هو أنجب تلاميذ السيد جمال الدين الأفغاني، ويشهد أن أكبر عدو للإنقليز- خصوصًا- والاستعمار عمومًا من مفكري الشرق وأعلامه لهو جمال الدين ومدرسته وتلامذته فقد كتب على نفسه أن يكشف دسائس الاستعمار ويحذر منه أمم الشرق ويحرضها على تقويض نفوذه وخصوصًا الإنقليز الذين كان جمال الدين يعتبرهم أكبر أعداء الإسلام وأشدهم حقدًا وعلى أهله وفي ذلك يقول المستشرق لوتروب ستودار في كتابه- حاضر العالم الإسلامي- الشهير ما نصه: «إن السيد جمال الدين الأفغاني كان أول مسلم أيقن بخطر السيطرة الغربية المنتشرة في الشرق وأدرك شؤم المستقبل وما سينزل بساحة الإسلام والمسلمين من النائبة الكبرى إذا لبث الشرق الإسلامي على حال مثل حاله التي كان عليها فهب حياته في سبيل إيقاظ العالم الإسلامي وإنذاره بسوء العقبى ويدعوه إلى إعداد ذرائع الدفاع ساعة يصيح فيها للنفير، فلما اشتهر شأن جمال خشيت الحكومات الاستعمارية أمره وحسبت له ألف حساب فنفته بحجة أنه هائج المسلمين ولم تخف دولة جمالًا وتضطهده مثلما خافته الدولة البريطانية فسجنته في الهند مدة ثم أطلقت سراحه فجاء إلى مصر... وكانت له يد في الثورة العرابية التي أوقد نارها في وجه الغربيين...» ا.ه.- حاضر العالم الإسلامي ج1 ص 305-306 الطبعة 2-.

وقد عمل محمد عبده بجانب جمال الدين منذ نزوله بمصر وشارك فعليًا وأهين وحوكم من محكمة عسكرية في الثورة العربية وسجن بعد إخفاقها شكلها الإنقليز بواسطة أو بدون واسطة فحكمت بنفيه من مصر، ثم لحق بأستاذه من بيروت إلى باريس حيث أنشأ مجلة- العروة الوثقى لا انفصام لها- لتكون لسان حال جمعية العروة الوثقى السرية المجاهدة بالقول والسلاح والسياسة ضد المستعمرين وخصوصًا الإنقليز في مصر والسودان، وقد كان محمد عبده المحرر الأول لهذه الجريدة وكل مقالاتها الطنانة بقلمه فكتب لاستنهاض المسلمين وإيقاظهم وتوحيدهم وإصلاح شؤونهم الدينية والاجتماعية والسياسية أمتن المقالات وأجلها، ضد المستعمرين- وخصوصًا الإنقليز- وأشد المقالات لهجة وأعنفها، وما تزال هذه المقالات المجموعة منتشرة في كتاب خاص مقروءة شاهدة بشدة عداوة محمد عبده للإنقليز، وثبت أنه كان على اتصال بالثوار وأنه خاطر بنفسه فسافر نحو الواجهة، ودخل مصر سرًا لتنظيم المقاومة الحربية وإثارة المصريين، وإمداد السودانيين بالمال والسلاح وذلك من عمل جمعية العروة الوثقى.

مثل من اتصال محمد عبده بالإنجليز:

أول اتصال لمحمد عبده بالإنجليز أنهم ألقوا عليه القبض إثر إخفاق الثورة العرابية وسجنوه وأهانوه حاكموه ونفوه عن بلاده، وكانوا يعتبرونه الروح المدبرة للحركة. قال الدكتور تشارلس أدمس- حسبما نقله الأستاذ عبد المنعم حمادة في كتابه عن الأستاذ الإمام- ما نصه: «وفي الحق إنه كان كما يقول اللورد كرومر روحًا مديرة للحركة» صفحة 38. ولما كان في باريس، والحرب بين جمعية العروة الوثقى وجريدتها وبين الإنجليز في عنفوانها، حاول الإنجليز أن يخففوا من وطأتها فانتدبت الجريدة الشيخ محمد عبده للسفر إلى لندرة فلقي فيها كثيرًا من رجال السياسة الرسميين كالوزراء وغيرهم كمحرري الصحف، وفي ذلك تقول جريدة العروة الوثقى بالنص: «رأينا أن يذهب الشيخ محمد عبده- المحرر الأول لهذه الجريدة- إلى لندرة إجابة لدعوة من يرجى منهم الخير لملتنا ومن يؤمل فيهم صدق النية في رعاية مصالح المسلمين من رجال السياسة الإنقليزية، وليستكشف مناصب الفخاخ السياسية التي ما مرت عليها قدم شرقي إلا سقطت منها فيما يعسر الخلاص منه وليسبر أغوار المطامع الإنجليزية التي لا يدرك منتهاها، تلك المطامع التي بعد ما التهمت ثلث المسكونة وطوقت كرة الأرض بالفتح والاستملاك، لم تزل في مد لا جزر معه، ولا يزال رجال حكومة بريطانيا في قرم شيد لابتلاع ممالك العالم... وليستطلع خفايا المقاصد من أثناء الأفكار وغضون الأقوال، وليقف على الطرق المألوفة بين أولئك السياسيين في التلوين ويتبين كيف يتمكنون من إبراز محاسن الأعمال في صفات رديئة يستنكرها كل ناظر إليها، وإظهار السيئات في ألوان بهجة تسر الناظرين...».

إن هذه الفقرة الرائعة تبين أغراض اتصاله بالإنجليز وتصف مراوغاتهم أروع وصف وأصدقه في سياستهم وأطماعهم حتى اليوم، وقد كتبها بنفسه، ولا بد أنه التزمها طول حياته.

محمد عبده في حضرة وزير الحربية:

قال وزير الحربية البريطاني في محاورة للأستاذ الإمام: «ألا يرضى المصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت سلطة الحكومة الإنجليزية؟ أولًا يرون حكومتنا خيرًا لهم من حكومة الأتراك وفلان باشا وفلان باشا؟ - يريد إسماعيل توفيق- فأجاب الشيخ: كلا إن المصريين قوم عرب وكلهم مسلمون إلا قليلًا، وفيهم من محبي أوطانهم مثل ما في الشعب الإنجليزي، فلا يخطر ببال أحد منهم الميل إلى الخضوع لسلطة من يخالفه في الدين والجنس ولا يصح لحضرة اللورد وهو على علم بطبائع الأمم أن يتصور هذا الميل عند المصريين.

- قال الوزير: هل تنكر أن الجهالة عامة في أقطار مصر، وأن الكافة لا تفرق بين الحاكم الأجنبي والحاكم والوطني، وأن ما ذكرته من النفرة من سلطة الأجانب إنما يكون في الأمم المهذبة؟- فأخذت الشيخ حدة تليق لمسلم لا يتهاون في أداء ما فرض الدين وأوجبته حقوق الملة وقال: أولًا إن النفرة من ولاية الأجنبي ونبذ الطبع لسلطته مما أودع في فطرة البشر وليس بمحتاج إلى الدرس والمطالعة، وهو شعور إنساني ظهرت قوته في أشد الأمم توحشًا- كالزولوس- الذين لم تنسوا ما كابدتوه منهم في الدفاع عن أوطانهم، وثانيًا إن المسلمين مهما كانوا وعلى أي وجه وجدوا لا يصلون من الجهل إلى الدرجة التي يتصورها الوزير فإن الأميين منهم ومن لا يقرؤون ولا يكتبون لا يفوتهم العلم بضروريات الدين ومن أجلاها وأظهرها أن لا يدينوا لمخالفيهم فيه- ثم ذكر له أن المسلمين يسمعون من الوعاظ والخطباء في المساجد ما يرفع عنهم الأمين، وأن شعب مصر منذ زمن محمد علي انتشرت فيه العلوم والآداب الجديدة على نحو ما هو موجود في بلاد أوربا».

ثم ختم مقاله بإثارة الشرقيين ضد المستعمرين فقال: «أين العلماء الأذكياء؟ أين الجهلة الأغبياء؟ أين الأباة الأعلياء؟ أين السفلة الأدنياء؟ ليرى كل واحد منهم منزلة الشرقيين عند رجال الحكومة الإنجليزية... هذا اللورد- هرتنكتون- وزير الحربية الإنقليزية يظن أن الجهل يبلغ من المسلمين عمومًا والمصريين خصوصًا إلى حد سلب عنهم كل إحساس إنساني وأنهم في حضيض من الجهل لا يميزون فيه بين القريب ولا بين العدو والحبيب...» ثم يختم مقاله بقوله:

«فالمصريون الآن بين أمرين: إما أن يتكاتفوا ويتضافروا ويبذلوا أموالهم وأرواحهم في حفظ شرفهم الإنساني ومكانتهم العربية وأداء حق عقيدتهم الدينية ويخلصوا أنفسهم من عبودية قوم لا ينظرون إليهم إلا كما ينظرون إلى البغال والحمير... وإما أن ينسلخوا عن جميع الخصائص الإنسانية ويخلعوا حلية الإيمان، ويتبرأ منهم شرف العرب وليجعلوا ناف العبودية على أعناقهم وليقاسموا الحيوانات في حظوظها وليستعدوا لكل ذلك وليقبلوا كل ضيم...» انظر نقل صاحب كتاب تاريخ الأستاذ الإمام لمقالة العروة الوثقى في الجزء الأول 336، 338، 339، 340.

هذا مثال من اتصال محمد عبده بعظماء الإنكليز كوزير الحربية، وأمثلة من خطابه لأمته وشعبه فهو يرى أن من ضروريات الدين ومن أجلها وأظهرها عند المسلمين ألا يدينوا لمخالفيهم فيه كما يرى أن الخضوع للعدو والمخالف في الدين انسلاخ عن جميع الخصائص الإنسانية وخلع لحلية الإيمان.

لقد كان متهمًا بالاتصال باللورد كرومر، ومثل هذا الاتصال لا يوجب أن يكون بينهما ولاء ولا مودة ولا أن يكون على حساب دينه ووطنيته، وإنما كان السبب فيه ظروف الوظائف الرسمية التي كان الأستاذ الإمام يتولاها، وقد سئل عنه اللورد:« هل كان متسامحًا في الإسلام؟ فقال: بل هو متعصب له أو فيه، ولكن بالعقل» صفحة 1054 من المصدر المذكور- ويقول الأمير شكيب أرسلان في- حاضر العالم الإسلامي- ما نصه: «وبينما كان بعض حساده يتهمونه بمماشاة الدولة المحتلة وموافقة اللورد كرومر كان يكتب إلي قائلًا: الأحوال هي مما يتعاظم له الألم، ويعجز عن وصفه القلم، فكنت أعلم أنه ما أراد إلا تخفيف الداء وتقريب أجل البلاء وتمهيد طريق الجلاء» ج الأول، الطبعة الثانية- صفحة 283.

ولقد كان سبب إرجاف أعدائه به هو إغراء الخديوي عباس، ولم تكن دواعي عداوته له دينية أو وطنية وإنما كان لها أسباب كثيرة منها اثنان رئيسيان.

- أولهما: أن الخديوي لم يكن يخفى عليه أن نزعة محمد عبده- تلميذ جمال الدين- لم تكن ملكية تقر الحكم الفردي الاستبدادي المتحالف مع الاستعمار، وتمجد أسرة محمد علي، دليل ذلك أنه في عام 1322ه-1902م احتفل ديوان الأوقاف بذكرى مائة عام على تأسيس ملك هذه الأسرة، وزينت- كما يقول الشيخ رشيد في تاريخه- المساجد ومآذنها ولا سيما جامع القلعة والجامع الأزهر حيث أقيم احتفال العلماء، فكتبت مجلة المنار- لسان حال مدرسة محمد عبده- في ذلك تنتقد أعمال محمد علي عميد هذه الأسرة وتبين ما سنه من السنن السيئة فقالت بالحرف:

«إن لمحمد علي ثلاثة أعمال كبيرة كان كل منها موضع خلاف: هل كان نافعًا أو ضارًا بالمسلمين في سياستهم العامة؟

1- تأسس حكومة مدنية بمصر- أي علمانية- كانت مقدمة لاحتلال الأجانب له.

2- قتاله للدولة العثمانية بما أظهر به للعالم كله ولدول أوربا خاصة ضعفها وعجزها وجرأهن على التدخل في أمورس سياستها... .

3- قتاله الوهابية والقضاء على ما نهضوا به من الإصلاح الديني في جزيرة العرب مهد الإسلام ومعقله» ا.ه. ج1 ص583 من تاريخ الأستاذ الإمام، ولما اطلع محمد عبده على هذه المقالة كتب مقالة طويلة في مساوئ حكم محمد علي في مصر ومقاصده منه نشرت في الجزء الذي يليه بإمضاء مؤرخ- المصدر المذكور. وتأثر الخديوي بالمقال الأول جدًا وبعث رسولًا منه إلى الشيخ محمد عبده يشكو صاحب المنار ويبلغه استياءه منه ورجاءه أن يسعى لإسكاته فأجابه الأستاذ الإمام بقوله: «لقد جاءني المنار اليوم فرأيت فيه مقالة في الطعن على محمد علي باشا أشد من الأولى، يظهر أن أفندينا لما يطلع عليها...» يعني المقالة التي كتبها بقلمه، وهذا يعني أن محمد عبده ومدرسته لا ينسون مساوئ محمد علي في نسخ الأحكام الشرعية وإعلانه- العلمانية- في مصر، وهو أول من تجرأ في العالم الإسلامي على استبدال القوانين الأوروبية بالشريعة الإسلامية، ولا ينسون قتاله لخليفة المسلمين مما يعد حرابة، ولا يسنون قضاءه على دولة السعوديين العربية المسلمة المصلحة السلفية، ولا ينسون أن أباه توفيقًا هو الذي تآمر على ثورة عرابي واستدعى الإنقليز لاحتلال مصر واحتمى بجيشهم بعد أن عاهد جمال الدين على تطبيق حكم الشورى بمصر ثم  نفاه وزعم أنه رئيس عصابة من المفسدين؛ لهذا فإن محمد عبده ومدرسته يقولون فيه وفي جده، وفي نوع حكمه الاستبدادي ما لا يتجرأ كثير من العلماء أن يقولوه حتى اليوم في بعض هؤلاء المسئولين الذين يتآمرون مع اليهود ويدعونهم للتحالف والتعاون، وهذا ما أعلنته مجلة- المجتمع- بشجاعة مرارًا وكشفته فدفعت بشجاعتها بعض المعرة عن المسلمين.

- ثانيهما: أن الخديوي عباس كان يتلهف على جمع الأموال، وقد أراد أن يستلب من الأوقاف آلافًا من الفدادين بثمن بخس يلحق بها خسارة فادحة فوجد من الإمام موقفًا صلبًا تسبب للخديوي في خسارة كبيرة وسلمت خزانة الأوقاف فجن جنون الخديوي وراح يسلط عليه علماء الدين، والصحافيين ويعرقل أعماله في إصلاح الأزهر وكان أصدقاء الإمام- ومنهم بعض الوزراء- يقولون له: اترك له الأوقاف ولا تعارضه فيها ونحن نضمن لك أن يطلق يدك في إصلاح الأزهر ويساعدك عليه بكل ما يستطيع... إصلاح الأزهر خير لك وللإسلام والمسلمين في الدنيا والآخرة، من كل ما تدخره من مال الأوقاف لديوانها». كان جواب الأستاذ: «إني أعلم هذا ولكن وجداني ومراقبتي لله تعالى لا تمكنني من إقراره ما لا يبيحه الشرع، والباطل لا يكون وسيلة إلى الحق» ا.ه. صفحة 572 من تاريخ الأستاذ الإمام هذه أخلاق الإمام ومتانة دينه لا يدهن فيه ولا يتردد في معارضة ملك البلاد خوفًا من الله، وقد كان عمل الوشاة والحاسدين يزيد الطين بلة، ويوسع شقة الخلاف حتى حمل الأستاذ الإمام على تقديم استقالته فقبلها الخديوي فورًا ومع ذلك فإنه لم يكن في نفسه يشك في دينه ووطنيته وفي ذلك يقول الشيخ رشيد رضا:

«وأظن أن الخديوي لم يكن يشك في وطنية الشيخ وإخلاصه لبلاده، ولا يرتاب في ترفعه عن التقرب إلى اللورد بمساءته فإن لم يكن هذا الترفع للإخلاص لأميره، فهو لكرامة نفسه وإبائها» ا.ه. المصدر المذكور ص575.

إن كثيرًا مما لقيه الشيخ محمد من عداوة وحرب وتشويه لسمعته في حياته ومن بعد وفاته كان من آثار هذه الخصومة بينه وبين الخديوي الذي جهز جيوشًا من العلماء والكتاب والصحفيين لشن الهجومات المتواصلة عليه. ولهذا فإن من واجب من يكتب عنه أن يحتاط ويتبين الأخبار ولا ينقل إلا ما كتبه بنفسه أو مما نقله عنه الثقة.

يستغفر الله من الخطأ ويتبرأ من التأويل:

إن الأستاذ الإمام بريء من كل دينًا، وأقوى إيمانًا، وأقوم سبيلًا، وأصدق وطنية، وأصلب عودًا مما يظن به كثير من الناس اتهموه في إيمانه وسلوكه ووطنيته، وشواهد صدقه وسلامة مواقفه من قوله وسلوكه وعمله كثيرة. رمي بتأويل آيات القرآن، التأويل الذي هو التحريف لا التفسير، مما يتبرأ منه كل من يخشى الله ويتقيه، والحقيقة أن الأستاذ الإمام بريء من كل ذلك، حريص على أن لا يقع منه إبهام يساء فهمه، لقد فسر قوله تعالى:﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: 10) بقوله: «والسائل هو المستفهم عما لا يعلم وليس هو طالب الصدقة فإن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانًا للفقير والمسكين» ا.ه. فلما نبهه بعض العلماء إلى وروده في قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوِم﴾ (المعارج: 24-25) بادر بالكتابة إلى تلميذه الشيخ محمد رشيد يقول له: «وقع سهو في تفسير سورة ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ﴾ (الضحى: 1-2) حيث ذكرت أن لفظ السائل لم يرد في القرآن بمعنى الفقر مع أنه ورد في سورة الذاريات و﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (المعارج: 1) فأحب أن يعرف ذلك ويكتب في الجرائد» وقد كتب عنها الأستاذ رشيد رضا حاشية طبعت مع التفسير، فكتب إليه أيضًا يقول: «وعبارة التفسير فيها إجمال جر إلى تأليف حاشية كهذه فاستغفر الله مما صنعت فيها وأرجو ألا أعود لمثلها» ا.ه. انظر صحفتي 963-964 من تاريخ الأستاذ الإمام.

ولما كان في باريس يكافح بجانب أستاذه جمال الدين مشتركًا في عضوية الجمعية السرية- العروة الوثقى- وضع بقلمه نص يمين يؤديه كل عضو عامل في هذه الجمعية التي كان من أعمالها جمع المال والسلاح، تمد بها المجاهدين في ميدان الحرب بالسودان آنذاك، ويوجد نص هذا القسم بكتاب تاريخ الأستاذ الإمام صفحة 287 وهو هكذا بالحرف: 

«اليمين الذي يحلفه المرتبطون بالعقد: أقسم بالله العالم بالكلي والجزئي، والجلي والخفي والقائم على كل نفس بما كسبت، الأخذ لكل جارحة بما اجترحت، لأحكمن كتاب الله تعالى في أعمالي وأخلاقي بلا تأويل ولا تضليل، ولأجيبن داعية فيما دعا إليه، ولا أتقاعد من تلبيته في أمر ولا في نهي ولا دعوى لنصرته ولأقومن بها ما دمت حيًا».

سادسًا: كلام عجيب، وتهم غريبة

ومن عجيب الكلام القول بأن الأستاذ الإمام أخطأ بانضمامه إلى المعتمد البريطاني في نزاعه مع الخديوي، وفي ثقته بهذا اللورد، وفي السفر إلى عاصمة الخلافة التركية تحت حماية السفارة البريطانية هناك، وأن اللورد كرومر توسط في العفو عن الإمام وإعادته إلى مصر بعد النفي الذي فرضته الخلافة العثمانية إلخ...

عجيب أن يصدر مثل هذا الكلام عن سيد عالم يزن كل كلمة تقال في متهم قد تدينه بغير حق وتلحق به ظلمًا أو هضمًا. أحقًا أن الخلافة العثمانية هي التي فرضت النفي على الإمام؟ أم هي محكمة عسكرية شكلت بأمر سلطة الاحتلال البريطانية التي اعتقلته كزعيم محارب من زعماء الثورة العرابية، بل هو روح الحركة كما وصفه كرومر، وأهين وعذب، ثم صدر الحكم بنفيه لمدة ثلاث سنوات تبدأ من 13 صفر 1300- 24 ديسمبر 1882؟ وقد لقي في منفاه ببيروت كل تجلة واحترام من الشعب ومن السلطة الرسمية لحكومة الخلافة، وعمل لنصحها والتعاون معها وخصوصًا في ميادين التربية والتعليم والإصلاح وفي ذلك يقول المصدر الذي أحال إليه- تاريخ الأستاذ الإمام- ما نصه: «كان في أثناء ذلك مجدًا في عمله طائرًا في جو أمله وكان أول أمله تربية نشء جديد في المدرسة السلطانية يوجه المستعدين منه إلى ما كان ينويه من إصلاح الأمة الإسلامية... ثم إنه كان يرجو من وجوده في بلاد الدولة العثمانية أن يتمكن من إقناع أولي الأمر فيها بما يجب عليها من إصلاح التربية والتعليم في المدارس... ولما طال الأمد ولم يستجب لدعوته أحد واقتنع بأن الدولة العثمانية غارقة في بحار جهلها عاد إلى وطنه وهو يعلم أن الخديوي توفيق كاره له وأن الإنجليز أصحاب النفوذ الأعلى في البلاد قد ذاقوا من مرارة قلمه، وصلوا من نار عصبيته الملية والوطنية ما لم يعهدوا له نظيرًا في الطعن فيهم وإثارة العالم الإسلامي والشرقي عليهم» ا.ه. ج1 ص416-417.

لقد انتهى أمد النفي أوائل عام 1303هـ ولكنه لم يعد إلى مصر إلا سنة 1306ه وقد مدد أجل النفي من تلقاء نفسه على أمل خدمة الإسلام ولم يكن في حاجة إلى وسائط لدخول وطنه إذ لا يحتاج العائد إلى وطنه- قانونيًا- إلى وسائط، وإنما الذي كان يحتاج إليه هو إزالة غضب الخديوي عنه المانع له من مباشرة نشاطه في التربية والتعليم.

إن المؤرخ الأمين يقول في هذا العفو: «هذا وإنه لم يلبث أن تسابق العظماء إلى توفيق يسألونه العفو عنه وكان في مقدمتهم بعض أفراد الأسرة الخديوية... وأخص بالذكر الأميرة نازلي... وصاحب الدولة أحمد مختار باشا الغازي مندوب الدولة العثمانية السامي في مصر وكذلك اللورد كرومر ولم يكن أحد من هؤلاء يعرفه قبل ذلك معرفة شخصية... وكان لتلميذه ومريده الوطني سعد زغلول سعي حميد في ذلك» ا.ه. 418، فالذين وضعوا ثقلهم في الميزان كان فيهم المجاهد العظيم الغازي أحمد مختار، وهو مندوب أمير المؤمنين الخليفة ودولته فلم لا يحسن السيد المستشار ظنه بالخديوي ويجعله قد استجاب وخضع لأمر الخليفة الذي لا يتحرك مندوبه إلا بإذنه؟ لماذا يجعل كلمة اللورد هي التي نفعت ولم تنفع شفاعات الآخرين وهم ثلاثة من عظماء المسلمين: نازلي والغازي وسعد زغلول؟

إن الراوية النزيهة الأمينة تفهم أن الأستاذ الإمام لم- يوسط- أحدًا وإنما سعى هؤلاء من تلقاء أنفسهم ولم يكن له معرفة شخصية بأحدهم.

وكانت رغبة الأستاذ الإمام أن يسمح له هذا العفو بالعمل في ميدان التربية والتعليم كمدرس في دار العلوم- كان يريد تريبة الأمة المصرية وتكوينها حتى تكون مصدر الإدارة والسياسة في بلادها، ويكون أميرها ورئيسها ممثلًا لها أشرف تمثيل، والخديوي توفيق باشا كان يكره هذا ويحول دون تمكين الشيخ منه» ص419- ولهذا كان الخديوي يخاف من الشيخ محمد عبده أن ينشر أفكاره الاستقلالية في الأمة بالتعليم والمعاشرة فأراد أن يشغله عن ذلك فأمر بأن يعين قاضيًا في المحاكم الأهلية، وأن يكون في خارج القاهرة، ص420.

أما جعل سفر الأستاذ الإمام إلى عاصمة الخلافة ذنبًا من ذنوبه، وأنه سافر إليها تحت حماية السفارة البريطانية فما أغربه وما أعجبه! ما الذي كان الأستاذ الإمام قد اقترفه من جرائم ضد الخلافة ودولتها حتى يحتاج إلى حماية دولة أجنبية في عاصمتها؟ وما الذي يحمله على هذا السفر لو كان له- جريمة- ويخاطر بنفسه ويعرض بها للإهانة الاعتقال؟

إن مما يبطل هذا الكلام أن الأستاذ الإمام لم ينزل في ضيافة هذه السفارة لما وصل إلى الأستانة وإنما- صدرت الإرادة السنية بأن يعد لفضيلته دار مخصوصة من أحسن دور الضيافة السلطانية- وقد نشرت الخبر جريدة المقطم، كما أن والدة الجناب العالي- يعني الخديوي- التي كانت آنذاك بالأستانة حرصت أن يكون في نزوله في دار الخديوية بها وقد نزل بها يومين ثم عاد لدار ضيافة السلطان- الخليفة-، وهذا يدل على أن دولة الخلافة، ودولة الخديوية كلتيهما كانت حريصة على إكرامه لا على إهانته.

وقد استقبل من العظماء والعلماء بكل احترام، واحتفى به شيخ الإسلام ودار بينهما حديث في حالة المسلمين وواجب العلماء في الدعوة والإصلاح وتقصيرهم ولومهم- في انصرافهم التام عن شؤون العامة وقد تركوا أهم تلك الشؤون إلى الحكام... ولم يبق لأحد منهم علاقة معه العامة- ص851، فأحدث هذا ضجة عظمى، وهوجم الأستاذ الإمام بسببه مهاجمة شديدة وخصوصًا من جريدة المقطم التي لا يجهل أحد أنها كانت لسان حزب الاستعمار، وكان من جملة هجوماتهم عليه أنهم أشاعوا أن العلماء استاءوا منه، ولم يستاؤوا وهو يدعوهم أن تكون كلمتهم فوق كلمة الحكام ونفوذهم على العامة أقوى وأمتن؟

وكان من شر ما أذاعوه أنه حبس في الأستانة وأهين، ولما بلغه تألم، وكان أكثر تألمه من جهل قومه أن حكومة الخلافة بلغت من الضعف إلى درجة أنها لا تستطيع أن تسجن أحد رعاياها إذا كان وطنه تحت حماية دولة أوروبية وفي ذلك يقول:« بلغني أنه كتب أنني حبست في الأستانة إلخ كما بلغني أن ذلك أشيع عندكم، ولا آسف على شيء أشد مما آسف على جهل قومي بأن السلطان لا يستطيع حبسي لو أراده» ا.ه. ص859، وكان الأستاذ الإمام قبل سفره قد أخبر به اللورد كرومر في حديث له معه فكان رأيه أنه لا يظن أنه يسر بهذه الزيارة وأنه لا بأس مع ذلك بأن يعرف حال هذه العاصمة القديمة والدولة التاريخية- ص848. ولا شك أن مثل هذا التنقل من المحرر الأول لجريدة العروة الوثقى لا يقع دون اهتمام إنقليز ومعتمدها، لهذا أخبره به قبل الإقدام عليه ليعرف رأيه، أما إصدار التوصية إلى السفارة فإنها- إن صدرت- لا تصدر من المعتمد إلى سفارة لا سلطة له عليها وإنما تصدر- لو وقعت- من وزارة الخارجية التي تستمد السفارة منها الأوامر، ولا شك أن سفارة الإنقليز كان يسرها أن ترتكب الحكومة التركية مثل هذه الحماقة باعتقال إمام من أئمة المسلمين لا ذنب له، لتتدخل وتقيم الدنيا وتقعدها، وتتملق المسلمين، وتبرهن لهم على فساد الحكم في الأستانة وعلى اهتمامها بحماية علماء الإسلام الأحرار، ولكن السلطان عبد الحميد كان أشد دهاء من ارتكاب مثل هذا الخطأ باعتقال إمام لا ذنب له، فبادر بإكرامه وإنزاله في ضيافته، فهيهات هيهات أن تثبت على الإمام أمثال هذه الترهات.

أما القول بأن الأستاذ الإمام كان له ثقة في المعتمد البريطاني وأنه انضم إليه في نزاعه مع الخديوي فإنه غير صواب وحكم على غير أساس: أما أولًا فلأن الثقة محلها القلب يعلنها اللسان، وهو لم يشق أحد على قلبه ولا أعلنها هو بلسانه، وأما ثانيًا فلأن المؤرخ الثقة يعلن أنه كان يداهن الإنقليز خدمة لبلاده قال الشيخ رشيد رضا: «كان اللورد يجله ويقدره قدره ويستشيره في بعض المسائل الحكومية المهمة، ويتحاشى أن يهيج وجدانه ووجدان حزبه الراقي على الإنقليز، وكان الأستاذ يداريهم... وكان المفسدون المحللون- المنامون- يصورون هذه العلاقة بأنها تأييد للاحتلال البريطاني على البلاد أو على شخص سموه على الأقل» ا.ه. ص575. مثل الأستاذ محمد رشيد رضا لا يلقي الكلام على عواهنه فقد ذكر أمثلة دعم بها حكمه إذ كان الأمير يستشيره- حتى في المسائل التي تقع المحادة والمشادة فيها بينه وبين سلطة الاحتلال، وإنما تكون المصارعة فيها بينه وبين عميد الاحتلال اللورد كرومر- ثم ذكر شاهدين عمليين على- انحياز محمد عبده إلى جانب الأمير ألحق بكل منهما هزيمة مريرة باللورد كرومر الذي وضع كل ثقله ضد إرادة الأمير.

والشاهد الأول أن اللورد كرومر كان قد اعترض على تعيين- قاضي مصر من طرف السلطان- للخليفة- وكان هذا القاضي- أقوى صلة دينية للسلطان عبد الحميد بمصر وهي اختصاصه بتعيين قاضي المحروسة عاصمة الديار المصرية من علماء الترك وهو يعتبر رئيس الأمور الشرعية الذي يولي سائر القضاة الشرعيين في البلاد وكان يلقب بقاضي القضاة... عزم اللورد على قطع هذه الصلة بإكراه الخديوي على تعيين قاضي مصر الأكبر من علماء الأزهر... عظم هذا الأمر على سمو الأمير لما فيه من قطع أقوى الصلات بينه وبين الدولة العثمانية وشخص السلطان وهي مستنده، وملتحده الوحيد في مناهضة الاحتلال وبقطعها يكون للعميد البريطاني السيطرة على المحاكم الشرعية من طريق الحكومة وهو ما كان أنذره إياه الأستاذ الإمام ص576، وأخيرًا التجأ إلى الأستاذ فأشار عليه برأي كان فيه انفراج الأزمة، وانتصار الأمير على اللورد، وهو مبسوط في الكتاب.

والشاهد الثاني قضية ليون فهمي التي أراد اللورد أن يفتش عنه في يخت الأمير الخاص أو في سراي المنتزه، وكان قد اختفى، واتهم عباس حلمي بإخفائه، وفي هذا التفتيش إهانة كبيرة وهزيمة ساحقة للأمير، فالتجأ إلى محمد عبده يستشيره فأشار عليه- أن يكتب إلى معتمدي جميع الدول المعترفة باستقلال مصر تحت سيادة الباب العالي وخديويته عليه بأن سلطة الاحتلال تريد الاعتداء على استقلاله وإهانته بتهمة إجرام باطلة ويحتج عليهم ويحملهم تبعة تفتيش قصره ويخته بهذه التهمة؛ وأن يبلغ اللورد كرومر أنه سيفعل ذلك إن تجرأ أحد على محاولة تفتيش السراي...- ص579 -. ولما تلقى اللورد هذا الإنذار من الأمير كما لقنه إياه الشيخ تراجع وتجرع هزيمة أخرى برأي الإمام وانحيازه إلى جانب الأمير كما يوجب عليه ضميره ودينه ويختم الأستاذ رشيد فصله الذي استغرق الصفحات من 575 حتى 579 بقوله:« هكذا كان شأن الشيخ محمد عبده في بذل النصيحة وصدق الخدمة للخديوي عباس فيما كان يتنازع فيه نفوذه مع نفوذ عميد الاحتلال وفي غير ذلك» ا.ه. 579.

سابعًا: المستشرقون والمدرسة الإصلاحية:

من المنطق العجيب قول الأستاذ المستشار إن المدرسة الإصلاحية تخدم أهداف المستشرقين الذين أظهروا رضاهم عنها وتشجيعهم لها؛ لأن المدرسة الإصلاحية- في زعمه- تؤول نصوص القرآن والسنة إلخ. إن المدرسة الإصلاحية لا تؤول النصوص، ومذهبها في التأويل قد عرف مما نقلناه عن محمد عبده وعن محمد رشيد رضا، وهما الناطقان باسمهما، ومن انحرف عن مذهبها لا يعد من روادها، ولا يلزمها ما ذهب إليه الدكتور محمد حسين هيكل، ولا الشيخ المراغي، رحمهما الله ولا غيرهما، أما جعله القول بأن الإسراء كان بالروح فقط من- بدعة المدرسة الإصلاحية فإنه- بدعة البدع- من الأستاذ المستشار لأنه يصر على شيء بطلانه في وضوح النهار، فإن هذا القول مروي عن الصحابة والتابعين وعن العلماء الراسخين يسير مع المسلمين منذ 14 قرنًا، وسواء أصحت نسبته إلى الصحابة والتابعين أو لم تصح فقد أجمع كتاب السيرة ورواة التفسير ومؤلفوه على ذكر هذه الرواية فهي موجودة بالفعل وليست من اختراع محمد عبده، فلا بد أن المستشرقين قد اطلعوا على هذه الرواية في هذه الكتب ودرسوها واستخرجوا من الإسراء- الذي حفت به كثير من الإسرائيليات- ما يمكنهم أن يهاجموا به الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام ولا يحتاجون إلى تأويل المدرسة الإصلاحية لو ثبتت.

ولقد هاجم المستشرقون القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام من ثغرات فتحها الرواة للإسرائيليات وغفلة كثير من أغرار المسلمين الكرام عن دسائسهم، والأمثلة على ذلك كثيرة مثل قصة الغرانيق وزواج أم المؤمنين زينب رضي الله عنها، فهل يعتبر محمد عبده ومدرسته الإصلاحية مسؤولين عن ذلك؟ أم أنهم هم الذين ألقموهم الأحجار وكشفوا منهم الجهل والعار؟ وتفطنوا إلى أنواع من الدسائس قد تخفى على كثير من الأغرار؟

ومن أمثلة ذلك أن المستشرق الفرنسي- إيميل درمنغام- ألف كتابه- حياة محمد- فنال اعتداله وحسن أسلوبه إعجاب كل الذين اطلعوا عليه من المسلمين وأقبلوا يمدحونه ويترجمونه وينشرون الدعاية له، ولم يتفطن أكثرهم لما فيه من دسائس ومكائد حتى فضحها الشيخ محمد رشيد رضا وكشف عن تخيلاته ومفترياته عن الوحي المحمدي، وعن حالة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته وظروفه إبان نزول أول آيات القرآن.- انظر تفسير المنار الجزء الحادي عشر عند تفسير أول سورة يونس في مباحث الوحي المحمدي.

إن من يراجع ما كتبه علماء الإصلاح- وخصوصًا تفسير المنار- يجدهم يهاجمون صنيع أولئك الفقهاء المتعصبين لمذاهبهم الفقهية وآراء أئمتهم مما يجعلهم أحيانًا- عندما تتعارض أقوال المذاهب مع نص صريح من الكتاب أو السنة- يؤولون النص ويتمحلون حتى يوافق النص مذهبهم؛ فكيف يعقل أن يكون مذهبهم ما فهمه الأستاذ المستشار من تحريض الشيخ المراغي على وضع القوانين ثم يدعمها هو بنص عن المذاهب الإسلامية؟ وأن قولًا كهذا يبين اتجاه بعض كبار المصلحين في تطويع النصوص الشرعية لتوافق الزمان والمكان.

إن إيمان المصلحين- لا اتجاههم فقط- أن شرعنا صالح لكل زمان ومكان بنصوصه ومعانيها وظاهرها وتأويلها الصحيح- لا بتطويعه وتأويله التأويل الفاسد- لأنه من شرع العلم الحكيم الخبير وكلما توهم علماء التشريع أنهم سبقوا إلى شيء ووضعوه مما هو عدل وإحسان ونفع أو دفع ضر عن بني الإنسان، فقد تضمنه شرعنا، ونص عليه العلماء الراسخون من علماء المذاهب الإسلامية.

فلم لا يفهم قول المراغي على أنه تحد لهؤلاء الذين يزعمون أن الفقه الإسلامي قد تجاوزته الأحداث وأن المراغي في استطاعته أن يبرهن لهم على أنهم مسبوقون بأقوال غيرهم من علماء الإسلام؟ هل يبلغ بناء سوء الظن بالشيخ المراغي أن نجعله ناصبًا نفسه ليصحح القوانين الوضعية ويجعلها قوانين شرعية بتطويع الشريعة لها؟

هذا كثير:

إنكار المعجزات النبوية وردها، وتأويل نصوص المعجزات الواردة في القرآن الكريم وإنكار وجود الملائكة والجن والشياطين، وموادة البهائيين المحادين، والعمل مع الماسونيين الصهيونيين وتحقيق أهداف المستشرقين، وخدمة أغراض المبشرين الصليبيين، ومحالفة الإنقليز وعميدهم المفسدين ضد الأمراء- الوطنيين- و- تطويع- النصوص الشرعية لتوافق قوانين الواضعين، الناسخين لأحكام الدين... كل هذا مما- يرمي به الأستاذ المستشار محمد عبده ومدرسته من العلماء المصلحين، ولو صح بعضه لكان كافيًا أن يجعل المدان به في غير المسلمين، فإن الله سبحانه يقول في محكم التنزيل ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَه...﴾ (المجادلة: 22) والآية صريحة لا تقبل التأويل، كما حاول الأستاذ أن يؤول- الكافرين ويقسمهم إلى كفار النعمة وكفار الملة مما لا يقبله أهل السنة من مذاهب المسلمين. ولن يجد الأستاذ في المذاهب المقبولة من يفتي بإيمان من أنكر وجود الملائكة والجن والشياطين فيكف يسوغ له أن يقول عن مفتي الديار المصرية أنه ينكرهم ثم يحاول أن يجعل هذا الإنكار من أخطاء المصلحين فحسب؟ مع أنه لو صح وهو باطل والحمد لله- لكان من الكافرين. إن هذا لكثير، وإنه ليس من ذكر الموتى بخير.

لا يجوز بحال أن نلقي مثل هذه التهم جزافًا أو نصدقها بسرعة دون بحث وتمحيص ودون أن نتبين. لا يجوز أن يحملنا حبنا لديننا على المبالغة في الحماس والحمية مما قد يكون أضر به من مواقف أشد أعدائه عليه وليكن ظننا بعلمائنا وأمتنا حسنًا سواء كانوا من الأحياء أو الأموات، وقد جاء في الحديث: «من قال هلك الناس فهو أهلكهم»، أو كما قال: أي أشدهم هلاكًا، أو أنه تسبب في هلاكهم.

ثامنًا وأخيرًا وأنا أو إياكم... 

وأخيرًا يختم الأستاذ المستشار مقاله بقوله: «هذا ما نؤمن به- فإن عادت الإشارة إلى كل ما جاء في المقال وعم الموصول المبهم كل التهم فإننا- نعلم- أنه في- إيمانه- لم يستند على حجج متينة وبراهين قاطعة، مع أن الإيمان يجب أن يستند على مقدمات مسلمة ونتائج صحيحة، وحجج قاطعة وبراهين ساطعة، ولا يكون مبنيًا على مجرد التخمين والوجدان ومقدمات لم تأت ببرهان».

ثم يروي قولًا منسوبًا لأحد أساطين الأئمة المجتهدين، من العلماء الراسخين، اشتهر من بينهم بالفصاحة والبلاغة وحسن الجدل، وحذق المناظرة، إنه يروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه يقول: «قولنا صواب يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب» ولا أظن أن مثل الشافعي في جلالة قدره ورسوخ قدمه في الجدل وأدب البحث يصدر عنه مثل هذا القول أثناء المناظرة؛ فإنه متأدب بآداب القرآن، والله أدب نبيه فيه وهو يناظر أجهل خلق الله من أهل الأوثان، بأن يقول لهم:﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: 24) والله يعلم أن نبيه على الهدى وإنهم في ضلال مبين، ويعلم أن رسوله مؤمن بأنه على هدى وأنهم في ضلال مبين، وأنه لم يشك لحظة أنه يمكن أن يكون معهم في مقام استواء، بل كان يتحقق أنه على الهدى وأنهم في الضلال المبين، ومع ذلك أمره ربه- في مقام الجدل- أن يردد الأمر بينه وبينهم، حتى يجتنب عنادهم ويحملهم على التفكير الهادئ والتقدير الصحيح وتحكيم الحجة والبرهان وكذلك كان أمر أكثرهم: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبو سفيان بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية، وكثير غيرهم فكروا وقدروا وعلموا أن دين الله هو الحق وأنهم في الضلال المبين فصرحوا بذلك واعترفوا به ثم أسلموا. وهكذا يكون الأمر بين كل متناظرين حتى ينقطع أحدهما وتلزمه حجة مناظرة أو يلجأ إلى المكابرة والعناد كما قص الله عن بعضهم بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ (الأنعام: 33)... وقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: 14) فإن أصر الأستاذ البهنساوي على أن قوله الصواب وقول غيره الخطأ واستدل بقول الشافعي فإني أردد قول الله سبحانه وأفضله على كل قول ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: 24).

وأسأل الله لي وله ولسائر المسلمين أن يلزمنا كلمة التقوى وأن يجعلنا من أهلها.                                                        

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل